إن الذي تذكره المصادر أن حسانًا كان ممن خاض في حديث الإفك الذي يلوكه المنافقون (٣)، والراجح أنه كان ممن جلد حد القذف (٤) . ولم نقف على شعره اللاذع الذي يسيء إلى النبي ﷺ وإلى عائشة ﵂. فالذي تذكره المصادر هو شعره الذي رواه ابن إسحاق (٥)، وقال إنه كان يعرض فيه بصفوان بن المعطل وبمن أسلم من العرب المضريين، ونصه:
أمسى الجلابيبُ (٦) قد عَزُّوا وقد كَثُروا وابنُ الفُرَيْعَةِ (٧) أمسى بيضةَ (٨) البَلَدِ
قد ثُكِلَتْ (٩) أُمُّه مَنْ كنتُ صاحبَه أو كان منتشبًا في بُرْثُنِ (١٠) الأَسَدِ
_________________
(١) الرسول، ص ١٩٩.
(٢) البخاري (فتح الباري ٨/ ٣٤٥-٣٤٦) (رقم ٤٧٥٧)، وفيه أنه خاض فيه؛ الترمذي (٣١٨١)؛ عبد الرزاق: المصنف (٥/١٩)؛ أحمد (٦/٣٥)، بإسناد ابن إسحاق؛ ابن هشام (٣/٤١٨)، من حديث ابن إسحاق الذي رواه عنه أصحاب السنن، ولم يصرح فيه بالسماع، ولكن يكفي صحة رواية البخاري لمتنه.
(٣) انظر المصادر نفسها، وابن حجر: الفتح (١٨/٧٨) .
(٤) ابن هشام (٣/٤٢١ـ٤٢٢)، بدون إسناد.
(٥) الجلابيب: الغرباء.
(٦) ابن الفريعة: يعني نفسه، والفريعة أمه.
(٧) بيضة البلد: تعني العظيم في قومه أو الذليل الذي ليس معه أحد.
(٨) ثكلت: فقدت.
(٩) البرثن: جمعه براثن، بمنزلة الأصابع للناس، وقيل بمنزلة الأظافر.
[ ١٢١ ]
ما لقتيلي الذي أغدو فآخُذُه مِنْ دية فيه يُعْطَاها ولا قَوَدِ (١)
ما البحرُ حين تَهُبُّ الريحُ شاميةً فَيَغْطئِلُّ (٢) ويَرْمي العِبْر (٣) بالزبِد
يومًا بأغلبَ مني حين تُبْصِرُني مِلْغَيْظَ أَفْري (٤) كفَرْي العارض (٥) البِرِد (٦)
أمَّا قريْشٌ فإني لن أسالمهم حتى يُنيبوا (٧) من الغيَّاتِ (٨) للرشَد
ويَتْرُكوا اللاتَ والعُزَّى بِمَعْزِلةٍ ويسجدوا كلُّهم للواحد الصَّمَد
ويشهدوا أنَّ ما قالَ الرسولُ لهم حقٌّ ويُوفوا بعهد الله والوُكَدِ (٩)
قال ابن إسحاق (١٠): "فاعترضه صفوان بن المعطل، فضربه بالسيف، ثم قال: كما حدثني يعقوب بن عتبة:
تَلَقَّ ذُبابَ السيف عني فإنني غلامٌ إذا هوجيت لست بشاعر
وقال ابن إسحاق (١١): وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن
_________________
(١) القود: قتل النفس بالنفس.
(٢) يَغْطَئِلُّ: يموج ويتحرك.
(٣) العبر: جانب البحر.
(٤) ملغيظ أفري: أقطع من الغيظ.
(٥) العارض: السحاب.
(٦) البرد: الذي فيه برد.
(٧) ينيبوا: يرجعوا.
(٨) الغيات: جمع غي، وهو خلاف الرشد.
(٩) الوكد: توكيد العهد.
(١٠) ابن هشام (٣/٤٢٢)، بإسناد منقطع.
