كان الاتجاه العام- كما اتضح فى الفصل الأول- ينحو نحو تفكك التضامن الاجتماعى، ونحو ازدياد النزعة الفردية. ومن بعض الجوانب
[ ١٥٣ ]
كانت التنظيمات القبلية والعشائرية لا تزال قوية، وان كان بعض الناس لم يكونوا يترددون فى غض الطرف عن الروابط العشائرية. وكان هذا هو الوضع فى مكة خاصة، ذلك لأن الحياة التجارية فى مكة قد أسرعت بظهور الفرديه حيث المصالح الماليه والماديه هى أساس المشاركة، مثلها فى ذلك- غالبا- مثل العلاقات القبلية والعشائرية blood relationship.
فجمع الثروات الضخام- وهو ما اشار اليه القران الكريم على أنه الشغل الشاغل لكثير من أهل مكة- يعد علامة على هذه الفردية. والحكاية ذات المعنى الرمزى عن أصحاب الجنة (البستان) التى أشرنا اليها انفا (فى السورة رقم ٦٨/ الاية ١٧ وما بعدها) تمثل عملية تحالف لاحراز الاحتكار فى مجال من المجالات واغلاق فرص النجاح أمام المنافسين، فليس هناك فى الايات ما يشير الى أن هؤلاء الملاك للبستان كانوا من عشيرة واحدة.
وبينما يبدو من غير المعقول أنه كان فى مكة زيادة فى عدد الفقراء ذوى الفقر المدقع، الا أنه من المحتمل أن تكون الفجوة بين الأثرياء والفقراء كانت قد اتسعت فى نصف القرن الأخير، فالقران الكريم يشير الى زيادة الوعى بالفرق بين الأغنياء والفقراء- أو ربما يجب أن نقول: بين الأغنياء من ناحية وغير الأغنياء والفقراء من ناحية أخرى، ومن الواضح أيضا أن الأغنياء لم يكونوا يعبأون بالفقراء وغير ذوى النفوذ، حتى من بين أفراد العشائر التى ينتمون اليها. وربما كانت الاشارة الى الأيتام تفيد أنهم كانوا لا يعاملون معاملة حسنة من أقربائهم الأوصياء عليهم، وفى سورة عبس (رقم ٨٠) صورة لمحمد ﷺ تبين أنه- للحظة- قد جارى العرف السائد فى مراعاة الأثرياء وذوى النفوذ وعدم الاهتمام بالاخرين.
كل هذا لا بد أن يعنى افتقاد روح الجماعة (أو معنى الجماعة (the sense of community فالانسان حيوان اجتماعى يصبح غير سعيد اذا لم يكن له جماعة ينتمى اليها. فالأساس أو المبدأ الجديد الذى أصبح صائدا فى الجماعة هو الذى تجلى فى المصالح المادية لكن هذا لم يكن بديلا مرضيا للعلاقة العشائرية أو القبلية، Kinship by blood لكنه قد يؤدى الى تحالف كبير (كونفدرالية كبيرة) كالتى تكونت لتأليف
[ ١٥٤ ]
حملة لحصار المدينة فى السنة الخامسة للهجرة. لكن هذا التحالف القائم على المصالح كان دائما عرضة للتفسخ، بمجرد أن يحس أن مصالحه متعارضة مع مصالح الجماعة ككل. كما أن مثل هذا التحالف قد يكون مفيدا فى القضايا الكبرى والأعمال التجارية الضخمة والسياسات، لكنه أقل اقناعا فى الحياة اليومية لمن هم أقل شأنا. وفى هذا الجو، اختفى معنى الأمن فى العيش فى أحضان الأقرباء، وبذلك كان هناك فراغ أمنى ظل شاغرا بعد تقطع أواصر القبيلة والعشيرة (فى مكة) .
والايات القرانية الأولى (وفقا للقائمة التى أوردناها فى هذا الفصل) لم تقدم سوى تنبيه للعلاج الحقيقى لهذا الوضع، أعنى أنها ركزت على أن الأساس الجديد للتضامن الاجتماعى انما يكمن فى الدين.
وربما كان التركيز على واجبات الكرم (المقصود الاحسان الى الاخرين) مقصودا به تخفيف حدة المشاكل، فلا بد من تقديم المساعدة المادية للفقراء (رغم أن هذا بلا شك، لم يكن الهدف الأساسى للكلام) ولا بد أن يتوقف النظر للمال كقاسم اجتماعى كبير، فالأثرياء- الى حد ما- لا بد أن يعتبروا أنفسهم (وكلاء (stewards فى ثرواتهم، أكثر من أن يعتبروا أنفسهم مالكين لها ملكية مطلقة. ومبدأ الوكالة هذا Stewardship كما يسميه الغرب فى بعض الأحيان- يعنى أن الانسان الذى حصل ثروة لا يجب أن يستخدمها لسعادته ومتعته فحسب وانما- الى حد ما- لسعادة مجتمعه، هذا المعنى الكامن فى مبدأ (الوكالة) الغربى يظهر واضحا فى سورة المعارج (٧٠):
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) ..) .
فما يأخذه السائل والمحروم حق.recognized right ومن ناحية أخرى لم يحاول الاسلام أن يستعيد النظام القديم المبنى على التضامن القبلى فقد استقر مبدأ وعى الفرد بفرديته، وكان لا بد أن يكون مقبولا، كما كان لا بد من وضعه فى الاعتبار، فقد قدم لنا القران الكريم اليوم الاخر على أنه يوم يحاسب فيه كل فرد عن عمله، وفى السورة ٨٢ (الانفطار):
[ ١٥٥ ]
(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) ..) .
أى أنه فى هذا اليوم لا يكون لأحد سلطة أو نفوذ لنفع الاخر أو ضره. ونقرأ فى السورة ٣٥ (فاطر):
(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) ..) .
لكن لا بد أن نذكر أنه فى السور المدنية حيث تكون المجتمع الاسلامى، كان هناك تركيز على مسئولية الفرد تجاه أقربائه:
( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (١٧٧) ..) .