قالوا: وَلَمّا تَحَيّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصِرَافَ الْعِيرِ مِنْ الشّامِ، نَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْعِيرِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ بِعَشْرِ لَيَالٍ، يَتَحَسّسَانِ [(٢)] خَبَرَ الْعِيرِ، حَتّى نَزَلَا عَلَى كَشَدٍ الْجُهَنِيّ بِالنّخْبَارِ مِنْ الْحَوْرَاءِ- وَالنّخْبَارُ مِنْ وَرَاءِ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى السّاحِلِ- فَأَجَارَهُمَا، وَأَنْزَلَهُمَا، وَلَمْ يَزَالَا مُقِيمَيْنِ عِنْدَهُ فِي خِبَاءٍ [(٣)] حَتّى مَرّتْ الْعِيرُ، فَرَفَعَ طَلْحَةُ وَسَعِيدٌ عَلَى نَشَزٍ مِنْ الْأَرْضِ، فَنَظَرَا إلَى الْقَوْمِ، وَإِلَى مَا تَحْمِلُ الْعِيرُ، وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ: يَا كَشَدُ،
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «ولم يشهدوا» . والتصحيح عن ب. [(٢)] فى الأصل: «يتجسسان»، وفى ت: «يتحسبان»، والمثبت من ث. قال السهيلي: التحسس بالحاء أن تتسمع الأخبار بنفسك، والتجسس بالجيم هو أن تفحص عنها بغيرك. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٦١) . [(٣)] فى ح: «فى خباء وبر» .
[ ١ / ١٩ ]
هَلْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمّدٍ؟ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللهِ، وَأَنّى عُيُونُ مُحَمّدٍ بِالنّخْبَارِ؟ فَلَمّا رَاحَتْ الْعِيرُ بَاتَا حَتّى أَصْبَحَا ثُمّ خَرَجَا، وَخَرَجَ مَعَهُمَا كَشَدٌ خَفِيرًا، حَتّى أَوْرَدَهُمَا ذَا الْمَرْوَةِ. وَسَاحَلَتْ الْعِيرُ فَأَسْرَعَتْ، وَسَارُوا اللّيْلَ وَالنّهَارَ فَرَقًا مِنْ الطّلَبِ. فَقَدِمَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ وَسَعِيدٌ الْمَدِينَةَ الْيَوْمَ الّذِي لَاقَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَدْرٍ، فَخَرَجَا يَعْتَرِضَانِ النّبِيّ ﷺ، فَلَقِيَاهُ بِتُرْبَانَ- وَتُرْبَانُ بَيْنَ مَلَلٍ وَالسّيَالَةِ [(١)] عَلَى الْمَحَجّةِ، وَكَانَتْ مَنْزِلَ ابْنِ أُذَيْنَةَ الشّاعِرِ. وَقَدِمَ كَشَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَأَخْبَرَ النّبِيّ ﷺ سَعِيدٌ وَطَلْحَةُ إجَارَتَهُ إيّاهُمَا، فَحَيّاهُ [(٢)] رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكْرَمَهُ وَقَالَ: أَلَا أَقْطَعُ لَك يَنْبُعَ؟ [(٣)] فَقَالَ: إنّي كَبِيرٌ وَقَدْ نَفِدَ عُمْرِي، وَلَكِنْ أَقْطِعْهَا لِابْنِ أَخِي. فَقَطَعَهَا لَهُ قَالُوا: وَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: وَهَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، لَعَلّ اللهَ يُغْنِمكُمُوهَا.
فَأَسْرَعَ مَنْ أَسْرَعَ، حَتّى إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيُسَاهِمُ أَبَاهُ فِي الْخُرُوجِ، فَكَانَ مِمّنْ سَاهَمَ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ وَأَبُوهُ فِي الْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأَبِيهِ: إنّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْجَنّةِ آثَرْتُك بِهِ، إنّي لَأَرْجُو الشّهَادَةَ فِي وَجْهِي هَذَا! فَقَالَ خَيْثَمَةُ: آثِرْنِي، وَقِرْ مَعَ نِسَائِك! فَأَبَى سَعْدٌ، فَقَالَ خَيْثَمَةُ: إنّهُ لَا بُدّ لِأَحَدِنَا مِنْ أَنْ يُقِيمَ. فَاسْتَهَمَا، فَخَرَجَ سهم سعد قتل بِبَدْرٍ.
وَأَبْطَأَ عَنْ النّبِيّ ﷺ بشر كثير من أصحابه، كرهوا
_________________
(١) [(١)] فى ح: «السبالة» . وقال ياقوت: السيالة أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. (معجم البلدان، ج ٥، ص ١٨٩) . [(٢)] فى ب، ت: «حباه» بالباء. [(٣)] ينبع عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٥٢٦) .
[ ١ / ٢٠ ]
خُرُوجَهُ، وَكَانَ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَاخْتِلَافٌ. وَكَانَ مَنْ تَخَلّفَ لَمْ يُلَمْ لِأَنّهُمْ مَا خَرَجُوا عَلَى قِتَالٍ، وَإِنّمَا خَرَجُوا لِلْعِيرِ. وَتَخَلّفَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ نِيّاتِ وَبَصَائِرَ، لَوْ ظَنّوا أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ مَا تَخَلّفُوا. وَكَانَ مِمّنْ تَخَلّفَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَرّك وَأَظْهَرَك عَلَى عَدُوّك! وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ، مَا تَخَلّفْت عَنْك رَغْبَةً بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِك، وَلَا ظَنَنْت أَنّك تُلَاقِي عَدُوّا، وَلَا ظَنَنْت إلّا أَنّهَا الْعِيرُ.
