لم يكن أتباع محمد ﷺ كما يزعم، بدليل سير أصحابه الكبار الذين كانوا تجارًا، أمثال: أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف. فمثلًا: أبوبكر ﵁ كان تاجرًا ناجحًا، ولكنه كذلك أنفق كل ماله في سبيل الله، كما هو مشهور معروف مذكور في المصادر التاريخية الموثوق بها. فهو الذي قال عنه الرسول ﷺ: "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر"، فبكى أبوبكر ﵁ عندما سمع هذا الحديث، وقال: "وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله" (٢) . وأعتق من ماله مجموعة من الأرقاء (٣) لوجه الله، منهم بلال (٤) .
_________________
(١) المرجع نفسه، ص٦٠.
(٢) انظر في هذا: أحمد: المسند (٢/٢٥٣، ٢٦٦) . قال محققو الموسوعة الحديثية - المسند (١٢/ح٧٤٤٦): إسناده صحيح على شرط الشيخين. أحمد فضائل الصحابة (١/٦٥ ح ٢٥، ٢٦، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣٢، وأسانيدها صحيحة أو حسنة كما ذكر المحقق وصي الله بن عباس) .
(٣) انظر في هذا مثلًا: ابن هشام (١/٣٩٤)، من حديث ابن إسحاق، بدون إسناد، البلاذري: أنساب الأشراف (١/١٥٨، ١٩٠، ١٩٤، ١٩٦)؛ الحاكم: المستدرك (٢/٥٢٥)، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي.
(٤) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما قال ابن حجر في الفتح (٤/٥٤٨)؛ والبلاذري في أنساب الأشراف (١/١٨٦) بإسناد جيد، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٣٤) بإسناد قوي كما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/٣٥٣) .
[ ٢٩ ]
ومن المشهور الذي روي عنه أنه خرج بنفسه وكل ماله في سبيل الله عندما أراد الهجرة إلى المدينة (١) . وروي أن عائشة ﵂ قالت: "فخرت بمال أبي في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقية - وفيه - فقال النبي ﷺ: "اسكتي يا عائشة، فإني كنت لك كأبي زرع لأم زرع" (٢) . وقال ابن حجر (٣) في الإصابة:"وأخرج أبو داود في الزهد بسند صحيح عن هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أسلم أبوبكر وله أربعون ألف درهم، وقال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات وما ترك دينارًا ولا درهمًا"، وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبوبكر وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس.
والغريب أن بودلي (٤) يناقض نفسه حين قال عن أبي بكر: إنه كان من أصحاب الملايين في مكة. ثم إن إميل درمنجهم (٥) - أحد مراجع بودلي
_________________
(١) أخرجه أحمد والطبراني بنحوه من حديث ابن إسحاق، وقال الهيثمي في المجمع (٦/٥٩): رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع، فهذا يعني أنه حسن لذاته، وانظر ابن كثير: البداية والنهاية (٣/١٧٩) .
(٢) انظره في السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، لمهدي، ط٢، فصل الشمائل.
(٣) الإصابة (٤/ ١٧١-١٧٢) .
(٤) الرسول ص ٣٠٧.
(٥) حياة محمد، ص ٨٨.
[ ٣٠ ]
الرئيسة - يقول إن أبابكر كان من ذوي الغنى واليسار بما قام به من التجارة.
وهكذا يتضح لنا أن بودلي يناقض نفسه في المسألة الواحدة وينتقي من مصادره المعلومات التي تساعده على فكرته، وهو منهج يتبعه كثيرًا غلاة المستشرقين (١) .
وكان عمر بن الخطاب ﵁ تاجرًا ناجحًا، ولكن بعد إسلامه أصبح مضرب الأمثال في الزهد كذلك. فقد ثبت أنه أراد أن يسابق أبابكر في التصدق، عندما حثهم الرسول ﷺ على الصدقة، فجاء بنصف ماله للرسول ﷺ صدقة، وجاء أبوبكر بكل ماله، ولذا أقسم عمر ﵁ ألا يسابق أبابكر إلى شيء بعد هذا (٢) . وتصدق بمائة أوقية لتجهيز جيش غزوة تبوك (٣) .
