منذ ألقى كارليل Carlyle محاضرته عن محمد ضمن سلسلة محاضراته عن الأبطال والبطولة، أصبح الغرب على وعى بوجود أساس طيب للاعتقاد فى اخلاص محمد ﷺ «٤٠» . فاستعداده لتحمل الاضطهاد فى سبيل معتقداته، وسمو الرجال الذين آمنوا برسالته والذين اعتبروه قائدا لهم، وعظمة ما تمخضت عنه جهوده من انجازات- كل هذا يبرهن على تكامله الأساسى (نظرته الكلية) . لقد تصور الغرب محمدا دجالا أثار من القضايا أكثر مما قدم من الحلول، وأكثر من هذا فلا أحد من عظماء التاريخ لاقى من الغبن والظلم فى الغرب مثلما لاقى محمد ﷺ، فالكتاب
_________________
(١) ابن هشام، ١٤٣.
(٢) Tor Andrae، Mohammad، the man and his faith.London ١٩٣٦، pp.٦٣، ٦٩، ٢٢٩، ٢٣٣، ٢٥٩، ٢٦٨:W.Thomson in MW.xxxiv.١٩٤٤، pp.١٢٩ f.
[ ١٢١ ]
الغربيون يكادون يكونون منكفئين على الاعتقاد فى كل امر يشين محمد:
ﷺ، فاذا ظهر لهم تفسير كريه لفعل يبدو معقولا ومنطقيا مالوا الى تصديقه. وعلى هذا، فاذا كان علينا أن نفهم محمدا ﷺ ككل متكامل، وأن نصحح الأخطاء التى ورثناها عن الماضى فلابد أن نؤمن باخلاصه وصدقه الا اذا ثبت العكس، ويجب ألا ننسى أن البرهان الأخير (النتيجة النهائية) تتطلب استقامة أكثر بكثير مما يتطلبه استعراض المعقولية (القابلية للتصديق) . فنظريات الكتاب الغربيين التى تفترض افتراضا مسبقا أن محمدا ﷺ غير صادق لن نناقشها كنظريات، ومع هذا فسنناقش هنا الأدلة التى سيقت للدلالة على عدم صدقه.
واذا كان الأمر كذلك، فاننا نكون قد حللنا المعضلة على قدر الطاقة فيما يتعلق بصدقه واخلاصه ﷺ، ويجب أن نميز بين القران والشعور الواعى العادى لمحمد ﷺ مادام هذا الفصل يعد أمرا ضروريا بالنسبة له.
ومن البداية لابد أن محمدا ﷺ قد ميز بشكل واضح بين ما يأتيه وحيا كما يعتقد- وبين ما ينتجه عقله الواعى. أما كيف كان يميز بينهما، فهذا أمر غير واضح تماما، لكن الحقيقة التى صنعها محمد ﷺ مؤكدة كأى شىء فى التاريخ. اننا لا نستطيع بأى درجة معقولة أن نتخيله يقحم ايات من تأليفه بين الايات الموحاة اليه (الايات الاتية اليه من مصدر خارج عن شعوره كما يعتقد) . وعلى أية حال، فربما يكون محمد ﷺ قد فعل شيئا فى الوحى المنزل عليه كاعادة ترتيب الايات الموحى بها، وربما يكون قد حاول أن يصوب النص اذا أحس أن النص الموحى به يحتاج الى اصلاح*، ويعتقد أهل السنة بالناسخ والمنسوخ، أى أن هناك ايات قرانية نسختها ايات أخرى.
أما شرح كيف كان محمد ﷺ يفصل بين ما يوحى اليه وما هو من عنده، فمسألة أخرى، ولأن مناقشة ذلك تتطلب الخوض فى مسائل لاهوتية (متعلقة بعلم الكلام عند المسلمين) فلن نناقشها هنا. وهناك
_________________
(١) * ان كان المقصود اصلاح أخطاء كتاب الوحى فلا بأس، لكن أيصلح نبى ما أنزل ربه عليه؟ وكان الرسول ﷺ عندما يتلقى وحيا يلقيه فى الحال على كتاب الوحى لتدوينه أما أفكاره الخاصة فلا يفعل معها ذلك- (المراجع) .
[ ١٢٢ ]
ثلاث وجهات نظر فيما يتعلق بالوحى النازل على محمد ﷺ نوردها كالتالى:
يعتقد المسلمون السنة أن القران الكريم وحى تماما (من مصدر علوى تماما) انه كلام الله غير المخلوق (رغم أن الأحبار المكتوب بها القران، والأصوات والخط على الورق كل ذلك مخلوق) .