فَقَالَ له رسول الله ﷺ: صَدَقْت! وَكَانَتْ أَوّلَ غَزْوَةٍ أَعَزّ اللهُ فِيهَا الْإِسْلَامَ، وَأَذَلّ فِيهَا أَهْلَ الشّرْكِ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، ثُمّ نَزَلَ بِالْبُقْعِ وَهِيَ بُيُوتُ السّقْيَا- الْبُقْعُ نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ بِالْمَدِينَةِ، وَالسّقْيَا مُتّصِلٌ بِبُيُوتِ الْمَدِينَةِ- يَوْمَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ.
فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ، وَعَرَضَ الْمُقَاتِلَةَ، فَعَرَضَ عَبْدُ الله بن عمر، وأسامة ابن زَيْدٍ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَرَدّهُمْ وَلَمْ يُجِزْهُمْ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْت أَخِي عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَارَى، فَقُلْت: مَا لَك يَا أَخِي؟ قَالَ: إنّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدّنِي، وَأَنَا أُحِبّ الْخُرُوجَ، لَعَلّ اللهَ يَرْزُقُنِي الشّهَادَةَ. قَالَ: فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَصْغَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ!
فَبَكَى عُمَيْرٌ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: كُنْت أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ مِنْ صِغَرِهِ، فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتّ عَشْرَةَ سنة.
[ ١ / ٢١ ]
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدّثَنِي عَيّاشُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْأَشْجَعِيّ أَنّ النّبِيّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ بِئْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَاءِ بِئْرِهِمْ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، أَنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ أَوّلَ مَنْ شَرِبَ مِنْ بِئْرِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. حَدّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا بَعْدَ ذَلِكَ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلّى عِنْدَ بُيُوتِ السّقْيَا [(١)]، وَدَعَا يَوْمَئِذٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: اللهُمّ، إنّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك وَنَبِيّك، دَعَاك لِأَهْلِ مَكّةَ! وَإِنّي مُحَمّدٌ عَبْدُك وَنَبِيّك، أَدْعُوَك لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدّهِمْ وَثِمَارِهِمْ! اللهُمّ، حَبّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ الْوَبَاءِ بِخُمّ، اللهُمّ، إنّي قَدْ حَرّمْت مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرّمَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُك مَكّةَ! وَخُمّ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْجُحْفَةِ.
قَالُوا: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَبَسْبَسُ [(٢)] بْنُ عَمْرٍو مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا. قَالُوا: وَجَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ [(٣)] إلَى رسول الله ﷺ يومئذ، فقال: يا رسول الله،
_________________
(١) [(١)] فى ث: «بعد [أن] خرج إلى بدر» . [(٢)] فى ح: «بسيس» . قال السهيلي: وفى مصنف أبى داود بسيسة، وبعض رواة أبى داود يقول بسيسة بضم الباء وكذلك فى كتاب مسلم. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٦٤) . وقيل بسبسة كما ذكر ابن الأثير. (أسد الغابة، ج ١، ص ١٧٩) . [(٣)] فى ت: «حزام» .
[ ١ / ٢٢ ]
لَقَدْ سَرّنِي مَنْزِلُك هَذَا، وَعَرْضُك فِيهِ أَصْحَابَك، وَتَفَاءَلْت بِهِ، إنّ هَذَا مَنْزِلُنَا- بَنِي سَلَمَةَ- حَيْثُ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ حُسَيْكَةَ مَا كَانَ- حُسَيْكَةُ الذّبَابِ [(١)]، وَالذّبَابُ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، كَانَ بِحُسَيْكَةَ يَهُودَ، وَكَانَ لَهُمْ بِهَا مَنَازِلُ كثيرة- فعرضنا ها هنا أَصْحَابَنَا، فَأَجَزْنَا مَنْ كَانَ يُطِيقُ السّلَاحَ وَرَدَدْنَا مَنْ صَغُرَ عَنْ حَمْلِ السّلَاحِ، ثُمّ سِرْنَا إلَى يَهُودِ حُسَيْكَةَ، وَهُمْ أَعَزّ يَهُودَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ، فَقَتَلْنَاهُمْ كَيْفَ شِئْنَا، فَذَلّتْ لَنَا سَائِرُ يهود إلى اليوم، وأنا أرجوا يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَلْتَقِيَ نَحْنُ وَقُرَيْش، فَيُقِرّ اللهُ عَيْنَك مِنْهُمْ.
وَكَانَ خَلّادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يَقُولُ: لَمّا كَانَ مِنْ النّهَارِ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بِخُرْبَى [(٢)]، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ: مَا ظَنَنْت إلّا أَنّكُمْ قَدْ سِرْتُمْ! فَقَالَ: إنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ النّاسَ بِالْبُقْعِ [(٣)] .
قَالَ عَمْرٌو: نِعْمَ الْفَأْلُ، وَاَللهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ تَغْنَمُوا وَأَنْ تَظْفَرُوا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ! إنّ هَذَا مَنْزِلُنَا يَوْمَ سِرْنَا إلَى حُسَيْكَةَ. قَالَ: فَإِنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَيّرَ اسْمَهُ، وَسَمّاهُ السّقْيَا. قَالَ: فَكَانَتْ فِي نَفْسِي أَنْ أَشْتَرِيَهَا، حَتّى اشْتَرَاهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ بِبِكْرَيْنِ، وَيُقَالُ بِسَبْعِ أَوَاقٍ.