وكان عثمان بن عفان ﵁ تاجرًا ناجحًا، ويكفي ما رواه البخاري (٤) والترمذي (٥) وغيرهما من أنه جهز جيش العسرة، جيش غزوة تبوك. وروى أحمد (٦) والترمذي (٧) والحاكم (٨) أن رسول الله ﷺ قال عن عثمان في ذلك اليوم: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" (٩) . وأخباره في الإنفاق في سبيل
_________________
(١) انظر كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية.
(٢) الترمذي: السنن (٩/٧٧/٣٧٧٦، وقال: حسن صحيح، أبو داود: السنن (٢/٣١٣)؛ الحاكم (١/٤١٤) .
(٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق، (١/٤٠٨ - ٤٠٩) بإسناد ضعيف.
(٤) الفتح (١٤/١٩٤ ـ١٩٥/ك. الفضائل /ب. مناقب عثمان ﵁) .
(٥) الألباني: صحيح سنن الترمذي (٣/٢٠٨/ح٢٩١٩، ٣٩٦٥) .
(٦) المسند (٥/٦٣)، وحسن إسناده محققو الموسوعة الحديثية - المسند (٣٤/ح٢٠٦٣٠) .
(٧) الألباني: صحيح سنن الترمذي (٣/٢٠٩/ح٢٩٢٠، ٣٩٦٧)، وحسنه الألباني.
(٨) المستدرك (٣/١٠٢)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٩) وانظر التفاصيل في المصادر المذكورة وغيرها.
[ ٣١ ]
الله وعلى أقاربه وأرحامه كثيرة، تجدها مبسوطة في كتب مناقب الصحابة التي أشرنا إليها في الحواشي، وذكرنا بعضها حين الكلام عن إنفاقه يوم تبوك في كتابنا السيرة النبوية.. (١) .
وكان طلحة بن عبيد الله ﵁ تاجرًا ناجحًا، ولكنه أيضًا كان سخيًا. ومن الأدلة على ذلك ما رواه أحمد (٢) من أن طلحة باع أرضًا له [من عثمان] (٣) بسبعمائة ألف، فبات ليلة عنده ذلك المال، فبات أرقًا من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه.
روى ابن سعد (٤) عدة آثار تدل على كثرة ماله وجوده وسخائه، كلها من طريق شيخه الواقدي، ما عدا الرواية المذكورة آنفًا، أي التي فيها أنه باع أرضًا له من عثمان بن عفان بسبعمائة ألف، ورواية أخرى من حديث الفضل بن دكين عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: دخلت على طلحة ذات يوم، فقلت: مالي أراك، أرابك شيء من أهلك فَنُعْتِبَ؟ قال: نعم، حليلة المرء أنت، ولكن عندي مال قد أهمني أو غمني، قالت: اقسمه. فدعا جاريته، فقال: ادخلي عليَّ قومي. فأخذ يقسمه، فسألتها: كم كان المال؟ فقالت: أربعمائة ألف (٥) .
_________________
(١) الطبعة الأولى، وفي الطبعة الثانية بعض الزيادات والتحقيقات (٢/١٩٢-١٩٤) .
(٢) فضائل الصحابة (٢/٧٤٥/أثر رقم ١٢٩٣، بإسناد رجاله ثقات، وليس فيه سوى تدليس الحسن البصري، فهو ثقة فقيه مشهور، ولكنه كثير الإرسال والتدليس) .
(٣) هذه الزيادة في رواية ابن سعد (٣/٢٢٠)، بإسناد رجاله ثقات، وليس فيه تدليس الحسن البصري.
