المصدر الأول الذى رجع اليه وات Watt هو القران الكريم، وذلك من خلال المطبوعين التاليين:
ترجمة ريتشارد بل Bell للقران الكريم، الذى نشر فى جزءين (١٩٣٧- ١٩٣٩) فى أدنبرة ببريطانيا. غير أن بل فعل شيئا اخر غير الترجمة، لقد أعاد ترتيب السور والايات مسلسلا اياها حسب النزول الأول فالأول، Critical rearrangement وأعطى للايات والسور ترقيما بالحروف كالاتى:
أول ما نزل
باكره، أى من أول ما نزل بمكة- الحقبة القرانية الأولى
مكى بشكل عام
اخر الحقبة المكية
مدنية باكرة
مدينة بشكل عام
مرتبطة بغزوة بدر
مرتبطة بغزوة أحد
حتى الحديبية
بعد الحديبية
منسوخة.
ومعنى هذا أن بل Bell رجع لكتب التفسير كلها، وكتب السيرة وكتب أسباب النزول ليقوم بهذا العمل المرهق. ورجع وات Watt
[ ١٠ ]
لمطبوع اخر للقران الكريم بترجمة بل أيضا، لكن المستشرق فلوجل Flugel هو الذى تحمل مسئولية ترقيم الايات.
المطبوع الثانى يمثل جهدا من نوع يبين مدى الاهتمام الذى حظى به القران وسيرة الرسول ﷺ فى الغرب لسبب أو اخر، ونعنى به كتاب ليون كيتانى Leone Caetani الذى حاول ترتيب أحداث السيرة النبوية عاما فعاما، Annali dellIslam وربط ترتيبه هذا بالايات القرانية، فكأنما هو جعل السيرة اطارا عاما، ثم راح يبحث عن الايات أو السور التى تناسب كل واقعة أو حادثة أو ظرف اجتماعى، ووضعها مرتبطة بها، سواء كان ذلك بناء على مصادر اسلامية أو استنتاجا بالشواهد والقرائن والتخمينات. ولا بد أن كتاب نولدكه Noldeke الشهير عن تاريخ القران Geschichte des Quran قد تعرض لأسباب النزول وتحدث عن السابق والأسبق نزولا من الايات القرانية، لكن مما يؤسف له أنه لم يتح لى قراءة هذا الكتاب ولا أظنه مترجما.
وهنا تثور عدة أسئلة. نبدأ بأولها: لماذا بذل المستشرقون هذا الجهد المضنى لترتيب القران الكريم وفقا للأسبق فالسابق فالأقل سبقا.. الخ؟
ان أسباب ذلك متعددة، منها ما ذكره وات نفسه فى مقدمته وهو محاولة ( ربط المادة التاريخية التقليدية- يقصد ما ورد فى كتب السيرة وغيرها- بالقران الكريم. ولقد كان من المعتاد لفترة من الوقت التأكيد على أن القران الكريم هو المصدر الأساسى للحقبة المكية فلا شك أن القران معاصر لهذه الفترة، لكن القران- اذا استبعدنا صعوبة تحديد الترتيب الزمنى للأجزاء المختلفة (ترتيبه حسب تاريخ النزول) وعدم وضوح كثير من النتائج المتعلقة بذلك لأن القران نزل مفرقا ومنجما- لا يعطى لنا الصورة الكاملة لحياة محمد ﷺ والمسلمين فى الفترة المكية..) .
[ ١١ ]
ويخلص وات الى أنه- لذلك- سيعتمد على القران الكريم كمصدر لتاريخ الفترة المكية، بالاضافة الى أحاديث الرسول ﷺ وكتب السير.. الخ.
سبب اخر دفع هؤلاء المستشرقين لاعادة ترتيب النص القرانى وهو ايمانهم بالمنهج التطورى فى التفكير وكتابة التاريخ، سواء تاريخ أوربا أو تاريخ العالم الاسلامى. كما أنهم لا يرون الأحداث تتحرك فى فراغ وانما من خلال بيئة اجتماعية واقتصادية وسياسية. كما أنهم يبحثون دائما عن دافع أو وازع للحركة، وقد يصيبون وقد يخطئون. واذا لم يضع القارئ فى اعتباره هذه (النظرة) أو هذه (الطريقة فى التفكير)، فقد يسىء فهم ما يقرأ.
اننا نكاد نفهم أن وات اعتمادا على ترتيب بل الانف ذكره- يكاد يحدثنا عن المرحلة القرشية للاسلام، أى المرحلة التى بدا فيها الاسلام وكأنه لقريش دون سواها. ونكاد نفهم من تلميحاته أحيانا وتصريحاته حينا- أن الاسلام بدأ يمر بمرحلة عربية أى أنه فى هذه المرحلة صار موجها للعرب.
ولا يقصد وات هنا أن الاسلام ليس دينا عالميا، فهذه مسألة حسمها التاريخ، فالاسلام يمتد الان بكثافة ما بين خط عرض ٦٠* شمالا وخط عرض ٦* جنوبا، بالاضافة لمسلمين كثيرين خارج ما يحتضنه هذان الخطان.
بل ان البعد العالمى ظهر فى الاسلام منذ بواكير الدعوة، فقد كانت كل أجناس البشر ممثلة حول الداعى الرسول ﷺ، فقد كان هناك صهيب (الرومى) وسلمان (الفارسى) وبلال (الحبشى) وعرب يمنيون وعرب شماليون. و(وات) نفسه يذكر لنا فى كتاب اخر له ترجم للعربية بعنوان (الاسلام والمسيحية) «١» ان الاسلام هو دين المستقبل، لأنه يحتضن كل قيم الديانتين السابقتين عليه: اليهودية والمسيحية، بالاضافة لأسباب أخرى ساقها تفصيلا فى كتابه.
_________________
(١) فى سلسلة الألف كتاب الثانى، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[ ١٢ ]
فليس المقصود، اذن، بالمرحلة القرشية والمرحلة العربية وصم الاسلام بالمحدودية، وانما كان من الطبيعى ان تبدأ الدعوة لقريش ثم تمتد وفقا لتطور الأحداث. وأرانى غير منزعج كثيرا بقول وات ان الربا لم يحرم فى المرحلة المكية لأنه كان أمرا شائعا بين تجار مكة، وانه لم يحرم الا فى المرحلة المدنية بعد استقرار دولة الجماعة الاسلامية. فالتدرج فى الدعوة، ومراعاة الظروف والرفق، كل ذلك من الأساليب المعروفة فى الدعوة بشكل عام ودعوة الاسلام بشكل خاص. فالخمر محرمة فى الاسلام يقينا، لكن ذلك لا يمنع من أن ذلك تم بالتدريج كما هو ثابت فى ايات القران الكريم.
بقى سؤال اخر: أليس أمرا مزعجا أن يعاد ترتيب ايات القران الكريم وسوره؟ أليس ذلك تحريفا للكلم عن مواضعه؟
اللهم لا*، فهذا يقصد به فهم مجريات الأمور وربط الايات الكريمة بأسباب نزولها، ومحاولة فهم الايات فى ضوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وقد استقر المصحف الشريف بترتيب سوره وآياته، ونحن نقرأه متعبدين بهذه الطريقة التى حفظه الله بها.