قَالَ: فَذُكِرَ لِلنّبِيّ ﷺ أَنّ سَعْدًا اشْتَرَاهَا، فَقَالَ: رَبِحَ الْبَيْعُ
! قَالُوا: وَرَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عشية الأحد من بيوت السّقيا، لاثنى عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وهم ثلاثمائة وَخَمْسَةٍ، وَثَمَانِيَةٌ تَخَلّفُوا فَضَرَبَ لَهُمْ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ. وكانت الإبل سبعين بعيرا،
_________________
(١) [(١)] هكذا فى الأصل وب. وفى ت: «الدباب» . وذكره البكري بالذال. (معجم ما استعجم، ص ٣٨٣) . [(٢)] ذكره ياقوت ولكنه لم يعين موضعه. وقال السمهودي: خربى كحبلى منزلة لبنى سلمة فيما بين مسجد القبلتين إلى المذاد. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٩٨) . [(٣)] فى ث: «بالبقيع» .
[ ١ / ٢٣ ]
وَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الْإِبِلَ، الِاثْنَيْنِ، وَالثّلَاثَةَ، وَالْأَرْبَعَةَ. فَكَانَ رسول الله ﷺ، وعلي بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇، وَمَرْثَدٌ- وَيُقَالُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَكَانَ مَرْثَدٍ- يَتَعَاقَبُونَ بَعِيرًا وَاحِدًا. وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ مَوْلَى النّبِيّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالطّفَيْلُ، وَالْحُصَيْنُ، ابْنَا الْحَارِثِ، وَمِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ نَاضِحٍ، ابْتَاعَهُ مِنْ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيّ. وَكَانَ مُعَاذٌ، وَعَوْفٌ، وَمُعَوّذٌ، بَنُو عَفْرَاءَ، وَمَوْلَاهُمْ أَبُو الْحَمْرَاءِ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ وَحَارِثَةُ بْنُ النّعْمَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ خِرَاشُ بْنُ الصّمّةَ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ [(١)] عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ عتبة بن غزوان، وطليب ابن عُمَيْرٍ عَلَى جَمَلٍ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، يُقَالُ له العبيس [(٢)] . وكان مصعب ابن عُمَيْرٍ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ رَبِيعٍ عَلَى جَمَلٍ لِمُصْعَبٍ، وَكَانَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى جَمَلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ عُثْمَانُ، وَقُدَامَةُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَظْعُونٍ، وَالسّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَلَى بَعِيرٍ يَتَعَاقَبُونَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ على بعير، وكان سعد ابن مُعَاذٍ، وَأَخُوهُ، وَابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَنَسٍ، عَلَى جَمَلٍ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ نَاضِحٍ، يُقَالُ لَهُ الذّيّالُ، وَكَانَ سَعْدُ بن زيد، وسلمة ابن سَلَامَةَ، وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَرَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ عَلَى نَاضِحٍ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدٍ، مَا تَزَوّدَ إلّا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
_________________
(١) [(١)] فى ت: «حزام» . [(٢)] هكذا فى الأصل بصيغة التصغير. وفى ب، ت: «العبس» .
[ ١ / ٢٤ ]
فَحَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْت مَعَ النّبِيّ ﷺ إلَى بَدْرٍ، وَكَانَ كُلّ ثَلَاثَةٍ يَتَعَاقَبُونَ بَعِيرًا، فَكُنْت أَنَا وَأَخِي خَلّادُ بْنُ رَافِعٍ عَلَى بَكْرٍ لَنَا، وَمَعَنَا عبيد بن زيد ابن عَامِرٍ، فَكُنّا نَتَعَاقَبُ. فَسِرْنَا حَتّى إذَا كُنّا بِالرّوْحَاءِ [(١)]، أَذَمّ [(٢)] بِنَا بَكْرُنَا، فَبَرَكَ عَلَيْنَا، وَأَعْيَا، فَقَالَ أَخِي: اللهُمّ، إنّ لَك عَلَيّ نَذْرًا، لَئِنْ رَدَدْتنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَأَنْحَرَنهُ. قَالَ: فَمَرّ بِنَا النّبِيّ ﷺ وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، بَرَكَ عَلَيْنَا بَكْرُنَا. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ، فَتَمَضْمَضَ وَتَوَضّأَ فِي إنَاءٍ، ثُمّ قَالَ: افْتَحَا فَاهُ! فَفَعَلْنَا، ثُمّ صَبّهُ فِي فِيهِ، ثُمّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمّ عَلَى عُنُقِهِ، ثُمّ عَلَى حَارِكِهِ [(٣)]، ثُمّ عَلَى سَنَامِهِ، ثُمّ عَلَى عَجُزِهِ، ثُمّ عَلَى ذَنَبِهِ، ثُمّ قَالَ: ارْكَبَا!
وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَحِقْنَاهُ أَسْفَلَ الْمُنْصَرَفِ [(٤)] وَإِنّ بَكْرَنَا لَيَنْفِرُ بِنَا، حَتّى إذَا كُنّا بِالْمُصَلّى [(٥)] رَاجِعِينَ مِنْ بَدْرٍ بَرَكَ عَلَيْنَا، فَنَحَرَهُ أَخِي، فَقَسّمَ لَحْمَهُ وَتَصَدّقَ بِهِ.
وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَمَلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي بَدْرٍ عَلَى عِشْرِينَ جَمَلًا.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سعد بن أبى وقاص،
_________________
(١) [(١)] قال البكري: الروحاء على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلا. (معجم ما استعجم، ص ٤٢٧) . [(٢)] فى الأصل: «إذ مر بنا»، والمثبت من ب وأذم: انقطع سيره (النهاية، ج ٢، ص ٥٠) . [(٣)] الحارك: أعلى الكاهل وعظم مشرف من جانبيه ومنبت أدنى العرف إلى الظهر الذي يأخذ به من يركبه. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٩٨) . [(٤)] المنصرف: موضع بين مكة وبدر، وبينهما أربعة برد. (معجم البلدان، ج ٨، ص ١٧٧) . [(٥)] المصلى: موضع الصلاة، وهو هنا موضع بعينه فى عقيق المدينة كما ذكر ياقوت. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٧٩) .
[ ١ / ٢٥ ]
قَالَ: خَرَجْنَا إلَى بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَنَا سَبْعُونَ بَعِيرًا، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ، الثّلَاثَةُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَالِاثْنَانِ، عَلَى بَعِيرٍ. وَكُنْت أَنَا مِنْ أَعْظَمِ أَصْحَابِ النّبِيّ ﵊ عَنْهُ غِنَاءً، أَرْجَلَهُمْ رُجْلَةً، وَأَرْمَاهُمْ بِسَهْمٍ، لَمْ أَرْكَبْ خُطْوَةً ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا.
وقال رسول الله ﷺ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا: اللهُمّ، إنّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، وَعُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، وَجِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ، وَعَالَةٌ فَأَغْنِهِمْ مِنْ فَضْلِك!
قَالَ: فَمَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ إلّا وَجَدَ ظَهْرًا، لِلرّجُلِ الْبَعِيرُ وَالْبَعِيرَانِ، وَاكْتَسَى مَنْ كَانَ عَارِيًا، وَأَصَابُوا طَعَامًا مِنْ أَزْوَادِهِمْ، وَأَصَابُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى فَأَغْنَى بِهِ كُلّ عَائِلٍ. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُشَاةِ قَيْسَ بن أبي صعصعة- واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد ابن عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ- وَأَمَرَهُ النّبِيّ ﷺ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا أَنْ يَعُدّ الْمُسْلِمِينَ. فَوَقَفَ لَهُمْ بِبِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ [(١)] فَعَدّهُمْ، ثُمّ أَخْبَرَ النّبِيّ ﵊. وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا حَتّى سَلَكَ بَطْنَ الْعَقِيقِ، ثُمّ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُكْتَمِنِ [(٢)] حَتّى خَرَجَ عَلَى بَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ﵁ إلَى حِجَارٍ، فَبَنَى تَحْتَهَا مَسْجِدًا، فَصَلّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَأَصْبَحَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهُوَ هُنَاكَ، وَأَصْبَحَ بِبَطْنِ مَلَلٍ وَتُرْبَانَ، بَيْنَ الْحَفِيرَةِ وَمَلَلٍ.
وَقَالَ سَعْدُ بن أبى وقّاص: لمّا كان بِتُرْبَانَ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا سَعْدُ، اُنْظُرْ إلَى الظّبْيِ. قال: فأفوّق له بسهم،
_________________
(١) [(١)] فى ج: «بئر أبى عبيدة» . وقال ابن سعد: بئر أبى عنبة على ميل من المدينة. (الطبقات، ج ٢، ص ٦) . [(٢)] هكذا فى كل النسخ، ولعله يريد هنا المكيمن، ويقال مكيمن الحماء، وهو الجبل المتصل بجماء تضارع ببطن العقيق. (وفاء الوفاء، ج ٢، ص ٣٧٦) .
[ ١ / ٢٦ ]
وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَضَعَ ذَقَنَهُ [(١)] بَيْنَ مَنْكِبَيّ وَأُذُنَيّ، ثُمّ قَالَ: ارْمِ، اللهُمّ سَدّدْ رَمْيَتَهُ!
قَالَ: فَمَا أَخْطَأَ سَهْمِي عَنْ نَحْرِهِ. قَالَ:
فَتَبَسّمَ النّبِيّ ﷺ. قَالَ: وَخَرَجْت أَعْدُو، فَأَجِدُهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَذَكّيْته فَحَمَلْنَاهُ حَتّى نَزَلْنَا قَرِيبًا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُسِمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ بِجَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ.
قَالُوا: وَكَانَ مَعَهُمْ فَرَسَانِ، فَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. وَيُقَالُ فَرَسٌ لِلزّبَيْرِ. وَلَمْ يَكُنْ إلّا فَرَسَانِ، وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدَنَا أَنّ الْمِقْدَادَ لَهُ فَرَسٌ.
حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَمّتِهِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ ضِبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَانَ مَعِي فَرَسٌ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَالُ لَهُ سَبْحَةُ. وَحَدّثَنِي سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الْغَنَوِيّ، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: شَهِدَ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ يَوْمَئِذٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، يُقَالُ لَهُ السّيْلُ.