(٤) الطبقات (٣/٢٢١ - ٢٢٢) .
(٥) الطبقات (٣/٢٢٠)، بإسناد حسن لأن فيه طلحة بن يحيى، وهو صدوق.
[ ٣٢ ]
وروى المحب الطبري (١) كذلك آثارًا في كثرة ماله وجوده، منها ما ذكرناه من مصادر أخرى، ومنها ما لم نذكره، فليراجع لزيادة الفائدة. ورحم الله من قال:
لولا المشقة ساد الناسُ كلُّهم الجود يُفْقر والإقدامُ قَتَّال
وعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض لكثرة إنفاقه في سبيل الله (٢) .
قال ابن عبد البر (٣): إن طلحة اشترى مالًا بموضع يقال له بيسان، فقال رسول الله ﷺ: "ما أنت إلا فياض"، فسمي الفياض.
وروى أبو نعيم (٤) أن طلحة نحر جزورًا وحفر بئرًا يوم ذي قرد، وسقاهم، فقال النبي ﷺ: "يا طلحة الفياض"، فسمي طلحة الفياض.
وروى المتقى الهندي (٥) من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن طلحة بن عبيد الله ابتاع بئرًا بناحية الجبل، وأطعم الناس، فقال الرسول ﷺ: "يا طلحة الفياض" (٦) .
_________________
(١) الرياض النضرة في مناقب العشرة (٤/٢٦١ - ٢٦٣) .
(٢) ابن عبد البر: الاستيعاب (٢/٢١٩/ ترجمة طلحة)، بهامش الإصابة لابن حجر.
(٣) المصدر نفسه والمكان نفسه.
(٤) معرفة الصحابة (١/٣٢٩/أثر ٣٧٣، تحقيق د. محمد راضي بن حاج عثمان، وخرجه المحقق من مصادر أخرى، وحكم على إسناده بالصحة؛ وانظر ابن أبي عاصم: كتاب السنة، ص ٦٠٠، ح١٤٠٤) .
(٥) في منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بهامش مسند الإمام أحمد (٥/٦٧)، وعزاه إلى الحسن ابن سفيان وأبي نعيم في المعرفة، وانظر كتاب السنة لابن أبي عاصم، ح١٤٠٣، ص ٥٩٩، وفيه أنه قال: إن النبي ﷺ سماه طلحة الخير، وفي غزوة ذات العشيرة سماه طلحة الفياض، ويوم حنين طلحة الجود، وقال ﷺ: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة.
(٦) انظر هنا أيضا: الحاكم (٣/٣٦٩، ٣٧٧)، الطبراني: الكبير (١/٧٠)، ابن عساكر: التاريخ (٨ق، ص٢٨٣) .
[ ٣٣ ]
وروى ابن سعد (١) والطبراني (٢) وابن عساكر (٣) وأبو نعيم (٤) من حديث قبيصة بن جابر، قال: "صحبت طلحة فما رأيت رجلًا أعطى لجزيل مال من غير مسالة منه".
وكان الزبير بن العوام تاجرًا ناجحًا. قال ابن عبد البر (٥): كان الزبير تاجرًا مجدودًا (٦) في التجارة، فقيل له يومًا: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ قال: لأني لم أشتر معيبًا، ولم أرد ربحًا، والله يبارك لمن يشاء.
ويروى أنه كان له ألف مملوك يؤدون الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم درهم (٧) .
وروى أبو نعيم (٨) أن الزبير ترك أربع نسوة [حين استشهد يوم الجمل] فورثت كل امرأة منهن ربع الثمن ألف ألف درهم، وخلَّف عشرين ولدًا: عشرة ذكورًا، وعشرة إناثًا.
وكان كريمًا جوادًا، ينفق من ماله على أبناء أصحابه الذين يوصونه بهم،
_________________
(١) الطبقات (٣/٢٢١) .