(١١) المصدر نفسه (٣/٤٢٢- ٤٢٣)، بإسناد منقطع، ورواه من هذا الطريق الطبري في التاريخ (٢/٦١٨-٦١٩)، والبيهقي في الدلائل (٤/٧٤-٧٥)، ولكن وصله موسى بن عقبة في مغازيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وسنده صحيح، كما قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة"، ص١٢٨، وأورده الهيثمي في المجمع (٩/٢٣٤-٢٣٦)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٢٢ ]
ثابت بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل، حين ضرب حسانًا، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى قومه دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال له: ما هذا؟ قال: أما أُعَجِّبُك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله، قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله ﷺ بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله: آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربتُه، فقال رسول الله ﷺ لحسان: أحسِنْ يا حسان، أَتَشَوَّهْت (١) على قومي، أن هداهم الله للإسلام، ثم قال: "أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله".
وقال ابن إسحاق (٢): إن رسول الله ﷺ أعطى حسانًا عوضًا عن تلك الضربة بيرحاء، وهي قصر بني حُديلة. اليوم بالمدينة، وكانت مالًا لأبي طلحة ابن سهل، تصدق بها إلى رسول الله ﷺ.. وأعطاه سيرين، أمة قبطية، أخت مارية ﵂، فولدت له عبد الرحمن.
إن المتأمِّلَ لشعر حسانَ الذي ذكرناه وخبر المصالحة التي عقدها الرسول ﷺ بين حسان وصفوان، ومنح الرسول ﷺ سيرين وبيرحاء لحسان، يدل على أن حسانًا لم يقل شعرًا لاذعًا في حديث الإفك يسيء إلى النبي ﷺ وعائشة
_________________
(١) أتشوهت: أقبحت ذلك من فعلهم حين سميتهم بالجلابيب من أجل هجرتهم إلى الله ورسوله؟
(٢) ابن هشام (٣/٤٢٣-٤٢٤)، وإسناده منقطع.
[ ١٢٣ ]
﵂، وإنما خاض مع من خاض بالكلام العادي في أمر الإفك بما يفيد تصديقه لافتراء المنافقين، وقد تاب مع من تاب من المؤمنين الذين غرر بهم المنافقون، ولذا كان موقف الرسول ﷺ وعائشة ﵂ بعد الإفك موقفًا متسامحًا، وهو موقف لا يريده بودلي ومشايخه، بل هناك من العلماء من قال بعدم خوض حسان في حديث الإفك بما يسيء إلى عائشة ﵂ (١)، واستدلوا ببيته الشعري:
فإن كنتُ قد قلتُ الذي قد زعمتمُ فلا رَفَعَتْ سوطي إليَّ أناملي
ويبدو لنا أن سبب ضرب صفوان لحسان بالسيف هو تعريضه به في غير هذه الأبيات، وحفز صفوان لهذا الفعل أمر آخر هو أن الرسول ﷺ عندما بلغه قول حسان: "أمسى الجلابيب"، قال: من لي بأصحاب البساط؟ يعني حسانًا وأصحابًا له كانوا يجلسون على بساط لحسان في أجمة فارع (٢) . فقال حسان يومًا وهو جالس مع أصحابه يرى كثرة مَنْ يأتي رسول الله ﷺ من العرب يُسْلمون؛ فقال صفوان بن المعطل: أنا لك يا رسول الله منهم، فخرج إليهم واخترط سيفه، فلما رأوه مقبلًا عرفوا في وجهه الشر، ففروا وتبددوا. وأدرك حسانًا داخلًا بيته، فضربه.." (٣) القصة.
_________________
(١) انظر: ابن حجر، الفتح (١٨/٨٧/٩٠) شرح الحديث رقم ٤٧٥٠، ونسب إنكار وقوع الحدّ بالذين قذفوا عائشة إلى الماوردي، ولم يوافق ابن حجر الماوردي فيما ذهب إليه.
(٢) أجمة فارع: الشجر الكثير الملتف العالي.
(٣) نور الدين علي بن محمد السمهودي: الوفا بأخبار دار المصطفى، ط٤، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م (٣/٩٦٢ـ٩٦٣)، من رواية عقبة عن العطاف بن خالد.
