وهذا زعم باطل، والعكس هو الصحيح. ففي رواية لمسلم (٢) أنهم يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ، وفي رواية أخرى له: المسلمون مع رسول الله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد بذلك الديوان (٣) . وقال ابن حجر (٤):"وللحاكم في "الإكليل" من حديث معاذ: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا؛ بهذا العدد جزم ابن إسحاق"، وفي روايتين للواقدي (٥): أنهم كانوا ثلاثين ألفًا، ونقل ابن حجر (٦) عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفًا. وعند ابن أبي خيثمة (٧)
_________________
(١) الرسول، ص ٢٧٦.
(٢) صحيحه (٤/٢١٢٩/رقم ٢٧٦٩) .
(٣) المصدر نفسه (٤/٢١٢١/رقم ٢٧٦٩) .
(٤) الفتح (١٦/٢٤٢) . قلت: ولا توجد رواية ابن إسحاق في المطبوع المتداول بين أيدينا. انظر في هذا: السندي: الذهب المسبوك في مرويات غزوة تبوك، ص ١٧٨.
(٥) المغازي (٣/٩٩٦)، بإسناد متصل، و(٣/١٠٠٢)، بإسناد له عن شيوخه، وهما عند ابن سعد في الطبقات (٢/١٦٦)، من رواية شيخه الواقدي.
(٦) الفتح (١٦/٢٤٢) .
(٧) تاريخه، ج٥، ص ١٢٣.
[ ٨٣ ]
من حديث أبي زرعة الرازي أنهم كانوا سبعين ألفًا.
والمشهور أن جيش تبوك كان ثلاثين ألفًا، وهو ما اتفق عليه أئمة المغازي والسير: ابن إسحاق وابن سعد والواقدي، ولا يعارض ما جاء في الصحيح؛ لأنَّ رواية مسلم لم تجزم بعدد معين، بل قالت إنهم كانوا كثيرين، يزيدون على العشرة آلاف.
وقد اختار درمنجهم (١) أحد مراجع بودلي الأساسية - الرواية المتفق عليها عند أهل المغازي والسير.
فهل مثل هذا العدد يعد أقلية مقارنة بعدد القادرين على حمل السلاح من الصحابة من أهل المدينة وما حولها؟!
ثم إن المصادر تشير إلى أن من تخلف عن تبوك عدد من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل جدًا من الصحابة المؤمنين من أهل الأعذار الشرعية، وثلاثة ممن لم يكن لهم عذر عن التخلف في الجهاد، وهم: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. وقد أشار القرآن الكريم إليهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨] .
وروى البخاري (٢) ومسلم (٣) قصتهم من حديث كعب بن مالك
_________________
(١) حياة محمد، ص ٣٤٦.
(٢) الفتح (١٦/٢٤١ـ٢٥٢/رقم ٤٤١٨) .
(٣) صحيحه (٤/ ٢١٢٠ـ ٢١٢٨/رقم ٢٧٦٩) .
[ ٨٤ ]
الطويل. وجاء في حديث كعب أن الذين تخلفوا كانوا بضعة وثمانين رجلًا، اعتذروا للرسول ﷺ عن تخلفهم، فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى الله، ويتطابق هذا العدد مع ما ذكره الواقدي (١)، وزاد الواقدي بأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - ومن تابعه من قومه كانوا من غير هؤلاء.
يبدو أن بودلي وغيره استند في زعمه بأن أغلبية المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك إلى ما ذكره الواقدي (٢) من أن عدد الذين تابعوا عبد الله بن أبي من قومه في عدم الخروج مع الرسول ﷺ كانوا عددًا كثيرًا، وروى هو وابن سعد (٣) وابن إسحاق (٤) أن ابن أبي خرج حتى وصل جبل ذياب بالمدينة ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين، فلما سار الرسول ﷺ تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين. وكل هذا لم يثبت بطرق صحيحة. فقد روى ابن إسحاق والواقدي وابن سعد هذه الجزئية بصيغة التمريض، مما يدل على عدم قبولهم لهذه الرواية. ولهم أن يشكوا فيها، وبخاصة ذكر اليهود بهذا العدد الذي لا يتفق مع منطق الأحداث التاريخية التي وقعت بين اليهود والمسلمين. فالمشهور الثابت أن الرسول ﷺ أخرج يهود بني
_________________
(١) المغازي (٣/٩٩٥) .
(٢) الطبقات (٢/١٦٥)، مكن حديث الواقدي.
(٣) المصدر والمكان نفسه.
(٤) ابن هشام (٤/٢١٩)، بإسناد مرسل.
[ ٨٥ ]
قينقاع (١) والنضير (٢) من المدينة قبل غزوة تبوك بسنين، وقتل مقاتلة يهود بني قريظة وسبى نساءهم، ولم يستثن من القتل إلا الأطفال ومن لا يحمل السلاح والذين أسلموا (٣)؛ والذين أسلموا ثلاثة (٤) . وحاز اثنان على أمان من بعض الصحابة (٥) .
ولم يتخلف كل المنافقين عن الخروج، فقد روى أحمد (٦) أن جماعة منهم ملثمين حاولوا طرح الرسول ﷺ عن راحلته من رأس عقبة في طريق عودتهم من تبوك في عتمة من الليل، فشعر بمؤامرتهم الدنيئة، فأمر بإبعادهم عنه. وهم الذين قالوا في مجلس لهم بتبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء"، فقال رجل في المجلس: "كذبت، ولكنك منافق (٧) ..".
إذا علمت - أيها القارئ - هذا كله، اتضح لك مدى فساد منهجية بودلي وغيره في تناول أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. فمن أبسط
_________________
(١) البخاري / الفتح (١٥/٢٠٣ـ٢٠٤/رقم ٤٠٢٨)؛ مسلم (٣/١٣٨٧ـ١٣٨٨/رقم ١٧٦٦) .
(٢) البخاري / الفتح (١٥/٢٠٢/رقم ٤٠٢٨)، عبد الرزاق: المصنف (٥/٣٥٩ـ٣٦٠)، بإسناد صحيح رجاله ثقات، أبو داود: السنن (٣/٤٠٤ـ٤٠٦/رقم ٣٠٠٤)، وسنده صحيح.
(٣) البخاري (٤١٠١)، مسلم (١٧٦٨) .
(٤) ابن هشام (١/٢٧٢)، (٣/٣٢٩) إسناد الأولى يتقوى بالشواهد، وهي رواية البخاري ومسلم وغيرهما، وذكرهم ابن حجر وابن عبد البر الإصابة (١/٧٩) ضمن الصحابة.
(٥) ابن هشام (٣/٣٣٠)، من حديث ابن إسحاق معلقًا.
(٦) المسند (٤/٢١٤٤/رقم ٢٧٧٧٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/٢٥٦/٢٥٩)، من طريقين ضعيفين.
(٧) الطبري في التفسير (١٤/٣٣٣/رقم ١٦٩١٢)، وإسناده صحيح.
[ ٨٦ ]
قواعد المنهج العلمي في التأليف في التاريخ أن يعتمد الباحث على المصادر الأصلية والأصيلة وعلى الروايات الصحيحة أولًا، وإذا لم يجدها استعرض جميع الروايات الضعيفة ورجح ما يقتضيه العقل والمنطق فيما لا يتعارض مع العقيدة أو يحل حرامًا ويحرم حلالًا. أو على الأقل يذكر الروايات المعارضة في الموضوع الواحد، مثلما يفعل الطبري في كتابة التاريخ، ويحدد منهجه في مقدمة كتابه.
[ ٨٧ ]