(٢) المعجم الكبير (١/٧٠)، بمثل رواية ابن سعد، وحسن الهيثمي في المجمع إسناده (٩/١٤٧) .
(٣) تاريخ دمشق (٨/ق٢، ص٢٨٢) .
(٤) معرفة الصحابة (١/٣٢٩/ح٣٧٤)، وإسناده حسن.
(٥) الاستيعاب (١/ ٥٨٣)، بدون إسناد.
(٦) مجدودًا: أي محظوظًا، والجد: الحظ، والجديد: الحظيظ، فعيل بمعنى مفعول.
(٧) ابن عساكر: التاريخ (١/ق٢، ص ١٩٠، أبو نعيم: المعرفة (١/٣٥٧)، رقم ٤٣٧؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (١/٥٨٣)؛ ابن حجر: الإصابة (١/٥٢٧)، وإسناده حسن.)
(٨) المعرفة (١/٣٥٨/)
[ ٣٤ ]
وممن أوصى إليه: عثمان والمقداد وابن مسعود وابن عوف ومطيع بن الأسود وأبو العاص بن الربيع (١) . ومن هؤلاء من كان من أثرياء تجار الصحابة، وهم: عثمان وابن عوف وأبو العاص بن الربيع.
وروى المحب الطبري (٢) أن ابن إسحاق السبيعي قال: سألت أكثر من أربعين رجلًا من أصحاب النبي ﷺ: من كان أكرم الناس على عهد رسول الله ﷺ؟ قالوا: الزبير وعلي ﵄.
وقصته في وفاء دينه وفيما وقع في تركته من البركة مذكور في صحيح البخاري (٣) .
وكان عبد الرحمن بن عوف تاجرًا ناجحًا، فقد روى البخاري (٤) أن الرسول ﷺ عندما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، طلب ابن الربيع من ابن عوف أن يشاطره ماله، فرفض ابن عوف أخذ شيء من مال أخيه سعد، وطلب منه فقط أن يدله على سوق المدينة، فدله على سوق يهود بني قينقاع. فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن؛ ثم أخذ يتردد إلى السوق، يبيع ويشتري، حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد وغيره، وتزوج، وكثر ماله.
_________________
(١) ابن حجر: الإصابة (١/٥٤٦/ ترجمة الزبير) .
(٢) الرياض النضرة (٤/٢١٠)، وقال: أخرجه الفضائلي.
(٣) مع الفتح (٢/٢٠٨ - ٢١٦/ رقم ٣١٢٩) .
(٤) مع الفتح (١٢/١٣٣ـ١٣٤/رقم ٢٠٤٨)، فانظره بطوله هناك.
[ ٣٥ ]
قال أبو عمر - ابن عبد البر (١) -: "كان تاجرًا مجدودًا في التجارة، وكسب مالًا كثيرًا، وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع.."، وروي أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا (٢) . وروى أبو عمر (٣) أثرًا من حديث الإمام أحمد وغيره بأسانيدهم إلى أم المؤمنين أم سلمة ﵄، قالت: دخل عليَّ عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا أمه، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش مالًا، قالت: يا بني: أنفق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه.." الخبر.
ليت بودلي تابع إميل درمنجهم - شيخه - في إقراره بحذق ابن عوف التجارة وما ناله من ثراء (٤) .
وروى ابن أبي عاصم (٥) بسنده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "خيركم خيركم لأهلي من بعدي"، قال: فباع عبد الرحمن بن عوف حديقة بأربعمائة ألف، فقسمها في أزواج النبي ﷺ".
ورويت عنه أخبار كثيرة في الإنفاق في سبيل الله منها الضعيف والقوي، فقد روى الطبري (٦) - مثلًا - عدة آثار، في بعضها أنه تصدق يوم تجهيز
_________________
(١) الاستيعاب (٢/٣٩٦)، وسيأتي ذكر هذه الرواية من حديث الواقدي.