ويعتقد الباحثون الغربيون العلمانيون (غير المؤمنين بالغيبيات Secularists (أن جانبا من محمد ﷺ مسئول عن القران الكريم، وهذا الجانب- الموجود فى شخصية محمد- يختلف عن عقله الواعى.
ووجهة النظر الثالثة الرئيسية هى أن القران الكريم هو من خلق الله سبحانه (فكرة خلق القران الكريم) ولكنه نتج- من خلال- شخصية محمد ﷺ، وبهذه الطريقة فى التفكير تكون ملامح معينة أو خواص معينة من القران الكريم يمكن عزوها- أساسا- لبشرية محمد ﷺ. وهذه هى وجهة نظر المسيحيين الذين يؤمنون باحتواء القران الكريم على جانب من الحقيقة الالهية.Divine truth بالنظر الى وجهات النظر الثلاث هذه، فاننى أحاول أن أكون محايدا مادامت هذه الوجهات من النظر تتضمن قضايا خارج نطاق عمل المؤرخ. سأحاول- متخليا بذلك عن الكياسة- أن أتحدث بأسلوب لا ينكر أية عقيدة من عقائد المسلمين، لذا فسأقول (ان القران يقول) ولن أقول (ان محمدا يقول ناسبا بذلك
ايات القران الى محمد ﷺ) . ومن ناحية أخرى، فعندما أشير الى اية قرانية فلن أربط هذه الاشارة بأية وجهة نظر من وجهات النظر الانف ذكرها، وانما سأقول عبارة (كما يقول المسلمون) أو عبارة شبيهة، فهذا لن يسبب أى ارباك.
أما وقد فصلنا الان بين الأمور التاريخية والأمور اللاهوتية (المتعلقة بعلم الكلام)؛ فانه يصح للمؤرخ أن يضع فى اعتباره الشكل الدقيق (المحدد) لوعى محمد ﷺ بتجربة الوحى هذه (تجربة نزول الوحى عليه أو تجربة تلقيه الوحى) كيف بدا الوحى له؟ وكيف وصفه؟ تلك حقائق تاريخية موضوعية حتى لو كانت مرتبطة بوعى محمد ﷺ وحتى لو كان وصفه لها ربما ارتبط بوجهات نظره السابقة. والنقطة الأولى الجديرة بالملاحظة هى أن الرؤى الموصوفة فى سورة النجم تعد استثناء من ذلك،
[ ١٢٣ ]
نظرا لطريقة وصفها الخاصة. وعلى هذا، فلا بد لنا من البحث فى مصادر أخرى عن الشكل العادى (أو الأشكال) فيما يتعلق بوعى محمد ﷺ بنبوته.
وسيكون من المفيد فيما يتعلق بهذه النقطة أن نقدم بعض المصطلحات الفنية التى استخدمها بولين A.Poulain فى مبحثه The Graces of Interior Prayer فسيكون هذا كافيا لأغراض بحثنا الان. ميز بولين عند مناقشته لجوانب التجربة الدينية التى أطلق عليها:
الوحى الكلامى أو الكلام المنزل Locution والرؤى -Visions بين نوعين: خارجى exterior وادخلى.interior فالوحى الكلامى من النوع الخارجى يتكون من كلمات تسمعها الأذن، رغم أن هذه الكلمات لم تصدر بطريقة طبيعية (من فم مثلا)، وكذلك الأمر بالنسبة للرؤى الخارجية exterior vision أو الرؤى العينية Ocular فهى رؤى لأشياء مادية (أو ما يبدو كذلك) يتم ادراكها بالعيون البشرية. والرؤى فى سورة النجم تدخل فى هذا النوع- أى أنها رؤى خارجية.exterior أما الوحى الداخلى بالكلمات، interior locution فيقسمه بولين الى: تخيلى imagenative وعقلى، intellectual أما التخيلى فيتم تلقيه مباشرة دون مرور بالأذن اذ يمكن أن نقول انه وصل عن طريق حاسة الخيال.imaginative sense وأما العقلى، فهو توصيل بسيط للأفكار دون استخدام كلمات، وبالتالى لا صلة له بأية لغة محددة «٤١» .
وقد تكون الرؤى الداخلية interior visions مثل ذلك، أى اما تخيلية واما عقلية*. ويمكننا الان الاستعانة بهذه الأدوات لدراسة القران الكريم والروايات المتداولة حول الوحى.
لقد كانت (كيفية) الوحى موضوعا للمناقشة بين العلماء المسلمين.