[ ١٢٤ ]
والسؤال هنا: لماذا يشير بودلي إلى الشعر اللاذع الذي قاله حسان في حديث الإفك كما يزعم، ولم يشر إلى الشعر الذي يبرئ عائشة ﵂ مما نسب إليها من الإفك؟
لقد غرر المنافقون بحسان وحمنة ومسطح ﵃: الثلاثة الذين أقيم عليهم حد القذف، فقالوا ما قالوا، ولكنهم أيقنوا بخطئهم عندما نزل القرآن مبينا الحقيقة في أمر الإفك، وتابوا، وقال حسان شعرًا يدل على توبته واعتذاره عن خطئه. ومما رواه ابن هشام (١) عنه في حق عائشة ﵂:
حَصَانٌ (٢) رزانٌ (٣) ما تُزَنُّ (٤) بريبة وتصبح غَرْثى (٥) من لحوم الغوافل (٦)
عقيلة (٧) حيٍّ من لؤي بن غالب كرام المساعي (٨) مجدهُم غيرُ زائل
مهذبة (٩) قد طيَّب الله خيمها (١٠) وطَهَّرها من كل سوء وباطل
_________________
(١) السيرة النبوية (٣/٤٢٤ـ٤٢٥)، بدون إسناد.
(٢) حصان: عفيفة.
(٣) رزان: عاقلة أو رزينة أو ملازمة لموضعها لا تنصرف عنه كثيرًا.
(٤) تزن: ترمى وتتهم.
(٥) غرثى: جائعة.
(٦) الغوافل: جمع غافلة، وهي الغافلة عن الإثم.
(٧) عقيلة: كريمة.
(٨) المساعي: جمع مسعاة، وهي ما يسعى فيه من طلب المجد والمكارم.
(٩) مهذبة: صافية مخلصة.
(١٠) الخيم: الطبيعة.
[ ١٢٥ ]
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم فلا رفعت سوطي إليَّ أناملي (١١)
وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زَيْنِ المحافل
له رُتبٌ (١) عالٍ على الناس كَلّهم تقاصرُ عنه سورة (٢) المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائط (٣)
ولكنه قول امرئ بي ماحل (٤)
والبيت الأول "حصان.. " من رواية البخاري (٥)، وللعلماء تفصيل حول رواية الأبيات الشعرية المذكورة (٦) . وأوردوا أبياتًا أخرى بهذا الشأن من رواية الحاكم من غير طريق ابن إسحاق، وهي:
حليلةُ خيرِ الخلقِ دينًا ومنصبًا نبي الهدى والمكرمات الفواضل
رأيتُك وليغفر لك الله حرةً من المحصنات غير ذات الغوائل (٧)
وعندما وصل حسان إلى أرذل العمر وذهب بصره، كان يدخل على عائشة ﵂، بإذنها، وتكره من يسبه عندها، وتعتذر له بأنه كان ينافح عن رسول الله وآل بيته، وتذكر الناس بقول حسان:
فإن أبي ووالدتي وعِرْضي لعِرْض محمد منكم وقاء (٨)
_________________
(١) رتب: من رواه بضم الراء فهو جمع رتبة وهي المنزلة، ومن رواه بفتح الراء فهو الموضع المشرف من الأرض، فاستعاره هنا للشرف والمجد.
(٢) السورة: بفتح السين: الوثبة، وبضمها: المنزلة.
(٣) بلائط: بلاصق.
(٤) الماحل: النمام.
(٥) مع الفتح (١٨/٩٥/شرح الحديث رقم ٤٧٥٦) .
(٦) انظر ابن حجر: الفتح (١٨/٩٥/شرح الحديث رقم ٤٧٥٦) .
(٧) ابن حجر: الفتح (١٨/٩٥ـ٩٦) .
(٨) البخاري / الفتح (١٦/٤/رقم ٤١٤١)، ابن حجر: الفتح (١٨/٩٥ـ٩٦) .
[ ١٢٦ ]
إن هذا الشعر الذي ذكرناه واردٌ في مصادر السيرة النبوية وكتب الأدب. ولكن لم يشر إليه بودلي، لأنه يساير أساتذته المستشرقين في التشكيك في براءة عائشة مما نسب إليها من حديث الإفك، ويكذبون القرآن والسنة وصحيح الأخبار؛ ولا يرجع هو وأمثاله إلى المصادر الأصلية. وقد وقفنا على هذا المنهج الانتقائي للأخبار التي تحقق لهم أغراضهم الخبيثة.
[ ١٢٧ ]