(٢) الاستيعاب (٢/٣٩٦) .
(٣) المصدر نفسه (٢/٣٩٧ - ٣٩٨) .
(٤) حياة محمد: ص ١٧٧.
(٥) كتاب السنة ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة، للألباني، ص ٦٠٢، الرقم ١٤١٤.
(٦) التفسير (٤/٣٨٢ـ٣٩١)، وانظر دراسة شاكر لأسانيد المرويات الواردة في تفسير الآية ٧٩ من سورة التوبة، وهي صالحة للاحتجاج بها بمجموع طرقها وشواهدها.
[ ٣٦ ]
جيش تبوك بأربعين أوقية من ذهب، وفي بعضها مائة أوقية من ذهب، وفي بعضها أربعة آلاف دينار، وفي بعضها ألفي دينار، وفي بعضها أربعمائة أوقية، وفي بعضها أربعة آلاف درهم.
وروي أن الرسول ﷺ قال له: "تسمى في السماء أمينًا، يسلطك الله على مالك بالحق" (١) .
لا عجب أن يكون من هذا حاله مضرب الأمثال في الإنفاق. فهو الذي روى حديث الرسول ﷺ: " قال الشيطان لعنه الله: لن يسلم مني صاحب المال من إحدى ثلاث: أغدو عليه بهن، وأروح بهن، أخذه المال من غير حله وإنفاقه في غير حقه، وأحببه إليه فيمنعه من حقه" (٢) .
وروى ابن سعد (٣) من حديث شيخه الواقدي أن عبد الرحمن أوصى أن يعطى من ماله في سبيل الله خمسين ألف دينار، وفي رواية ثانية له - كما سبق ذكرها - أنه ترك ألف بعير وثلاثة آلاف شاة بالبقيع ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، وكان يدخل قوت أهله من ذلك سنة (٤) . وفي رواية ثالثة أن نصيب زوجته تماضر بنت الأصبغ كان مائة ألف.
_________________
(١) الطبراني: المعجم الكبير (٥/٢٢١)، ضعف محققه حمدي السلفي إسناده، قلت: يُستأنس به في فضائل الأعمال لورود روايات أخرى عند الطبري في تفسيره (١٠/ ١٩٤-١٩٨) وعند غيره قواها عبد القادر السندي في الذهب المسبوك (١/٢١٣- ٢٢٣) .
(٢) أبو نعيم الأصبهاني: المعرفة (١/٣٩٧/رقم ٤٩٦)؛ الطبراني: الكبير (١/٩٧)، وحسن الهيثمي إسناده، كما في المجمع (١٠/٢٤٥) .
(٣) الطبقات (٣/١٣٦) .
(٤) وهذه الرواية عند ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٣٩٦) .
[ ٣٧ ]
وروى ابن سعد (١)، من غير طريق الواقدي، أنه عندما توفي كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مَجَلَتْ [أي كَلَّت] أيدي الرجال منه. وترك أربع نسوة، فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألف. وفي الرواية الثانية: أنه ترك ثلاث نسوة، فأصاب كل واحدة مما ترك ثمانون ألفًا ثمانون ألفًا.
كان هؤلاء التجار الذين ذكرناهم من أوائل السابقين إلى الإسلام في مكة، ويتضح من الأمثلة التي ذكرناها عن سيرهم أنهم كانوا من علية أغنياء الصحابة. ويعجب المرء أن يتابع بودلي أساتذته الذين يقلبون الحقائق، ويهمل الرجوع إلى مصادر الإسلام المشهورة المختلفة ويعتمد على دراسات المغرضين شيوخه المستشرقين. والروايات الضعيفة والقوية فيها تشير إلى أن ما ذكره بودلي يجافي الحقائق التاريخية والمنهجية العلمية في الدراسات التاريخية.
_________________
(١) الطبقات (٣/١٣٦ـ١٣٧) .
[ ٣٨ ]