يستند بودلي في هذا الزعم إلى روايات الضعفاء والمتروكين الذين لا يحتج بهم في مسائل الحلال والحرام والعقيدة، ولاسيما رواية الواقدي المتروك في سبب زواج الرسول ﷺ من ابنة عمته زينب بنت جحش.
وخلاصة رواية الواقدي: أن النبي ﷺ جاء ذات يوم إلى منزل متبناه وربيبه زيد بن حارثة، زوج زينب بنت جحش، فلم يجده، وقامت إليه زينب فُضُلًا [أي في ثيات مهنتها بالبيت]، فرآها فأعجبته، فأعرض عنها، ورفض طلبها في الدخول إلى دارها في غياب زوجها، وولى وهو يهمهم بشيء لم تفهم منه إلا قوله: "سبحان الله العظيم، سبحان مصرف القلوب". وعندما عاد زيد إلى داره أخبرته بما حدث، فجاء إلى الرسول ﷺ، وكان مما قال: ".. بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها"، فقال له النبي ﷺ: "أمسك عليك زوجك" وتقول الرواية: إن زيدًا لم يستطع إلى زينب سبيلًا بعد ذلك اليوم، فأخذ يتردد على الرسول ﷺ فيخبره ويبدي إليه رغبته في طلاقها، والرسول ﷺ يقول له كل مرة: "أمسك عليك زوجك، أو احبس عليك زوجتك"، وعندما لم يطق ذلك فارقها واعتزلها، وعندما انقضت عدتها
_________________
(١) الرسول، ص ٢٥٧.
[ ٧٤ ]
أوحى الله لنبيه بأن يتزوجها (١) .
من الواضح أن بودلي أخذ هذه الرواية من مشايخه، وعلى رأسهم درمنجهم، الذي يقول بعد إيراده الرواية: "بيد أن زيدًا أدرك أن الكلام لا يعبر عن الفكر، وأن محمدًا أخفى ميله عن مجاملة وعن خوف من العيب، فأصر زيد على حل عقدة النكاح، متعللًا بأنه أضحى كارهًا لزينب، فطلقها بعد بضعة أيام، ومن يدري ماذا كان يدور في خلد هذه المرأة؟ " (٢) .
لقد طعن العلماء المحققون في هذه الرواية لعلل ذكروها، وهي: الإرسال، لأنها موقوفة على محمد بن يحيى بن حبان، وهو تابعي توفي عام ١٢١هـ (٣)، وفي سندها الواقدي، الذي ضعفه جمع من رجال الجرح والتعديل، منهم زكريا الساجي والبخاري وأحمد وابن المبارك وابن نمير وابن معين (٤)، وفي إسنادها عبد الله بن عامر الأسلمي الذي ضعفه العلماء: أحمد وأبو زرعة وأبو عاصم والنسائي وابن معين والبخاري، وقال عنه ابن حبان: كان يقلب الأسانيد والمتون ويرفع المراسيل (٥) .
ومن كان هذا حاله عند العلماء فلا يصح الاحتجاج به في أمر يتعلق
_________________
(١) انظرها عند ابن سعد (٨/١٠١ـ١٠٢)، بتصرف، الطبري: التاريخ (٢/٥٦٢ـ٥٦٣)، وهي رواية الواقدي التي عند ابن سعد.
(٢) إميل درمنجهم: حياة محمد، ص ٣٠١.
(٣) ابن حجر: تهذيب التهذيب (٩/٥٠٨) .
(٤) ابن حجر: المصدر نفسه (٩/٣٦٣)؛ الذهبي: ميزان الاعتدال (٣/٦٦٢ـ٦٦٦) .
(٥) ابن حجر: تهذيب التهذيب (٥/٢٧٥ـ٢٧٩) .
[ ٧٥ ]
بعصمة الأنبياء (١) .
والرواية الثانية التي يستند إليها بودلي وأمثاله للطعن في أخلاق الرسول ﷺ من حيث يعلمون أو لا يعلمون، رواية الطبري التي تتلخص في أن الرسول ﷺ خرج يومًا يريد زيدًا، فعندما وقف على بابه رفعت الريح ستر الشعر الذي كان على الباب، فرأى زينب حاسرة في حجرتها، فوقعت في قلبه. فلما وقع ذلك كُرِّهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: مالك! أرابك منها شيء؟! فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيرًا. فقال له رسول الله ﷺ: "أمسك عليك زوجك واتق الله"، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها (٢) .
وقد طعن العلماء في هذه الرواية كذلك لأسباب ذكروها، وهي: لأن في إسنادها عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، ولكنه مدلس ومتساهل (٣)، ولم يصرح بالتحديث في هذه الرواية، ولذا فهي ضعيفة، ولأن في إسنادها عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، الذي ضعفه أحمد وابن المديني، وتكلم
_________________
(١) انظر: د. زاهر عواض الألمعي: مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش - رواية تحليلية، وهو عمدتنا في هذه الدراسة - جزاه الله خيرًا.
