مزاعم وأخطاء وتناقضات وشبهات بودلي في كتابه " الرسول - حياة محمد " دراسة نقدية
إعداد: الأستاذ الدكتور / مهدي رزق الله أحمد أستاذ الدراسات الإسلامية بقسم الثقافة الإسلامية
التعريف ببودلي وكتابه " الرسول - حياة محمد "
هو المستشرق البريطاني R.V.C. BODLLY. التحق بالجيش البريطاني عام ١٩٠٨م، وتدرج في رتبه إلى أن وصل رتبة كولونيل. عمل في وحدة الجيش البريطاني بالعراق، ثم في شرقي الأردن عام ١٩٢٢م، ثم مستشارًا لسلطنة مسقط عام ١٩٢٤م.
كان أول من عبر الربع الخالي، وكشف عن أسراره المجهولة بين عامي ١٩٣٠-١٩٣١م.
عندما ترك الخدمة الحكومية ذهب ليعيش بين عرب الصحراء، لأنه -كما يقول في مقدمة كتابه- كان ضجرًا من التعقيدات التافهة التي جاءت عقب الحرب العالمية الأولى، وبقي مع الأعراب سبع سنين، وسمع عن محمد الرجل الذي وحَّد حفنة من القبائل المتنافرة المتنافسة، وجعلهم دعامة إمبراطورية من أعظم إمبراطوريات العالم قوة، وسمع عنه أنه الرجل ذو القلب الحار الذي حَوَّل الوثنيين وعبدة الأصنام إلى مؤمنين صادقين، يؤمنون بإله واحد وباليقين وبالموت والبعث في الحياة الأخرى. هذا ما قاله في مقدمة كتابه: "الرسول".
لم أقتنع بتحليل بودلي وسبب مجيئه من عاصمة الضباب –لندن- ليعيش سبع سنين مع بدو الصحراء. والراجح عندي -والله أعلم- أنه كان يقوم بمهام استخباراتية استعمارية تنصيرية لمصلحة التاج البريطاني، وهي ظاهرة معروفة في الدوائر الاستشراقية والاستعمارية والتنصيرية.
[ ١ ]
والمثال الأول على هذه الظاهرة:
جون اسبنسر درمنجهام المستشرق البريطاني الذي أرسلته جمعيتان تنصيريتان بريطانيتان إلى إفريقية لدراسة مجتمعاتها الإسلامية وغيرها في إفريقية. وكان نتيجة عيشه وسط الشعوب الإفريقية كتابة مؤلفاته الكثيرة التي شملت معظم أنحاء إفريقية، أشهرها: الإسلام في غربي إفريقية، تاريخ الإسلام في غربي إفريقية، الإسلام في شمالي إفريقية، الإسلام في السودان، الإسلام في إثيوبيا، الإسلام في شرقي إفريقية، وأثر الإسلام في إفريقية. هذا ما كشفه لنا، أما التقارير السرية المبنية على دراساته المذكورة فذاك سر من أسرار المهنة لا يعطى إلا لمن انتدبه من أجله.
والمثال الثاني:
الرحالة والمستشرق الألماني زيتزن ZEETZEN، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم يدعى الحاج موسى، وتظاهر بأداء الحج عام ١٨٠٩م.
والمثال الثالث:
المستشرق السويسري الأصل والبريطاني بالتجنس بوركهارت، الذي اختلف الكتاب في إسلامه: أحقيقي أم ادعاء، تسمى بإبراهيم عبد الله، وأدى مناسك الحج مع المسلمين عام ١٨١٤م.
والمثال الرابع:
الرحالة الإسباني المستشرق دومينغو بديا، الذي اتخذ اسم علي بك العباسي ليزور مكة عام ١٨٠٧م.
والمثال الخامس:
المستشرق الإنجليزي السير ريتشارد برتون (١٨٢١ـ١٨٩٠م)، الذي انتحل شخصية طبيب مسلم - الشيخ عبد الله.
[ ٢ ]
والمثال السادس:
المستشرق الهولندي الشهير سنوك هرجرونيه (١٨٥٧- ١٩٣٦م)، الذي ادعى الإسلام، وتسمى بعبد الغفار عام ١٨٨٤م، ومكث بمكة خمسة شهور، ولكن انكشف أمره قبل أن يشهد الحج مع المسلمين في ذلك العام.
وعندما عاد بودلي من الصحراء، انقطع للدراسة والكتابة بصفة خاصة عن المنطقة التي عاش فيها. ومن مؤلفاته: "الرسول - حياة محمد "، وهو موضوع بحثنا هذا، و" عاصفة في الصحراء"، [Wind in the Sahara]، و" دراما محمد الصحراوية ".
ترجم كتابه "الرسول.." إلى العربية: محمد محمد فرج وعبد الحميد جودة السحار، عام ١٩٤٥م، في ٤٣٩ صفحة مع مقدمتين، وطبعته الإنجليزية في ٣٥٥ صفحة. ويتكون من أربعة وعشرين فصلًا، وخاتمة. ذكر في الخاتمة شيئًا يسيرًا عن سير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي ﷺ وسراريه، وشرح بعض الكلمات الواردة في كتابه، مثل كلمة عبد وأبو وال وأمير وحج.. إلخ. وذكر في نهاية كتابه المراجع التي اعتمد عليها، وعددها ثمان وعشرون، ليس فيها من المراجع العربية سوى ثلاث ترجمات لمعاني القرآن الكريم، بأيدي مستشرقين، وعمل فهرسًا للأعلام الوارد ذكرها في كتابه (١) .
