هناك حديث عن جابر بن عبد الله الأنصارى أن الايات الأولى من سورة المدثر كانت أول الوحى، وقد يبدو ذلك مناسبا لأن فيها «قم فأنذر»، وهذا القول يبدو كما لو كان أمرا للقيام بمهمة الرسول، وكان يمكن أن تكون هذه الايات أول الوحى لو أن محمدا (ﷺ) قد بدأ الدعوة العلنية فجأة وبدون فترة اعداد، ولكن لو وجدت هذه الفترة الاعدادية، وكان فيها وحى، فان هذا يعنى أن سورة المدثر لا يمكن أن تكون أول الوحى، ولقد رأينا أن «اقرأ» لا تستلزم بالضرورة الدعوة العامة. ولكن من ناحية أخرى، فان استمرار وجود هذا الحديث، بالرغم من الاتفاق العام منذ زمن بعيد أن سورة العلق هى أول
_________________
(١) * ارهاصات: اشارة غيبية تصدق فيما بعد (المغنى الكبير- (المترجم) . Bell،Origin،٩٠ f ;Cf.Noldek -Schwally،i،٨٢. (٢٦)
(٢) انظر الفصل الثالث.
[ ١١٤ ]
الوحى*، يعطى احساسا بأن فيه قدرا من الحقيقة، وأكثر الاراء احتمالا أنها تحدد بداية الدعوة العلنية.
هناك دلائل قوية فى الأحاديث على أن هناك تميزا بين الدعوة العلنية** والدعوة السرية. كتب ابن اسحق «٢٨»: «ثم أمر الله نبيه، بعد ثلاث سنين من البعثة، بأن يعلن ما جاءه منه وأن يسمع الناس كلمة الله ويدعوهم اليها» . وقد أخبرنا فى موضع اخر أن الوحى كان يبلغ الى محمد (﵊) على لسان اسرافيل لمدة ثلاث سنين قبل السنين العشر التى كان الوحى يأتيه فيها على لسان جبريل «٢٩» ***.
وتوصف بداية السنين الثلاث أحيانا بمجىء النبوة وبداية السنين العشر بمجىء الرسالة «٣٠» . ونظرا للاجماع الكبير على هذا الحديث والاحتمال القوى لصحته، يمكننا أن نقول انه كان هناك فرق بين المرحلتين اللتين مرت بهما دعوة محمد (﵊)، وأن التواريخ الواردة صحيحة تقريبا، ولكن من الصعب أن نقول ما طبيعة الفرق بالضبط، لأن المسلمين الأوائل دخلوا فى الاسلام، كما يقال، فى الفترة الأولى.
_________________
(١) * يتجه المفكرون المحدثون الى الجزم بأن ايات سورة العلق كانت أول ما نزل من القران الكريم، ولم يفهم الرسول منها ماذا يطلب منه حتى نزلت سورة المدثر وفيها أمر بأن يبدأ الدعوة (قم فأنذر) فشرحت سورة المدثر ما كان خافيا- (المراجع) . ** الصحيح أن الدعوة العلنية بدأت عندما نزل قوله تعالى «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (سورة الحجر، الاية ٩٤) - (المراجع) .
(٢) أ. هـ.، ١٦٦، وأيضا حوليات الطبرى ١١٦٩ (المؤلف) .
(٣) الطبرى، ١٢٤٨ وما بعدها. *** قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن أبى عدى عن داود بن أبى هند عن عامر الشعبى أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل القران، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القران على لسانه عشرين سنة، عشرا بمكة وعشرا بالمدينة، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة- (المترجم) . Caetani.Ann.i. ٢١٨ -٢٢٠. (٣٠)
[ ١١٥ ]
يزيد الأمر تعقيدا بوجود الفترة، أو انقطاع الوحى، كما ذكرنا فى الفقرة (ط)، واذا قارنا ما ذكر فى الفقرتين (ى) و(ك) مع رواية الزهرى عن جابر «٣١» برواية نفس الحديث عن جابر التى رواها يحيى ابن أبى كثير «٣٢»، يبدو واضحا أن الزهرى قد أدخل «الفترة» ليوفق بين هذا الحديث والقول بأن سورة العلق كانت أول ما جاء. ومع ذلك، فان هناك دليلا اخر على حدوث «الفترة»، فان ابن اسحق يجعلها قبل نزول سورة الضحى «٣٣» *، واحتمالات حدوث مثل هذه التجربة أمر قائم، ولكن من غير المحتمل أن تكون قد استمرت ثلاث سنين كما يقال أحيانا، وربما كان هذا الرقم نتيجة للبس بين هذه الفترة وفترة الدعوة السرية. وتشير هذه الاعتبارات الى أنه ربما كانت هناك فترة انقطاع فى ممارسة محمد (﵊) الدينية، ولا يعتبر ظن الزهرى (والذى اخذ به) أنها كانت قبل بدء الدعوة العامة مباشرة دليلا قويا؛ ولكنها محتملة جدا.
