فى سن الأربعين، طبقا لما جاء فى كتب السيرة، بعث الله محمدا (﵊) بالنبوة وبدأ نزول الوحى عليه. وأفضل بداية هى رواية الزهرى مع ذكر ما رواه عن الفترة أو انقطاع الوحى.
ولم نذكر هذه الرواية هنا، كما فعلنا مع رواية ابن هشام، لنعطى تتابعا متسلسلا، وانما لنضم مقتطفات من المادة الأصلية كما وصلت للزهرى.
ليس فى النص الأصلى كما وصل الينا تقسيم، وانما أدخلنا بعض التقسيم للتوضيح، وقد وضعنا هذا التقسيم فى الفواصل التى فى المادة التى كتبها الزهرى عند تغير الراوى.
(أ) سمعت النعمان بن رشيد يروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة (﵂) أنها قالت: (أول ما بدىء به رسول الله (ﷺ) من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح) .
(ب) ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه (يتعبد؟) الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع* الى أهله ويتزود لذلك**، ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه*** الحق وقال: يا محمد، أنت رسول الله.
(ج) قال رسول الله (ﷺ): (كنت واقفا فجثيت**** منه رعبا، فرجعت ترجف بوادرى***** فرجعت الى خديجة فقلت زملونى
_________________
(١) * نزع الشخص الى أهله: حن اليهم واشتاق (المعجم العربى الأساسى) - (المترجم) . ** تقصد لهذه الخلوة- (المترجم) . *** جاء بغتة على غير موعد- (المترجم) . **** جثا: جلس على ركبتيه- (المترجم) . ***** البوادر جمع بادرة، هى لحمة بين المنكب والعنق- (المترجم) .
[ ١٠٢ ]
زملونى الى أن ذهب عنى الروع) . فجاءنى* فقال: (يا محمد، أنت رسول الله) .
(د) قال (أى محمد ﵊)، (لقد عزمت أن أتردى من رؤس شواهق الجبال) ولكنه ظهر لى وقال: (يا محمد، أنا جبريل وأنت رسول الله) .
(هـ) ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء (أو «ماذا أقرأ»)، قال (أى محمد ﵊): (فأخذنى فغطنى** حتى بلغ منى الجهد ثلاث مرات ثم قال: «اقرأ باسم ربك الذى خلق») فقرأتها***.
(و) ثم جئت خديجة فقلت: (ما لى؟ أى شىء عرض لى؟ وأخبرتها بأمرى) قالت: (أبشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدى الأمانة وتحمل الكل**** وتقرى الضيف) ***** وتعين على نوائب الحق) ******.
(ز) ثم أخذتنى******* الى ورقة بن نوفل بن أسد وقالت:
اسمع من ابن أخيك، فسألنى فأخبرته بما رأيت، قال: هذا الناموس
_________________
(١) * يقصد الملك- (المترجم) . ** أى خنقنى- (المترجم) . *** فى النص الذى رواه البخارى عن عروة عن عائشة ﵂ تأتى هذه الفقرة (هـ) بعد قولها: ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء. فى حين أن الفقرة التد ذكرها المؤلف قبلها (الفقرة د) تصف الفترة التى انقطع فيها الوحى وهى بعد أحداث الفقرة هـ بزمن على ما أجمعت عليه معظم الروايات التى يعتد بها. ولسبب لا يعلمه الا الله عكس المؤلف ترتيب الأحداث ووضع الحديث الذى كان رسول الله ﷺ يتحدث فيه عن انقطاع الوحى قبل الفقرة التى تصف أول نزول الوحى- (المترجم) . **** أى تعطى صاحب العيلة (كثرة الأبناء) ما يريحه من ثقل مؤنة عياله (البداية والنهاية) - (المترجم) . ***** تكرم الضيف بالطعام والمأوى- (المترجم) . ****** تعين من وقعت له نائبة فى خير فتقوم مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش (البداية والنهاية) - (المترجم) . ******* يتجه أكثر العلماء الى أن السيدة خديجة هى واحدها التى ذهبت الى ابن عمها ورقة، وما كان الرسول ليذهب اليه فى مثل هذه الأحوال ليركن الى قول البشر- (المراجع) .
[ ١٠٣ ]
الذى أنزل على موسى بن عمران، يا ليتنى فيها جذعا*، يا ليتنى أكون حيا حين يخرجك قومك، قلت: أو مخرجى هم؟ قال: نعم، انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به الا عودى، وان يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
(ح) كان أول ما نزل الى من القران بعد اقرأ: (ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) و: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ)، و: (وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) «١١» .
(ط) قال الزهرى: ثم فتر الوحى عن رسول الله (ﷺ) حتى حزن النبى (ﷺ) حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى بنفسه تبدى له جبريل فقال:
(يا محمد، انك رسول الله حفا) فيسكن لذلك حاله وتقر نفسه فيرجع.
(ى) كان النبى (ﷺ) يحدث عن فترة الوحى، قال: (فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فاذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض، فجثيت منه فرقا** حتى هويت الى الأرض، فجئت أهلى فقلت: زملونى زملونى) .
(ك) فدثرناه فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) .
(ل) أضاف الزهرى: كان أول ما نزل عليه من الوحى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، الى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق ١- ٥) «١٢» .
_________________
(١) * شابا قويا- (المترجم) .
(٢) تاريخ الطبرى، ١١٤٧ وما بعدها. ** أى رعبا- (المترجم) .
(٣) الطبرى، ١١٥٥.
[ ١٠٤ ]
ذكر الزهرى، المعروف ايضا بابن شهاب، رواية اخرى للفقرتين (ى) و(ك) تبدا هكذا: «قال جابر بن عبد الله الانصارى، سمعت رسول الله (ﷺ) يحدث عن فترة الوحى قال: فبينما أنا امشى»، وتتجنب هذه الرواية تغير المتحدث من الفقرة (ى) للفقرة (ك) وذلك بقوله ﷺ: (فدثرونى)، أى وضعوا دثارا على، وهذه الرواية لها أهميتها لأنها رواية عن جابر تجعل سورة المدثر هى أول الوحى* «١٣» .
من الواضح أن الفقرات من (أ) الى (ح) متصلة الاحداث فى رواية الزهرى ولكن ليس من الضرورى أن تكون كلها عن السيدة عائشة (رضى لله عنها)، وربما كان قطع ابن اسحق لرواية عائشة بعد أول جملة فى الفقرة (ب) بسبب تفضيله لروايات أخرى لما (بكسر اللام) تبقى ولا يعنى هذا بالضرورة انقطاع الأصل عند هذه النقطة، ومع ذلك فليس هناك فائدة كبيرة فى مناقشة هذا الاسناد. وبدلا من ذلك أقترح دراسة الأدلة العقلية لهذه الفقرات، وبالذات دراسة ما يمكن أن نسميه «السمات» المختلفة للروايات.