قَالُوا: وَلَحِقَتْ قُرَيْشٌ بِالشّامِ فِي عِيرِهَا، وَكَانَتْ الْعِيرُ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَكَانَتْ فِيهَا أَمْوَالٌ عِظَامٌ، وَلَمْ يَبْقَ بِمَكّةَ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٌ لَهُ مِثْقَالٌ فَصَاعِدًا، إلّا بَعَثَ بِهِ فِي الْعِيرِ، حَتّى إنّ الْمَرْأَةَ لَتَبْعَثُ بِالشّيْءِ التّافِهِ. فَكَانَ يُقَالُ: إنّ فِيهَا لَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالُوا أَقَلّ، وَإِنْ كَانَ لَيُقَالُ إنّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِآلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ- أَبِي أُحَيْحَةَ- إمّا مَالٌ لَهُمْ، أَوْ مَالٌ مَعَ قَوْمٍ قِرَاضٌ عَلَى النّصْفِ، فَكَانَتْ عَامّةُ الْعِيرِ لَهُمْ. وَيُقَالُ كَانَ لِبَنِي مَخْزُومٍ فِيهَا مِائَتَا بَعِيرٍ، و[خَمْسَةٌ أَوْ] [(٢)] أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ، وَكَانَ يُقَالُ لِلْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ فِيهَا أَلْفُ مِثْقَالٍ، وَكَانَ لِأُمَيّةَ بن خلف ألفا مثقال.
_________________
(١) [(١)] فى ح: «رأسه» . [(٢)] سقط فى ت.
[ ١ / ٢٧ ]
فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحُوَيْرِثِ قال: كان لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فِيهَا عَشْرَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَكَانَ مَتْجَرُهُمْ إلَى غَزّةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، وَكَانَتْ عِيرَاتُ بُطُونِ قُرَيْشٍ فِيهَا- يَعْنِي الْعِيرَ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي عون مولى المسور، عن مخرمة ابن نَوْفَلٍ، قَالَ: لَمّا لَحِقْنَا بِالشّامِ أَدْرَكَنَا رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، فَأَخْبَرَنَا أَنّ مُحَمّدًا كَانَ عَرَضَ لِعِيرِنَا فِي بَدْأَتِنَا، وَأَنّهُ تَرَكَهُ مُقِيمًا يَنْتَظِرُ رَجْعَتَنَا، قَدْ حَالَفَ عَلَيْنَا أَهْلَ الطّرِيقِ وَوَادَعَهُمْ. قَالَ مَخْرَمَةُ: فَخَرَجْنَا خَائِفِينَ نَخَافُ الرّصَدَ، فَبَعَثْنَا ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو حِينَ فَصَلْنَا مِنْ الشّامِ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ يَقُولُ: لَمّا كُنّا بِالزّرْقَاءِ- وَالزّرْقَاءُ بِالشّامِ بِنَاحِيَةِ مَعَانَ مِنْ أَذْرِعَاتٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ- وَنَحْنُ مُنْحَدِرُونَ إلَى مَكّةَ، لقينا رجلا مِنْ جُذَامٍ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ فِي بَدْأَتِكُمْ فِي أَصْحَابِهِ. فَقُلْنَا:
مَا شَعَرْنَا! قَالَ: بَلَى، فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمّ رَجَعَ إلَى يَثْرِبَ، وَأَنْتُمْ يَوْمَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ مُخْفُونَ، فَهُوَ الْآنَ أَحْرَى أَنْ يَعْرِضَ لَكُمْ، إنّمَا يَعُدّ لَكُمْ الْأَيّامَ عَدّا، فَاحْذَرُوا عَلَى عيركم وارتأوا آراءكم، فو الله مَا أَرَى مِنْ عَدَدٍ، وَلَا كُرَاعَ، وَلَا حَلْقَةٍ. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، فَبَعَثُوا ضَمْضَمًا، وَكَانَ فِي الْعِيرِ، وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ مَرّتْ بِهِ وَهُوَ بِالسّاحِلِ مَعَ بُكْرَانِ لَهُ، فَاسْتَأْجَرُوهُ بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا. وَأَمَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يُخْبِرَ قُرَيْشًا أَنّ مُحَمّدًا قَدْ عَرَضَ لِعِيرِهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْدَعَ [(١)] بَعِيرَهُ إذَا دَخَلَ، وَيُحَوّلَ رَحْلَهُ، وَيَشُقّ قَمِيصَهُ مِنْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ وَيَصِيحَ: الْغَوْثَ! الْغَوْثَ! وَيُقَالُ إنّمَا بَعَثُوهُ مِنْ تَبُوكَ [(٢)] . وَكَانَ فِي الْعِيرِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ العاص، ومخرمة بن نوفل.
_________________
(١) [(١)] جدع بعيره: قطع أنفه. (شرح أبى ذر، ص ١٥٣) . [(٢)] تبوك: موضع بين الخجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر. (معجم البلدان، ج ٣، ص ٣٦٥) .
