بعد أن كونا- الى حد ما- فكرة عن نوعية الرجال الذين تقبلوا الاسلام، دعنا ندرس بتفصيل أكثر دوافعهم الى ذلك بقدر ما نستطيع.
يخبرنا ابن اسحق «١٨» فى نص له معروف جيدا عن أربعة رجال راحوا يبحثون فى الحنيفية أى دين ابراهيم، وبصرف النظر عن هذه الفصول السابقة، فانه قدم لنا أساسا للاعتقاد بأن هذا الاتجاه نحو التوحيد الغامض كان قد بدأ ينتشر قبل الاسلام «١٩» . ومع أن القران (الكريم) لم يذكر لنا مثل هذه الأمور وانما بدأ بداية جديدة تماما، الا أن الاسلام فى الحقيقة كان بمثابة قلب أو مركز تحلق حوله أصحاب هذه الأفكار التوحيدية الغامضة- فأحد الرجال الأربعة الذين ذكرهم ابن اسحق وهو عبيد الله بن جحش تحول للاسلام وهاجر الى الحبشة (وقد تحول للمسيحية فى الحبشة)، وابن رجل اخر من هؤلاء الأربعة، وهو سعيد بن زيد بن عمرو كان أيضا من بين أوائل من أسلموا.
ومرة أخرى، فان عثمان بن مظعون رغم أنه لم يرتبط بالمجموعة التى ذكرناها لتونا، فانه كان متقشفا زاهدا فى الجاهلية. وثمة روايات عن صعوبات واجهها محمد ﷺ مع أفكار عثمان بن مظعون، فلم يكن لدى
_________________
(١) ابن هشام، ١٤٣ وما بعدها.
(٢) انظر أيضا الملحقين (ب) و(ج) .
[ ١٨٩ ]
الرسول وقت كاف لتحويل مجرى أفكار وامال الذين كانوا يؤمنون بهذا النوع من التوحيد قبل الاسلام «٢٠» .
ومسألة كيف أن الحقائق الاقتصادية والافكار الدينيه مرتبطتان معا، تعتبر وثيقة الصلة بهذه الاتجاهات التوحيديه السابقة على الاسلام، لكن قد يكون من الملائم مناقشتها فى سياق حديثنا عن هؤلاء الرجال الذين لم يتخذوا خطوات محددة ليتخلصوا من الوتنية قبل أن يعتنقوا الاسلام.
من بين الفئة الأولى التى حددناها انفا- شباب الاسرات ذوات النفوذ- ربما لم يكن لديهم وعى واضح أن هناك عوامل اقتصادية وسياسية منطوية فى تحولهم للاسلام. فخالد بن سعيد على سبيل المثال يفترض أنه لم يكن واعيا الا بالجوانب الدينية عندما تحول للاسلام، أما اقامته الطويلة فى الحبشة «٢١» فربما تشير أنه لم يكن متفقا مع سياسة محمد ﷺ خاصة فيما يتعلق بالأبعاد السياسية المتزايدة فى الاسلام وكان من رأيه أن هذا ربما يخالف النبوة. فلو كان خالد مهتما بالأمور السياسية، لتلاشت خلافاته مع الرسول ﷺ ولعاد الى مكة أو المدينة قبل السنة السابعة من الهجرة بكثير، لكن رغم أن خالدا كان منجذبا فى الأساس للجوانب الدينية للاسلام، فان الجوانب الاجتماعية والسياسية كلها- خاصة ما يتعلق منها بتركز الثروة فى أيد قليلة- قد تكون قد تركت فى نفسه اضطرابا وجعلته واعيا بحاجته الى عقيدة دينية (يتمسك بها ويجعلها محور حياته) .
وحالة خالد- حالة من حالات قليلة- نعلم عنها بعض التفاصيل فيما يتعلق بكيفية تحوله للاسلام. لقد رأى رؤيا منامية مؤداها أنه كان واقفا على شفا حفرة من النار، وأن أباه كان يحاول أن يدفعه اليها، بينما رجل اخر هو أبو بكر الذى بدا له فى الرؤيا قريب الشبه من
_________________
(١) انظر الفصل الخامس.
(٢) انظر الفصل الخامس.
[ ١٩٠ ]
محمد ﷺ- قد أمسكه من وسطه وحفظه من السقوط فى هاوية النار «٢٢» . وعلى أية حال، فان جهلنا بالتاريخ date الذى رأى فيه هذه الرؤيا يجعل من الصعب علينا تقديم التفسير. ربما يرجع ذلك الى موقفه بعد أن اكتشف أبوه أنه كان معجبا بمحمد ﷺ منجذبا اليه، وقبل أن يقطع صلته بأسرته، فالرؤيا فى هذه الحالة تنطبق على موقفه.