ويذكر السيوطى فى كتاب الاتقان «٤٢» خمس كيفيات مختلفة، وجمع
_________________
(١) Op.cit.،٢٩٩ ff.naw،١٦ (٤١) * لم يطبق بولين تقسيماته هذه على تجربة محمد ﷺ، لكن من يحاول ذلك هو وات نفسه.
(٢) طبعة القاهرة، ١٣٥٤، ص ص ٤٤ وما بعدها.
[ ١٢٤ ]
الباحثون من مصادر أخرى كيفيات تبلغ عشرا «٤٣» . وعلى أية حال، فمعظم هذه الأنواع لم توجد الا فى حالة واحدة أو حالات قليلة. ولا شك أن الأنواع (الكيفيات) الرئيسية هى تلك التى وردت فى سورة الشورى:
(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢» السورة ٤٢ (الشورى) .
فالحالة الأولى كما تبينها الايتان السابقتان هو أن يتحدث الله بالوحى. والاسم (وحى) والفعل (أوحى) يترددان بكثرة فى القران الكريم فى سياق لا يفيد أن الوحى تم من خلال اتصال لفظى مباشر، وقد درس رتشارد بل Bell استخدام الاسم (وحى) والفعل (أوحى) وخلص الى أنه فى الايات القرانية التى نزلت أولا، لا يعنى الوحى الاتصال اللفظى أو التوصيل اللفظى لنص الوحى، وانما يعنى أفكارا تقذف فى عقل شخص من مصدر خارج نفسه، بحيث يصلح معها أن نستخدم الكلمات الانجليزية Suggestion أو prompting أو «٤٤» inspiration وفى معظم الحقبة المكية كان الوحى من عمل الروح Spirit باذن من الله «٤٥»:
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) ) السورة ٢٦ (الشعراء) .
فلم يرد ذكر الملائكة حاملين الرسالة الى النبى الا فى مرحلة أخرى «٤٦» .
_________________
(١) Noldeke Schawlly،i،٢٢ ff. (٤٣) Muhammads Vision MW،XXIV،١٩٣٤،١٤٥ -٥٤،esp. ١٤٨. (٤٤)
(٢) الايات فى المتن، وانظر أيضا Ahrens،Muhammed،٤١ f.:
(٣) أوردنا الايات فى المتن.
[ ١٢٥ ]
(ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨» السورة رقم ١٥ (الحجر) .
(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) السورة ٩٧ (القدر) .
(المترجم: من الواضح أن المؤلف قد أخرج هذه الايات عن سياقها، فاية سورة الحجر مسبوقة بالايتين التاليتين: (قالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ..) فكانت الاية رقم ٨ الانف ذكرها ردا على طلبهم، وفى اية سورة القدر ليس هناك اشارة الى نزول الملائكة فحسب) . وأكثر من هذا، ففى الحقبة المكية ليس هناك ذكر- على قدر ملاحظتى- لسماع النبى ما أنزل عليه. وربما، لذلك، يجب أن نتصور أن الروح يأتى بالرسالة الى قلب محمد ﷺ أو عقله بطريقة ما غير التحدث اليه «٤٧» .
وهذا بالتأكيد وحى كلامى داخلى interior locution وربما كان من النوع العقلى أقرب منه الى النوع التخيلى، ومن المفترض أنه لم يكن مصحوبا بأية رؤى ولا حتى عقلية، لأن ذكر روح Spirit يعطينا انطباعا بشرح التجربة على المستوى الفكرى وليس وصف جانب منها.
وربما كانت بعض الروايات مرتبطة بهذه (الكيفية) الأولى. وعلى هذا نجد فى الحديث الثانى فى صحيح البخارى المنسوب الى عائشة ﵂:
«حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث ابن هشام ﵁ سأل النبى ﷺ: كيف يأتيك الوحى؟
فقال رسول الله ﷺ: (أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول) قالت عائشة
_________________
(١) ٢. ولم نفهم معنى هذه الاشارة- (المترجم) .
[ ١٢٦ ]
﵂: (وقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا) صحيح البخارى/ ج ١/ باب كيف كان بدء الوحى الى رسول الله/ ص ٦.
وتوجد بعض التفاصيل الشبيهة بما دار فى هذا الحديث فى اخر حديث الافك:
« فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق فى يوم شات، فلما سرى عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لى: يا عائشة احمدى الله فقد برأك الله، فقالت لى أمى قومى الى رسول الله.. فأنزل الله تعالى ان الذين جاؤا بالافك عصبة الخ» «٤٨» .
صحيح البخارى/ حديث الافك/ صحيح البخارى بحاشية السندى، ج ٢ (دار احياء الكتب العربية ص ١٠٥) .