[ ١ / ٢٨ ]
قَالُوا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَبْلَ [(١)] ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو رُؤْيَا رَأَتْهَا فَأَفْزَعَتْهَا، وَعَظُمَتْ فِي صَدْرِهَا. فَأَرْسَلَتْ إلَى أَخِيهَا الْعَبّاسِ فَقَالَتْ:
يَا أَخِي، قَدْ رَأَيْت وَاَللهِ رُؤْيَا اللّيْلَةَ أَفْظَعْتهَا، وَتَخَوّفْت أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِك مِنْهَا شَرّ وَمُصِيبَةٌ، فَاكْتُمْ عَلَيّ أُحَدّثْك مِنْهَا. قَالَتْ: رَأَيْت رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ حَتّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ غُدَرَ [(٢)]، انْفِرُوا إلَى مَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ! فَصَرَخَ بِهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ، فَأَرَى النّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنّاسُ يَتْبَعُونَهُ إذْ مَثَلَ بِهِ [(٣)] بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا، ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، ثُمّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا. ثُمّ أَخَذَ صَخْرَةً مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ فَأَرْسَلَهَا، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي حَتّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضّتْ، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكّةَ، وَلَا دَارٌ مِنْ دُورِ مَكّةَ، إلّا دَخَلَتْهُ مِنْهَا فِلْذَةٌ. فَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ فَيَقُولُ:
لَقَدْ رَأَيْت كُلّ هَذَا، وَلَقَدْ رَأَيْت فِي دَارِنَا فِلْقَةً مِنْ الصّخْرَةِ الّتِي انْفَلَقَتْ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ، فَلَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عِبْرَةً، وَلَكِنّ اللهَ لَمْ يُرِدْ أَنْ نُسْلِمَ يَوْمَئِذٍ لَكِنّهُ أَخّرَ إسْلَامَنَا إلَى مَا أَرَادَ.
قَالُوا: وَلَمْ يَدْخُلْ دَارًا وَلَا بَيْتًا مِنْ دُورِ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا بَنِي زُهْرَةَ مِنْ تِلْكَ الصّخْرَةِ شَيْءٌ. قَالُوا: فَقَالَ أَخُوهَا: إنّ هَذِهِ لَرُؤْيَا! فَخَرَجَ مُغْتَمّا حَتّى لَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ، فَفَشَا الْحَدِيثُ فِي النّاسِ. قَالَ [(٤)]: فَغَدَوْت أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ فِي رَهْطٍ
_________________
(١) [(١)] أى قبل مجيء ضمضم. [(٢)] قال السهيلي: أما أبو عبيد الله، فقال فى المصنف: تقول يا غدر، أى يا غادر، فإذا جمعت قلت يا آل غدر. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٦١) . [(٣)] مثل به: قام به. (شرح أبى ذر، ص ١٥٣) . [(٤)] أى قال العباس.
[ ١ / ٢٩ ]
مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدّثُونَ قُعُودًا بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا رَأَتْ عَاتِكَةُ هَذِهِ! فَقُلْت: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبّأَ رِجَالُكُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ نِسَاؤُكُمْ؟ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ أَنّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ كَذَا وَكَذَا- الّذِي رَأَتْ- فَسَنَتَرَبّصُ بِكُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ يَكُ مَا قَالَتْ حَقّا فَسَيَكُونُ، وَإِنْ مَضَتْ الثّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ نَكْتُبْ [(١)] عَلَيْكُمْ أَنّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ.
فَقَالَ: يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ، أَنْتَ أَوْلَى بِالْكَذِبِ وَاللّؤْمِ مِنّا! قَالَ أَبُو جَهْلٍ:
إنّا اسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ وَأَنْتُمْ فَقُلْتُمْ: فِينَا السّقَايَةُ! فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَسْقُونَ الْحَاجّ! ثُمّ قُلْتُمْ: فِينَا الْحِجَابَةُ! فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَحْجُبُونَ الْبَيْتَ! ثُمّ قُلْتُمْ: فِينَا النّدْوَةُ! فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَلُونَ الطّعَامَ وَتُطْعِمُونَ النّاسَ، ثُمّ قُلْتُمْ:
فِينَا الرّفَادَةُ! فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَجْمَعُونَ عِنْدَكُمْ مَا تَرْفِدُونَ بِهِ الضّعِيفَ! فَلَمّا أَطْعَمْنَا النّاسَ وَأَطْعَمْتُمْ، وَازْدَحَمَتْ الرّكْبُ، وَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ، فَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قُلْتُمْ: مِنّا نَبِيّ! ثُمّ قلتم: منا نبيّة! فلا واللّات والعزى، لا كان هذا أبدا! قال: فو الله، مَا كَانَ مِنّي مِنْ غِيَرٍ إلّا [(٢)] أَنّي جَحَدْت ذَلِكَ، وَأَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ عَاتِكَةُ رَأَتْ شَيْئًا. فَلَمّا أَمْسَيْت لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ أَصَابَتْهَا وِلَادَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلّا جَاءَتْ، فَقُلْنَ: رَضِيتُمْ بِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ يَقَعُ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمّ قَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، وَلَمْ يَكُنْ لَك عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرَةٌ؟ قَالَ: وَاَللهِ مَا فَعَلْت إلّا مَا لَا بَالَ [(٣)] بِهِ. وَاَللهِ لَأَعْتَرِضَن لَهُ غَدًا، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيكُمُوهُ. فَلَمّا أَصْبَحُوا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الّذِي رَأَتْ فِيهِ عَاتِكَةُ مَا رَأَتْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا يَوْمٌ! ثُمّ الْغَدُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَانِ يَوْمَانِ! فَلَمّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيّامٍ، مَا بَقِيَ!
_________________
(١) [(١)] فى ت: «يكتب عليكم»، بالبناء للمجهول. [(٢)] فى ب، ت: «ما كان منى غير إلا أنى»، وفى ح: «ما كان منى غير أنى» . [(٣)] فى ح: «إلا لأنى لا أبالى به» .