لكن بعض التفاصيل تشير الى أن هذه الرؤيا كانت قبل لقائه بمحمد ﷺ، وفى هذه الحال فان الرؤيا تعنى- بعد تغيير مفهوم الرموز فيها- أن والده كان يجبره على الدخول فى دوامة الأعمال التجارية المكية، وهو يعتبر ذلك أمرا مدمرا للروح ربما لأنها تنطوى على ممارسات يعتبرها هو منطوية على الخسة وعدم النبل. والذى يبدو حقيقيا فى هذه الرواية هو أن أفكاره الواعية قد طفت على سطح عقيدته الدينية.
وفى حالة حمزة، وعمر، هناك روايات عن ظروف اسلام كل منهما. وبالنسبة لعمر بن الخطاب هناك روايتان عن كيفية اسلامه «٢٣»، واذا قبلنا الرواية المتداولة بشأن ذلك فان اسلامه يرجع لعاملين: لقد كان الرجلان (عمر وحمزة) متأثرين بمسلك محمد ﷺ نفسه أو مسلك المسلمين الاخرين، وقد انجذب عمر بن الخطاب ببلاغة كلمات القران وبالمحتوى الدينى للاسلام. وفى كلتا الحالتين كان هناك الولاء للأسرة أو العشيرة، فحمزة هب يدفع عن محمد ﷺ الاهانات التى تعرض لها محمد ﷺ من عشيرة أخرى، أما عمر فقد أحس بما أصاب عشيرته من خزى عندما علم أن أخته وزوجها قد أسلما. وليست هناك كلمة واحدة عن أمور اقتصادية. فحتى عمر بن الخطاب- رغم أنه كان امنا على وضعه داخل العشيرة- ربما كان قلقا بشأن وضع عشيرته فى مكة.
هذا القلق ربما عمق سخطه على رجال عشيرته فى المقام الأول، من خلال الخوف من أن تحولهم للاسلام قد يؤدى لمزيد من تدهور الوضع العام للعشيرة.
_________________
(١) ابن سعد، ج ٤، ١، ٦٧ وما بعدها.
(٢) ابن هشام، ١٨٤ وما بعدها، ٢٢٥- ٢٢٩.
[ ١٩١ ]
أما أعضاء الفئة الثالثة (الذين اعتبروا ضعفاء)، فيكاد يكون مؤكدا أنهم أكثر تأثرا بأوضاعهم غير الامنة داخل العشائر وخارجها، أكثر من تأثرهم برغبتهم فى الحصول على أية مزايا اقتصادية أو سياسية. واذا كانت هناك امال واضحة للاصلاح لدى المسلمين الأوائل، فلا بد أن نتلمسها فى الفئة الثانية. وقد تناولت الايات القرانية التى نزلت فى مرحلة مبكرة عن أمور مثل عظمة الله سبحانه وعناصر رسالة الاسلام (التى تحدثنا عنها فى الفصول السابقة) مرتبطة بالموقف العام لأهل مكة فى هذه الفترة. وليس مما يدعو للدهشة اذن أن ينجذب بعض الرجال لرسالة الاسلام- فى المقام الأول- من خلال مضامينه السياسية والاقتصادية. وان كان أمرا بعيد الاحتمال وجود عدد كبير ممن أسلموا كانوا واعين بهذه الأبعاد الاقتصادية والسياسية، ومحمد ﷺ كان مؤسس دين جديد ولم يكن بأية حال مجرد مصلح اجتماعى، وان كنا لا نؤكد كثيرا على نفى مهمته الاصلاحية الاجتماعية «٢٤» . ويمكن أن نصف الأوضاع بمصطلحاتنا المعهودة فنقول، انه بينما كان محمد ﷺ واعيا بالعلل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية لعصره وبلاده، فانه اعتبر الجانب الدينى هو الجانب الأساسى وركز عليه. فهذا- أى الجانب الدينى- هو الذى يقرر روح المجتمع الشاب، فتناولت المجموعة الصغيرة عقائدها الدينية وشعائرها بجدية مفرطة. وخلال الحقبة المكية انشغل النبى أساسا بما فرض عليه من أمور سياسية خاصة معركته مع المعارضين له التى أصبحت أكثر مرارة، وأصبحت قضية نبوة محمد ﷺ هى القضية المحورية. ولم تكن المسائل السياسية والاقتصادية (فى حالة تناولها مباشرة) لتصلح لتلعب أى دور فى التحول للاسلام، فعلى الدين وبالدين يجمع الناس حول الاسلام. وان كان هذا لا يمنعنا من القول، ان محمدا ﷺ والواعين من أتباعه لا بد أنهم كانوا مدركين للأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لرسالته، وادراكهم هذا أدى الى أن يضعوا ذلك فى اعتبارهم عند توجيه أمور المسلمين.
_________________
(١) C.Snouck Hurgronjes review of H.Grimmes Mohammed in Verspreide Geschriften، ١، ٣١٩- ٣٦٢.
[ ١٩٢ ]