تؤخذ كلمة «مدثر» عادة على أنها تعنى «مغطى بدثار» (أو دثار) (بدال مفتوحة)، فاذا كان هذا المعنى صحيحا فان فعل ذلك له علاقة ما بتلقى الوحى، فربما يكون ذلك لحث الوحى أو، وهو الأكثر احتمالا،
_________________
(١) الطبرى، ١١٥٥ وما بعدها.
(٢) ابن هشام، ١٥٦.
(٣) ابن هشام، ١٥٦. * ورد ذكر فترة انقطاع الوحى فى أحاديث رواها البخارى عن السيدة عائشة (وهو الذى رواه أيضا الزهرى ويتناوله المؤلف بالدراسة والتحليل) وابن شهاب عن جابر بن عبد الله ونصه: (قال جابر بن عبد الله وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه (يعنى الرسول ﵊): بينا أنا أمشى اذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى زملونى فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ الايات من ١- ٥ من سورة المدثر. فحمى الوحى وتتابع. نرى من هذا الحديث أن جابرا رضى الله عليه عندما قال ان أول ما نزل من الوحى هو أول سورة المدثر كان بعد فترة انقطاع الوحى وليس أول ما نزل مطلقا، وذلك مطابق لما ورد فى الروايات الاخرى من وقوع فترة انقطاع الوحى.
[ ١١٦ ]
لحماية المتلقى الادمى من خطر التجلى الالهى «٣٤» *، ومن ناحية أخرى طورت ألفاظ معينة- بشكل مجازى- فكرة (التغطية) فأصبحت تطلق على شخص غامض أو غير مشهور. وهذا المعنى لا ينطبق على محمد ﷺ، فهو وفقا لمعايير أهل مكة لم يكن- نسبيا- شخصا قليل الأهمية.
هذه الصورة التى كوناها توضح اذا ما سقنا هذه التفاصيل غير المؤكدة فى سياق واحد- أن مسار الأمور كان كالتالى أو شيئا قريبا منه:
كانت هناك مرحلة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الاعداد (اعداد محمد ﷺ لتحمل مهام النبوة)، وقد استمرت هذه المرحلة ثلاث سنين، وفى هذه المرحلة كان قد بدأ يتلقى وحيا من نوع ما. وفى الأحاديث التى ورد فيها ذكر اسرافيل ما يفيد أن محمدا ﷺ كان يسمع صوتا ولا يرى جرما «٣٥» **، ويمكن أن نرجع القسم الأول من سورة العلق وسورة الضحى الى هذه المرحلة، وقد يكونان (جزا سورة العلق والضحى) أيضا من نوع الوحى ذى الطبيعة الخاصة (الموجه لمحمد ﷺ خاصة) الذى لم يعتبره محمد ﷺ جزا من القران الكريم (كيف هذا؟ هذه غير مفهومة، واذا كان الأمر كذلك فلم نجد ايات السورتين فى مصاحفنا؟ - المترجم) . وعند نهاية هذه السنين الثلاث، كانت الفترة (وهو المصطلح الذى يعنى انقطاع الوحى)، وقد يكون الانتقال من خصوصية الوحى (أى توجيهه للرسول ﷺ دون تكليفه بابلاغه) الى عموميته (أى توجيهه لمحمد ﷺ وتكليفه بابلاغه الى أهل مكة) هو الوقت المناسب للرؤى، ففى هذه الفترة الانتقالية خاطب الوحى محمدا ﷺ باعتباره (رسول الله)، وفى هذه المرحلة الانتقالية نزلت سورة المدثر (رغم أن ارتباطها بالرؤى فى الروايات المتداولة لا يعد برهانا كافيا بسبب الانفصال الذى يحول بيننا وبين فهم طبيعتها المركبة) ويمكن للمرء أن يتوقع أن محمدا ﷺ تكلم فى المسائل الدينية مع أصدقائه المقربين خلال فترة الاعداد، لكنه أمر غريب
_________________
(١) انظر نولدكه- شفالى، ١، ٩؛ وفلهاوزن. ١٣٥ Reste * لا هذه ولا تلك، فالوحى لا يستحث ولا يستحضر برغبة الانسان، ولو كان الأمر بهذه البساطة لما حزن الرسول ﵊ لانقطاع الوحى. أما الاحتمال الثانى، فهو بعيد لأن الله سبحانه عندما تجلى للجبل جعله دكا، كما فى قصة سيدنا موسى كما وردت فى القران الكريم.
(٢) الطبرى، ١٢٦٩، ٥. ** يقصد التفاصيل لا المسار العام للحوادث.
[ ١١٧ ]
أن يكون هناك نقاش قبل تكليف محمد ﷺ بابلاغ الدعوة (سرا أو جهرا) لأهل مكة. لهذا؛ فهناك شك فى كثير مما ينسب الى هذه المرحلة (مرحلة الاعداد) فى الروايات التقليدية.