[ ١ / ٣٠ ]
قَالَ: وَغَدَوْت فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ، أَرَى أَنْ قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبّ أَنْ أُدْرِكَهُ، وَأَذْكُرَ مَا أَحْفَظَتْنِي النّسَاءُ به من مقالتهنّ لى ما قلن، فو الله إنّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ- وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللّسَانِ، حَدِيدَ النّظَرِ- إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ يَشْتَدّ، فَقُلْت: مَا بَالُهُ، لَعَنَهُ اللهُ؟ أَكُلّ هَذَا فَرْقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ؟ فَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ ضمضم ابن عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، يَا آلَ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ، اللّطِيمَةَ، قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ! الْغَوْثَ، الْغَوْثَ! وَاَللهِ، مَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا! وَضَمْضَمُ يُنَادِي بِذَلِكَ بِبَطْنِ الْوَادِي، قَدْ جَدَعَ أُذُنَيْ بَعِيرِهِ، وَشَقّ قَمِيصَهُ قُبُلًا وَدُبُرًا، وَحَوّلَ رَحْلَهُ. وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتنِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكّةَ وَإِنّي لَأَرَى فِي النّوْمِ، وَأَنَا عَلَى رَاحِلَتِي، كَأَنّ وَادِيَ مَكّةَ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ دَمًا، فَاسْتَيْقَظْت فَزِعًا مَذْعُورًا، وَكَرِهْتهَا لِقُرَيْشٍ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّهَا مُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَكَانَ يُقَالُ: إنّ الّذِي نَادَى يَوْمَئِذٍ إبْلِيسُ، تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ، فَسَبَقَ ضَمْضَمًا فَأَنْفَرَهُمْ إلَى عِيرِهِمْ، ثُمّ جَاءَ ضَمْضَمٌ بَعْدَهُ. فَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْت أَعْجَبَ مِنْ أَمْرِ ضَمْضَمٍ قَطّ، وَمَا صَرَخَ عَلَى لِسَانِهِ إلّا شَيْطَانٌ، إنّهُ لَمْ يُمَلّكْنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا حَتّى نَفَرْنَا عَلَى الصّعْبِ وَالذّلُولِ. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقُولُ: مَا كَانَ الّذِي جَاءَنَا فَاسْتَنْفَرَنَا إلَى الْعِيرِ إنْسَانٌ، إنْ هُوَ إلّا شَيْطَانٌ! فَقِيلَ: كَيْفَ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ فَقَالَ: إنّي لَأَعْجَبُ مِنْهُ، مَا مَلّكَنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا! قَالُوا: وَتَجَهّزَ النّاسُ، وَشُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَكَانَ النّاسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، إمّا خَارِجٍ، وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا. فَأَشْفَقَتْ قُرَيْشٌ لِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَسُرّتْ بَنُو هَاشِمٍ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: كَلَا، زَعَمْتُمْ أَنّا كَذَبْنَا وَكَذَبَتْ عَاتِكَةُ! فَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ ثَلَاثَةً تَتَجَهّزُ، وَيُقَالُ يَوْمَيْنِ، وأخرجت قريش أسلحتها
[ ١ / ٣١ ]
وَاشْتَرَوْا سِلَاحًا، وَأَعَانَ قَوِيّهُمْ ضَعِيفَهُمْ. وَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمّدٌ وَالصّبَاةُ مَعَهُ مِنْ شُبّانِكُمْ، وَأَهْلُ يَثْرِبَ، قَدْ عَرَضُوا لِعِيرِكُمْ وَلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ- وَاللّطِيمَةُ: التّجَارَةُ. قَالَ أَبُو الزّنَادِ:
اللّطِيمَةُ جَمِيعُ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ لِلتّجَارَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: اللّطِيمَةُ الْعِطْرُ خَاصّةً- فَمَنْ أَرَادَ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرٌ، وَمَنْ أَرَادَ قُوّةً فَهَذِهِ قُوّةٌ. وقام زمعة بن الأسود فقال: إنه واللّات وَالْعُزّى، مَا نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إنْ طَمِعَ مُحَمّدٌ وَأَهْلُ يَثْرِبَ أَنْ يَعْتَرِضُوا لِعِيرِكُمْ فِيهَا حَرَائِبُكُمْ [(١)] فَأَوْعِبُوا [(٢)]، وَلَا يَتَخَلّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ لَا قُوّةَ لَهُ فَهَذِهِ قُوّةٌ! وَاَللهِ، لَئِنْ أَصَابَهَا مُحَمّدٌ لَا يَرُوعُكُمْ بِهِمْ إلّا وَقَدْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ. وَقَالَ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّهُ وَاَللهِ مَا نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ أَجَلّ مِنْ هَذَا، أَنْ تُسْتَبَاحَ عِيرُكُمْ وَلَطِيمَةُ قُرَيْشٍ، فِيهَا أَمْوَالُكُمْ وَحَرَائِبُكُمْ [(٣)] . وَاَللهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَهُ نَشّ [(٤)] فَصَاعِدًا إلّا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْعِيرِ، فَمَنْ كَانَ لَا قُوّةَ بِهِ فَعِنْدَنَا قُوّةٌ، نَحْمِلُهُ وَنُقَوّيهِ. فَحَمَلَ عَلَى عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَقَوّاهُمْ وَخَلَفَهُمْ فِي أَهْلِهِمْ بِمَعُونَةٍ. وَقَامَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَحَرّضَا [(٥)] النّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَمْ يَدْعُوَا إلَى قُوّةٍ وَلَا حُمْلَانٍ. فَقِيلَ لَهُمَا:
أَلَا تَدْعُوَانِ إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ قَوْمُكُمَا مِنْ الْحُمْلَانِ؟ فَقَالَا: وَاَللهِ مَا لَنَا مَالٌ وَمَا الْمَالُ إلّا لِأَبِي سُفْيَانَ. وَمَشَى نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ [(٦)] إلَى أهل القوّة
_________________
(١) [(١)] فى ح: «خزائنكم» . والحرائب: جمع الحريبة، وحريبة الرجل ماله الذي يعيش به. (الصحاح، ص ١٠٨) . [(٢)] أوعب القوم إذا خرجوا كلهم إلى الغزو. (لسان العرب، ج ١، ص ٨٠٠) . [(٣)] فى ح: «خزائنكم» . [(٤)] النش: عشرون درهما، وهو نصف أوقية لأنهم يسمون الأربعين درهما أوقية. (الصحاح، ص ١٠٢١) . [(٥)] فى ت، ح: «فحضا» . [(٦)] فى ح: «الديلمي» .
