يعتبر زواج محمد (﵊) من خديجة بنت خويلد ابن أسد نقطة تحول فى الجزء الأول من حياته، وتقول الرواية التقليدية أن خديجة (﵂) لما سمعت عن أمانة محمد (﵊) وصدق حديثه وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج لها فى مال تاجرا الى الشام، وكانت قد تزوجت مرتين وكان اخر زوجيها من بنى مخزوم، ولكنها كانت الان تتاجر فى مالها الخاص عن طريق عمال تستأجرهم. ولقد سرت خديجة (﵂) بما فعل محمد (﵊) وبلغ اعجابها بشخصيته أن عرضت عليه الزواج منها فوافق. ويقال انها كانت فى الأربعين من عمرها** فى ذلك الوقت.
بينما كان محمد (﵊) فى الخامسة والعشرين.
ربما كان عمر خديجة مبالغا فيه، فقد ذكرت المصادر أسماء سبعة ولدتهم لمحمد (﵊)، وهم: القاسم ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله (الطيب) والطاهر «٨»، وقد مات الصبية جميعا صغارا، وحتى لو كان السبعة قد ولدوا فى سنوات متتالية كما يذكر أحد رواة ابن سعد، فان هذا يعنى أن عمرها (﵂) كان قد بلغ الثامنة والأربعين قبل أن تلد الابن الأخير، وهذا أمر مستحيل
_________________
(١) * رواية ابن اسحق كما ذكرها ابن كثير فى البداية والنهاية مع اثبات الزيادات التى أوردها المؤلف ولم يذكرها ابن كثير- (المترجم) .
(٢) ابن هشام، ١١٥- ١١٧. ** هذا قول حكيم بن حزام، ولكن ابن عباس ﵄ يقول ان عمرها كان ثمانية وعشرين عاما عندما تزوجها الرسول ﵊، رواهما ابن عساكر- (المترجم) .
(٣) ابن سعد، ج ١/ ١، ٨٥. (الصحيح أن أولاد الرسول ستة لا سبعة ابنان هما: القاسم وقد ولد قبل الاسلام، وبه كان الرسول يكنى والطاهر وقد ولد بعد الاسلام ويسمى أيضا الطيب وأربع بنات كما ذكر فى الأصل- (المراجع) .
[ ٩٩ ]
بأية حال*، ويعتبر أمرا غير عادى بالدرجة التى تجعله يستحق التعليق، بل انه من الأمور التى يمكن اعتبارها معجزة، ومع ذلك فلم ترد كلمة تعليق واحدة فيما كتبه هشام أو ابن سعد أو الطبرى.
من وجهة نظر المجتمع المكى، كان محمد (﵊) قد وضع قدمه على أول درجة على الأقل من درجات النجاح الدنيوى.
وربما لم تكن خديجة (﵂) من الثروة كما يقال عنها أحيانا، ولكننا نستطيع أن نفترض أن محمدا (﵊) قد أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية «٩» .
ولا يعنى عدم وجود أخبار عن أنه سافر الى الشام مرة ثانية أنه لم يذهب، مع الوضع فى الاعتبار أنه من الممكن دائما أن يكلف اخرين بالاشراف على تجارته، كذلك يجب أن نتذكر دائما احتمال أن يكون التجار قد استبعدوه من مجالسهم، ومن معظم العمليات المربحة. ومع ذلك، فمن المحتمل أنه لم يستبعد تماما؛ لأنه كان قادرا على أن يزوج ابنته زينب لأحد أفراد عشيرة عبد شمس، هو ابن أخت خديجة (﵂)، والتى لا شك فى أنه كان لها دور بارز فى هذه الزيجة، كما أن خطبة ابنتيه الاخريين لابنى أبى لهب، الذى ربما كان ينظر اليه على أنه الزعيم التالى لبنى هاشم، تدل على أن محمدا (﵊) كان ينظر اليه أيضا على أنه أكثر شباب بنى هاشم رجاء.
_________________
(١) * من المعروف طبيا أن المرأة التى عاشت حياة زوجية سليمة وتكررت ولادتها يمكنها أن تستمر فى الانجاب الى سن متأخرة. ولكن من المعروف طبيا أيضا أن المرأة المرضع لا تحمل عادة، وعلى هذا فان الفترة بين الحملين لمن تقل عن عامين حتى يتم فصال الطقل. فالقول بأن السيدة خديجة كانت تلد كل عام قول مشكوك فيه طبيا، والأقرب الى التصديق أن يكون كل عامين، فتكون الفترة التى أنجبت فيها الأبناء السبعة ١٤ عاما (السنة ١٢) فلو كانت تزوجت وهى فى الأربعين كما يقول حكيم ابن حزام لكان عمرها فى الحمل الأخير ٥٤ عاما على الأقل وهو أمر مستبعد الى درجة كبيرة كما يقول المؤلف، وبذلك يكون قول عبد الله بن عباس ﵄ أن عمرها كان ٢٨ عاما أقرب الى التصديق. والله أعلم- (المترجم) . ثم انها لو كان عمرها عند الزواج أربعين لما كان ينتظر أن تخطب لنفسها شابا عمره ٢٥ سنة لأنه فى هذه الحال فى عمر أولادها، فما كان شرفها يسمح لها بذلك- (المراجع) .
(٢) الأزرقى، ٢٠٤٧١- (المترجم) .
[ ١٠٠ ]
فى الوقت الذى لا نستطيع فيه أن نتوقع أن تكون امرأة تاجرة من أهل مكة فى القرن السادس* غافلة عن العوامل المادية، فان لدينا الكثير من الأسباب التى تجعلنا نعتقد أن خديجة (﵂) قد أدركت بعضا من قدرات محمد (﵊) الروحية، وأنها انجذبت اليها. ومن المؤكد أنها لعبت دورا هاما فى الأوقات الحرجة من حياته؛ وذلك بتشجيعه على الاستمرار فى طريقه كنبى. بالاضافة الى ذلك، كان ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد رجلا ذا عقلية دينية دعته فى النهاية الى أن يكون مسيحيا «١٠»، ويكاد يكون من المؤكد أن خديجة قد تأثرت به، وربما يكون محمد (﵊) قد اكتسب بعضا من الاهتمام بنبواته.
كانت الأعوام التى تبعت زواج محمد (﵊) سنين اعداد للمهمة التى تنتظره. ومع ذلك، فليس لدينا من المعلومات ما يمكننا من اعادة تصور عملية الاعداد، وأفضل ما يمكننا عمله أن نستدل على هذه العملية مما حدث فيما بعد. فهناك مثلا ايات فى سورة الضحى يبدو أنها تشير الى تجارب محمد (﵊) الأولى:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) .
من هذه الايات يمكننا أن نتصور أن احدى مراحل هذا الاعداد كانت معرفة أن يد الله تعينه بالرغم من المحن التى مرت به. وستأتى اشارات أخرى عن هذه السنين المجهولة فى سياق الحديث.
_________________
(١) * يقصد الميلادى- (المترجم) .
(٢) انظر التذييل ج- (المؤلف) .
[ ١٠١ ]