واذا نحينا جانبا الملك الذى يأتى فى هيئة بشرية، فان ما هو موصوف فى الحديث ينطبق على الحالة (الكيفية) الأولى، فلا شك أن سماع الصلصلة (صوت الجرس) يعد تجربة تخيلية*، لكن ليس هناك أى ذكر لسماع موجود ما يتكلم كما أنه ليس هناك أى ذكر لسماع كلمات منطوقة، ولا حتى من باب التخيل. بل على النقيض من ذلك، فاننا نفهم من الحديث أنه فى نهاية التجربة ببدو- ببساطة- أنه وجد كلمات الوحى فى قلبه. انه من الواضح تماما- وفقا للمصطلحات التى شرحناها انفا- أننا ازاء وصف لوحى كلامى من النوع العقلى.intellectual locution
_________________
(١) البخارى، - ١٥ (أوردنا النص من الطبعة المشار اليها فى المتن) (المترجم) . * الكلمة هنا لا تحمل المفهوم الدارج عن تصور ما لا وجود له فى الواقع. فق؟؟ طبقها بولين على القديسين المسيحيين بمعنى مختلف- (المترجم) .
[ ١٢٧ ]
أما كيفية الوحى الثانية، فهى أن يتحدث الله سبحانه من وراء حجاب، والاشارة الأساسية لهذا النوع من الوحى، ربما لتأكيد تجربة محمد ﷺ الأولى، كما هو وارد فى الفقرة ب التى نقلناها انفا عن الزهرى (حيث أتاه الحق وقال له: انك رسول الله يا محمد) . وعبارة (من وراء حجاب) تفيد أن المتكلم لم يظهر (أولم تكن هناك رؤية) وهذه الحقيقة (حقيقة وجود متحدث) بالاضافة الى ذكر كلام أو حديث تتضمن أن هناك كلمات مسموعة، وبالتالى فالوحى هنا من النوع الكلامى التخيلى) imaginative locution *أو أنه حتى وحى من مصدر خارجى. (exterior locution وبعض السور المبكر جاء بها الوحى بهذه الطريقة (الكيفية) التى لم ترد كثيرا فى الروايات، وبالتالى فهى ليست شائعة، وعلى هذا يمكننا أن نفترض أن الوحى المبكر (فى بداية نزوله) ثم أيضا بالكيفية الأولى. ومن المعقول أن يكون نزول الوحى بالكيفية الثانية (السماع والحديث) قصد به وصف تجربة موسى.
والحالة (أو الكيفية) الثالثة هى أن يرسل الله سبحانه رسولا فيوحى عن طريق هذا الرسول الى نبيه ما يشاء، وقد ذهب الباحثون المسلمون فى وقت لاحق الى أن هذا الرسول هو جبريل، وذهبوا الى أن تلك هى الكيفية المعتادة للوحى منذ البداية. ومن ناحية أخرى، فان الباحثين الغربيين لاحظوا أن جبريل لم يذكر بالاسم فى القران (الكريم) حتى المرحلة المدنية «٤٩» وهناك كثير فى القران الكريم وأحاديث الرسول ﷺ يعارض الأقوال المنتشرة بين الباحثين المسلمين، وهذا يعنى أن وجهات النظر المتأخرة زمنا جرى اضفاؤها على الوحى فى مرحلته الأولى. وعلى أية حال، فهناك احتمال أيضا أن يكون نزول الوحى عن طريق جبريل كان
_________________
(١) * المؤلف يستخدم مصطلحات بولين التى طبقها على القديسين المسيحيين، كما أنه يصف تجربة موسى ﵇ بالمصطلحات نفسها، لكن المسألة الجوهرية هى أن كل هذا لا ينطبق عليه المنهج العلمى السليم، سواء بالنسبة لموسى ﵇ أو محمد ﷺ، لسبب بسيط وهو أن امكانية الدراسة المعملية أو المادية أو حتى التحليلية غير متوافرة. اننا نتحدث عن أنبياء لا عن تجربة بشرية عادية. راجع مقدمة المترجم.
(٢) ٩١٠٢؛ ٤١٦٦ (لم نفهم معنى هذه الاشارة المرجعية) - (المترجم) .
