هذا الكتاب يهم ثلاث طوائف من القزاء على الاقل: الذين يهمهم الموضوع كدارسين للتاريخ، والذين يتناولونه لأنهم مسلمون أو مسيحيون، وعلى أية حال فهذا الكتاب موجه أولا وبصفة رئيسية للمهتمين بالتاريخ. ولقد حاولت المحافظة على الحياد فى المسائل اللاهوتية (الدينية) التى يدور حولها النقاش بين المسيحية والاسلام، فمثلا، لتجنب الجزم بما اذا كان القران كلام الله أم لا، فقد تحاشيت استخدام التعبير «يقول الله» أو «يقول محمد» واستخدمت التعبير «يقول القران»، ومع ذلك فاننى لا أتبنى المنظور المادى بحجة التزامى بالنزاهة التاريخية، فأنا أكتب كمؤمن بالتوحيد.
هذا الاتجاه الأكاديمى يعتبر بطبيعة الحال غير تام، فمن حيث اتصال المسيحية بالاسلام، فان على المسيحيين أن يتخذوا من محمد (﵊) موقفا، لابد أن يكون قائما على أسس دينية (لاهوتية) .
وأعترف أن كتابى ناقص من هذه الناحية، ولكننى أقول انه يقدم للمسيحيين المادة التاريخية التى يجب أن تؤخذ فى الاعتبار عند تكوين الرأى اللاهوتى (الدينى) .
أما قرائى من المسلمين، فاننى أقول لهم شيئا مشابها. فقد حاولت- مع الالتزام بالمقاييس العلمية التاريخية الغربية- ألا أقول
[ ٤٠ ]
شيئا يفهم منه رفض أى مبدأ من مبادىء الاسلام الأساسية، اذ لا يجوز أن تكون هناك هوة لا يمكن عبورها بين الثقافة الغربية والاسلام، فاذا كانت بعض النتائج التى توصل اليها علماء الغرب لا يتقبلها المسلمون، فربما كان السبب فى ذلك أن علماء الغرب لم يكونوا دائما مخلصين لمبادئهم العلمية وأن استنتاجاتهم تحتاج الى مراجعة، حتى من وجهة النظر التاريخية البحتة. ومن الناحية الاخرى، ربما كان صحيحا ذلك القول الذى مؤداه أن هناك مجالا لشىء من اعادة صياغة العقيدة الاسلامية، بدون أى تغيير فى الأساسيات.
شعر الدارسون للاسلام منذ فترة، وبخاصة المهتمون بالتاريخ، بالحاجة الى صياغة جديدة لحياة محمد (﵊)، ولم يكن ذلك لاكتشافهم مادة جديدة- بالرغم من ان ليون كيتانى Leone Caetani مثلا عندما كتب عن محمد (﵊) فى كتابه) Annali dell،Islam نشر عام ١٩٠٥)، لم يكن قد اطلع على مجموعة ابن سعد لتراجم المسلمين الأوائل فى كتابه الطبقات الكبرى- وانما لتغيير اهتمامات واتجاهات المؤرخين خلال نصف القرن الماضى، فقد أصبحوا أكثر وعيا خاصة بالعوامل المادية التى يقوم عليها التاريخ، وهذا يعنى أن المؤرخ من منتصف القرن العشرين- مع عدم اهمال الجوانب الدينية والفكرية للحركة التى بدأها محمد (﵊) أو التقليل من شأنها- يريد أن يسأل أسئلة كثيرة عن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى أولئك الذين ينكرون (وأنا منهم) أن هذه العوامل هى واحدها التى تحدد مجريات الأحداث يعترفون بأهميتها. لهذا، فان السمة الخاصة لهذه السيرة لمحمد (﵊) هى أنها لا تنقب فى المصادر المتاحة بدقة أكثر فحسب، بل انها تعطى اهتماما أكثر لهذه العوامل المادية وتحاول الاجابة عن أسئلة لم تثر من قبل.