(٢) الطبري: التاريخ (٢/٥٦٣ـ٥٦٤) .
(٣) انظر أقوال العلماء فيه عند ابن حجر: تهذيب التهذيب (٦/٨٣ـ٨٤) .
[ ٧٦ ]
فيه غير واحد من العلماء (١)، ولأن إسنادها منقطع، لم يرفع إلى أحد من الصحابة.
والرواية الأولى المقبولة عند العلماء هي الرواية التي أوردها الطبري (٢)، من حديث علي بن الحسين، قال: كان الله ﵎ أعلم نبيه ﷺ أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها، قال: "اتق الله وأمسك عليك زوجك"، قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ .
ورجال إسناد هذه الرواية ثقات، ماعدا علي بن زيد بن جدعان، فقد ضعف، قال ابن حجر (٣): " إلا أن الترمذي الحكيم قد أطنب في تحسينها، وقال: إنها من جواهر العلم المكنون ". قلت: ويقوي هذا الإسناد رواية ابن أبي حاتم من طريق السدي، التي قال عنها ابن حجر (٤) عند تعليقه على رواية علي بن الحسين وقول الترمذي عليها، قال:.. وكأنه لم يقف - أي الترمذي - على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا إليه، لضعف علي بن زيد بن جدعان ". ولفظ السدي: "بلغنا أن هذه الآية - أي الآية ٣٧ من سورة الأحزاب - نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ. وكان رسول الله ﷺ أراد أن
_________________
(١) انظر تهذيب التهذيب (٦/١٧٨) .
(٢) في تفسيره، ج٢٢، مجلد ٢٢ـ٢٥، ص ١٣، ط. الحلبي، ١٣٧٣هـ.
(٣) ابن حجر: الفتح (١٨/١٤٠/ك. التفسير /ب. قوله: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه..".
(٤) المصدر نفسه. ؟؟
[ ٧٧ ]
يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بعدُ بما صنع رسول الله ﷺ، فزوَّجها إياه، ثم أعلم الله ﷿ نبيه ﷺ بعد أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله. وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه. وكان قد تبنى زيدًا".
وهذه الرواية هي الثانية المقبولة عند العلماء في سبب زواج الرسول ﷺ من زينب بنت جحش، وما عدا ذلك فهي روايات ساقطة يجب الإعراض عنها كما قال ابن حجر (١): "وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد".
إن سبب زواج الرسول ﷺ من زينب بنت جحش هو إرادة الله تعالى إبطال عادة التبني التي كانت سائدة في الجاهلية. فزيد كان متبنى الرسول ﷺ، ودُعي بزيد بن محمد. وأقوى وسيلة لإبطال هذه العادة أن يتزوج الرسول ﷺ من مطلقة متبناه (٢) . قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب:٥] . وقال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) المصدر نفسه.
[ ٧٨ ]
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وواضح أن بودلي اعتمد على آرفنج (١) ودرمنجهم (٢) في هذه الفرية المتداولة في كتب المستشرقين، كما سبق ذكره.
أما ما ورد من أخبار عن ذرف الرسول ﷺ الدمع على زيد عندما بلغه خبر استشهاده يوم مؤتة، فلم يكن بسبب تنازل زيد له عن زوجته زينب، بل هو أمر طبعي، لأنه كان حِبَّ رسول الله ﷺ، ومثاله قوله ﷺ له: "يا زيد أنت مولاي ومني وإليَّ وأحب القوم إليَّ" (٣)، وسبق أن ذكرنا رواية البخاري في هذا الصدد. ولم يذرف الدمع عليه وحده حين مات، بل ثبت في الصحيح (٤) أنه ذرف الدمع على قادة سرية مؤتة الثلاثة الذين أنبأه الله بخبر استشهادهم واحدًا تلو الآخر. وذرفت عيناه عندما جاء إلى بيت جعفر وطلب من زوجته أسماء بنت عميس ﵂ أن تأتيه بأبناء جعفر، فأتته بهم، فشمهم، وذرفت عيناه (٥)؛ وذرفت عيناه عندما جاء كذلك إلى بيت زيد، وقابلته ابنة زيد تجهش بالبكاء (٦) .
_________________
(١) حياة محمد، ص ١٧٧ـ١٧٩.
(٢) حياة محمد، ص ٣٠٠ـ٣٠٣.
(٣) ابن سعد (٣/٤٤)، بإسناد حسن كما قال ابن حجر في الإصابة (١/٥٦٤)، وقال: هو عند أحمد مطول.
(٤) البخاري /الفتح (١٦/١٠٠ـ١٠١/رقم ٤٢٦٢، ٤٢٦٣) .
(٥) من رواية الإمام أحمد وابن ماجه كما ذكر الشامي في السبيل (٦/٢٤١) .
(٦) ابن سعد: الطبقات (٣/٤٧)، بإسناد صحيح، رجاله ثقات.
[ ٧٩ ]