_________________
(١) من مصادر هذا التعريف: العقيقي، نجيب: المستشرقون (٢/٥٢٩)؛ نخبة من العلماء: الإسلام والمستشرقون؛ محمد سعيد السرحاني: موقف المستشرقين من العبادات في الإسلام من خلال دائرة المعارف الإسلامية - رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الإمام، كلية الدعوة بالمدينة، قسم الاستشراق، ١٤٢٢هـ/١٤٢٣هـ، ص ٦٢١ـ٦٢٤، نذير أحمد: الرسول في كتابات المستشرقين، ط٢، ص ١٧٥، ١٩٠، بودلي: الرسول، ص ١٠٧، ٣٥٦.
[ ٣ ]
أهداف البحث:
لم يهتم مترجما كتاب بودلي بالتصحيح اللازم لأخطائه وشبهاته، لذا كان لزامًا على أحد أبناء الأمة الإسلامية أن يقوم بالتصحيح اللازم، ودحض شبهاته ومزاعمه، التي تشوه سيرة الرسول ﷺ، وتخدم أهداف وأغراض أعداء الإسلام، ولا سيما أن الكتاب أصبح متداولًا بين الناس باللغتين: الإنجليزية والعربية. ومنه نسخة بالعربية وأخرى بالإنجليزية بمكتبة جامعة الملك سعود.
وقد نَوَّه بالأخطاء الكثيرة في هذا الكتاب مختصون في دراسة الظاهرة الاستشراقية، ومثاله ما جاء في كتاب: " الإسلام والمستشرقون" تأليف نخبة من العلماء، (ص ٢٣٠) .
"ومن نماذج كتب المستشرقين المليئة بالأخطاء والشبهات في سيرة الرسول ﷺ كتاب المستشرق (ز. ف. بودلي)، الذي ترجم إلى العربية دون الاعتناء بإجراء التصحيح اللازم لأخطائه.." وما جاء في كتاب " المستشرقون " لنجيب العقيقي: ".. وقد آمن في مقدمة كتابه "الرسول" بسلامة العقيدة الإسلامية، وضلَّ من بعدُ في تفسير الزكاة والجنة والنار والقضاء والقدر".
ودراسة مثل هذا الكتاب تبصر طلاب الحقيقة من المستشرقين المنصفين بحقائق الإسلام ومناهج المغرضين من المستشرقين في تناول سيرة الرسول ﷺ. وتبصر أبناء الأمة الإسلامية الذين ينخدعون بكتابات المستشرقين ويعتمدون عليها في أبحاثهم عن الإسلام وتاريخه وحضارته.
[ ٤ ]
المقدمة:
لا تخلو مقدمة بحث عن الاستشراق عامة أو عن مستشرق بعينه من ذكر أهداف الاستشراق ووسائله ودوافعه، المنحصرة في الأهداف والدوافع: الدينية والسياسية والاستعمارية والعلمية والتجارية والشخصية.
وتجنبًا للتكرار، فالراجح عندي من خلال سيرة بودلي أن الأهداف السياسية هي التي جاءت به ليعيش مع بدو صحراء الحجاز، ليقدم لبلاده المعلومات الاستخباراتية التي تريدها؛ لرسم سياستها الاستعمارية في هذه المنطقة الاستراتيجية؛ وذلك بدليل أن كتابات بودلي لا تحمل الطابع العلمي في أدنى مستوياته، والذي نلحظه في كتابات المستشرقين الذين استقى منهم معلوماته عن سيرة النبي ﷺ؛ وبقائه تلك المدة الطويلة في البادية - سبع سنوات. لأن من يريد أن يكتب عن سيرة محمد ﷺ لا يحتاج إلى البقاء في مهد الإسلام هذه المدة، بل يحتاج إلى قضاء نحو خمس هذه المدة فقط، وقضاء أربعة الأخماس الباقية في المكتبات، حيث مصادر السيرة النبوية الأصلية.
إن علاقة مثل هذه الشخصيات التي تعد استشراقية بدوائر الاستعمار، من الظواهر البارزة في تاريخ الاستشراق. ولعل الدور الاستعماري لبودلي بالذات هو دراسة حياة الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة وطبيعتهم وخصائصهم، وهل بالإمكان استعمارهم؟! ومعرفة الاتجاهات والحركات المناهضة للاستعمار في المناطق المجاورة في آسية وإفريقية.
أما تفكير بودلي في تأليف الكتب التي أشرنا إليها عن هذه المنطقة، فهو كما يبدو مشروع لاحق، فكَّر فيه عندما رجع واستقر في بلاده، واستهوته شخصية محمد ﷺ التي وجد تأثيرها العميق في هذه المنطقة.
[ ٥ ]
لقد اتبعت المنهج التحليلي في دراسة كتابه المذكور، إذ أوردت آراءه، ثم نقدتها في ضوء مصادر السيرة الأصلية. وإلى القارئ أبرز مزاعمه وأخطائه وتناقضاته وشبهه:
[ ٦ ]