الجوانب الدينية لقضايا مكة قبل الاسلام مرتبطة بقضايا حياتهم، بمعنى أنه من خلالها يجدون معنى للحياة وأهمية لها. لقد وجد الدين البدوى القديم معنى للحياة فى الشرف، وبدرجة أقل فى فكرة استمرار القبيلة، فالقبيلة هى تجسد للشرف- وكانت الفكرة عن القبيلة هى الأكثر قابلية للتطبيق. وهذا الاتجاه الدينى القديم كان قد تحطم فى مكة بسبب تطور الاتجاه الفردى وازدياده وبسبب ضعف الرأى العام وقلة أهميته كأساس لاحراز الشرف، وبسبب عدم كفاية فكرة المروة التى كانت أساسا للشرف. وفى مكة، لم يكن هناك مثل أعلى جديد، فقد حلت فكرة التفوق بالاستحواذ على الثروة بدلا من الشرف، ونتج عن هذا مجموعة قيم أخرى مرتبطة بها. وكانت هذه الأفكار تمثل مثلا (بضم الميم والثاء) ودينا ربما لم يكن يرضى الا قلة من الناس وعلى امتداد جيل أو جيلين، فلم يكن ذلك يرضى مجتمعا كبيرا على المدى الطويل. فالناس سرعان ما يدركون أن هناك أشياء لا يمكن شراؤها بالمال. وفى أفضل الأحوال فانهم يستطيعون- فقط- أن يجدوا معنى وأهمية فى كونهم أثرياء، ان هم غضوا الطرف عن حقائق أخرى غير سارة كالمرض والموت خاصة الموت المبكر. ففى أى مجتمع مهما كان حجمه توجد أمور غير سارة تتج؟؟؟ ع لتقتحم عنوة حياته، خاصة حياة الأثرياء منهم، هذا اذا نحينا الفقراء الذين يجدون صعوبة فى نسيان أنهم أقل حظا من الناحية المالية. ان
[ ١٦١ ]
الاضطراب العائد الى عدم كفاية هذا الدين (دين عبادة المال) ربما شعر به بشكل حاد متوسطو الثروة (غير الأثرياء جدا)، فهؤلاء كان لديهم من الوقت كى يتأملوا وكى يكونوا على بعض الوعى بحدود ما يقدر عليه المال، أو بتعبير اخر قصور سلطان المال.
ويشير القران الكريم فى أوائل ما نزل منه الى ثقة قريش المفرطة فى المال باعتبارها خطيئة حاقت بها، واعتبر- أى القران الكريم- ذلك واحده كافيا للادانة. فالثقة فى الثروة تجر وراءها المبالغة فى الثقة بالنفس وتجر الانسان الى نسيان اعتماده على الله، أو حتى انكار ذلك.
ولكى يذكر القران الكريم الانسان أنه مخلوق، فقد جعله يتحقق من أن كثيرا من الأشياء التى تسبب له السعادة- بما فيها المال- انما هى فى الحقيقة ملك لله تعالى، فتحدث القران الكريم عن خلق الله للانسان وتزويده بكل ما يجعل السعادة فى الحياة أمرا ممكنا، وذكر الانسان بأنه سيعود الى الله فالى الله المصير. لقد حض القران الكريم على شكر الله وعبادته والاعتراف بفضله والاعتماد عليه، وأن يتخلى الانسان عن الاعتماد المبالغ فيه على الثروة، وكان ذكر اليوم الاخر بمثابة تحذير للانسان من أن مصيره النهائى بين يدى الله وليس بين أيدى البشر.
وفى مقابل كل هذا لا بد أن نحاول فهم التركيز على قيم الكرم، فمثل هذه القيم لها أثرها الاجتماعى والاقتصادى لكن يكاد يكون مؤكدا أنها لم تكن أهم جوانبها. لقد كان ذكرها بمثابة اعادة تأكيد على قيم (المروة)، وكان هذا أمرا مهما، لكن كانت هناك أمور أخرى أيضا. لقد كانت هناك ممارسات عملية بمعزل عن الثروة، وكان هناك تعبير خارجى عن هذا الاتجاه الجديد الداخلى (العميق) لا بد من وجوده لتقوية الفكرة الكامنة وراءه.. لكن من المؤكد أنه بمرور الوقت، فان هذه الأفعال المتعلقة بالكرم أصبحت مرتبطة بشىء ما راسخ وعميق الجذور فى قلب العربى. لقد أصبحت أفعال الكرم (المقصود الصدقات والزكاة..
الخ) كنوع من التضحية (تقديم الأضحيات)، لاسترضاء القوى الأقدر لاتقاء غضبها وكسب رضاها. انها استمرار لما كان يفعله اباؤهم وأجدادهم
[ ١٦٢ ]
الوثنيون من تقديم أضحيات للالهة الوثنية. انه من الصعب أن نقول الى أى حد كانت هذه الفكرة ماثلة فى عقول المسلمين الأوائل، لكن يمكن القول بصعوبة انها كانت حاضرة فى الوعى، اذا نظرنا للتطورات التى حدثت بعد ذلك والتى شجع عليها القران الكريم، واذا كان الأمر كذلك فان أفعال الكرم هذه (زكاة وصدقات.. الخ) التى تحض على تقديم أضحيات كان لها مكان عميق فى قلوب المسلمين الأوائل، ولا بد أنها أصبحت تعبيرا أكثر تقدما على اعتماد الانسان على قوى عليا (المقصود على الله سبحانه) .
أما والأمر كذلك، فان التعاليم الظاهرة فى أول ما نزل من القران الكريم تبلغ ذروتها فى بيان قوة الله سبحانه وكونه خيرا، وكونه خالقا عادلا، وفى حث الانسان على الاعتراف بذلك والتعبير عن اعتماده على الله سبحانه.