[ ١٢٨ ]
شائعا أيضا خلال الحقبة المدنية. وفى مثل هذه الحالات، فان الوحى ربما كان- من النوع الكلامى التخيلى imaginative locution *لكنه كان- بلا شك- مرتبطا برؤية لجبريل، وقد تكون هذه الرؤية عقلية أو تخيلية. أما الاشارة الى نزول جبريل على هيئة رجل فذلك وحى من النوع التخيلى** (وهو غير الهلوسة كما يشير المؤلف بعد ذلك- ولا يميل المسلمون الى استخدام مثل هذه المصطلحات عند الحديث عن النبوة) والشكل الدقيق أو الكيفية الدقيقة للوحى لم تكن ذات أهمية قصوى عند علماء الدين، سواء منهم المسلمون أو المسيحيون. أما التأكيد على أن رؤى محمد ﷺ والوحى الكلامى الذى يتلقاه مجرد هلوسة- كما يحلو لبعض الكتاب أحيانا أن يقولوا- فان مثل هذه الأقوال تجعل الأحكام الدينية (اللاهوتية) مفرغة تماما من الوعى، لذا فهى أقوال تتسم بالجهل المخجل الذى يدعو للشفقة- جهل بالعلم وسلامة العقل، وهو حكمنا على بولين، poulain وعلى اللاهوت الصوفى الغامض الذى يمثلونه. فسواء كانت الرؤى والكلام المسموع من مصدر خارجى أو تخيلى أو عقلى فلا يوجد معيار لصدقها أو سلامتها، الا أن الوحى المتلقى من مصدر خارجى أكثر تأثيرا فى المتلقى، وان كان الوحى العقلى- بمعنى من المعانى- هو الأعلى والأرقى فالعقل أعلى مرتبة من الحس. وهذه القضية ذات أهمية كبيرة لطلبة علم النفس الدينى وسيكون- بلا شك- من المفيد عقد مقارنة بين جوانب ظاهرة الوحى عند محمد ﷺ والظواهر المشابهة عند القديسين المسيحيين والصوفية. وعلى أية حال، فبالنسبة لعلماء الدين والمؤرخين نجد أن النقطة الأساسية هى أن محمدا ﷺ كان يفصل فصلا كاملا بين ما يوحى اليه من ناحية، وأفكاره الخاصة من ناحية أخرى.
وعلى النحو نفسه، فالظواهر المادية المصاحبة لتلقى الوحى غير ذات أهمية بالنسبة للباحثين فى الجوانب الدينية رغم أهميتها للمؤرخ.
_________________
(١) * رغم أن المؤلف- نقلا عن بولين- قد استخدم هذا المصطلح الذى قد لا يعنى ما توحيه كلمة الخيال فى استخدامها الدارج، الا أن المسلمين، وغير المسلمين، لا يقبلون استخدام مثل هذه المصطلحات عند اطلاقها على الأنبياء، بل وعلى الصالحين والأولياء الخ- (المترجم) . ** استخدام مثل هذه العبارات لا يعنى نفى الوحى، كما يوضح الكاتب فى مطهر تالية بعد ذلك- (المترجم) .
[ ١٢٩ ]
وغالبا ما يركز أعداء الاسلام على أن محمدا ﷺ كان مصابا بالصرع، epilepsy وبالتالى فان رسالته الدينية غير صحيحة. والحقيقة، أن الأعراض المصاحبة للوحى عند محمد ﷺ ليست هى أعراض الصرع، فالصرع يؤدى الى انهيار القوة البدنية والعقلية، بينما كان محمد ﷺ فى كامل قواه العقلية والبدنية، وفى كامل ملكاته. لكن بفرض أن هذا الزعم صحيح، فان البراهين عليه زائفة تماما وقائمة على مجرد الجهل والتخبط، فمثل هذه الظواهر المصاحبة للوحى لا تصلح برهانا نعتمد عليه فى رفض الوحى أو قبوله.
وسيكون أمرا شائقا أن نعرف ما اذا كان محمد ﷺ لديه أية طريقة لحث الوحى على النزول عليه «٥٠» . اننا لسنا متأكدين مما اذا كان وضع نفسه فى دثار* يحقق هذا الغرض والأكثر معقولية أن الوحى ينزل على غير توقع. وأخيرا- على أية حال- فمن الممكن أن يكون محمد ﷺ قد طور بعض التقنيات (الأساليب) للاستماع الى الوحى**، ربما من خلال قراءته القران الكريم قراءة هادئة بالليل. خاصة عندما كان يشك فى اكتمال الوحى. وقد تكون هذه طريقة لاكتشاف الايات الضائعة. ولا بد أن التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر ستظل محل تخمين، ويبدو مؤكدا أن محمدا ﷺ كان لديه أسلوب أو اخر لتصحيح (أو تنقيح) النص القرانى باكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحى اليه ناقصا أو غير صحيح. ومرة أخرى، فان كان هذا صحيحا، فان محمدا ﷺ كان فى بعض الأحيان يستحث الوحى على النزول..