[ ١ / ٣٢ ]
مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَلّمَهُمْ فِي بَذْلِ النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ لمن خرج، فكلّم عبد الله ابن أبى ربيعة فقال: هذ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَضَعْهَا حَيْثُ رَأَيْت. وَكَلّمَ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ أو ثلاثمائة، ثم قوّى بها السّلَاحَ وَالظّهْرَ.
قَالُوا: وَكَانَ لَا يَتَخَلّفُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا بَعَثَ مَكَانَهُ بَعِيثًا، فَمَشَتْ قُرَيْشٌ إلَى أَبِي لَهَبٍ فَقَالُوا: إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَإِنّك إنْ تَخَلّفْت عَنْ النّفِيرِ يَعْتَبِرُ بِك غَيْرُك مِنْ قَوْمِك، فَاخْرُجْ أو ابعث أحدا. فقال: واللّات وَالْعُزّى لَا أَخْرُجُ وَلَا أَبْعَثُ أَحَدًا! فَجَاءَهُ أبو جهل فقال: قم أبا عتبة، فو الله مَا خَرَجْنَا إلّا غَضَبًا لِدِينِك وَدِينِ آبَائِك! وَخَافَ أَبُو جَهْلٍ أَنْ يُسْلِمَ أَبُو لَهَبٍ، فَسَكَتَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَبْعَثْ، وَمَا مَنَعَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يَخْرُجَ إلّا إشْفَاقٌ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَإِنّهُ كَانَ يَقُولُ: إنّمَا رُؤْيَا عَاتِكَةَ أَخْذٌ بِالْيَدِ. وَيُقَالُ إنّهُ بَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَالَ: اُخْرُجْ وَدَيْنِي لَك! فَخَرَجَ عَنْهُ.
قَالُوا: وَأَخْرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ دُرُوعًا لَهُمَا، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَدّاسٌ [(١)] وَهُمَا يُصْلِحَانِ دُرُوعَهُمَا وَآلَةَ حَرْبِهِمَا، فَقَالَ: مَا تُرِيدَانِ؟ قَالَا: أَلَمْ تَرَ إلَى الرّجُلِ الّذِي أَرْسَلْنَاك إلَيْهِ بِالْعِنَبِ فِي كَرْمِنَا بِالطّائِفِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَا: نخرج فنقاتله. فبكى وقال: لا تخرجا، فو الله إنّهُ لَنَبِيّ! فَأَبَيَا فَخَرَجَا، وَخَرَجَ مَعَهُمَا فَقُتِلَ بِبَدْرٍ مَعَهُمَا.
قَالُوا: وَاسْتَقْسَمَتْ قُرَيْشٌ بِالْأَزْلَامِ عِنْدَ هُبَلَ لِلْخُرُوجِ، فَاسْتَقْسَمَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ عِنْدَ هُبَلَ بِالْآمِرِ وَالنّاهِي، فَخَرَجَ الْقَدَحُ النّاهِي لِلْخُرُوجِ، فَأَجْمَعُوا الْمُقَامَ حَتّى أَزْعَجَهُمْ أَبُو جهل فقال: ما استقسمت
_________________
(١) [(١)] عداس هو غلام لهما، كما ذكر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٣، ص ٦٢) .
[ ١ / ٣٣ ]
وَلَا نَتَخَلّفُ عَنْ عِيرِنَا! وَلَمّا تَوَجّهَ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ خَارِجًا، وَكَانَ بِذِي طُوًى [(١)]، أَخْرَجَ قِدَاحَهُ فَاسْتَقْسَمَ بِهَا، فَخَرَجَ النّاهِي لِلْخُرُوجِ، فَلَقِيَ غَيْظًا، ثُمّ أَعَادَهَا الثّانِيَةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَكَسَرَهَا، وَقَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قِدَاحًا أَكْذَبَ مِنْ هَذِهِ! وَمَرّ بِهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاك غَضْبَانَ يَا أَبَا حُكَيْمَةَ؟ فَأَخْبَرَهُ زَمَعَةُ فَقَالَ: امْضِ عَنْك أَيّهَا الرّجُلُ، وَمَا أَكْذَبَ مِنْ هَذِهِ الْقِدَاحِ! قَدْ أَخْبَرَنِي عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مِثْلَ الّذِي أَخْبَرْتنِي أَنّهُ لَقِيَهُ. ثُمّ مَضَيَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِضَمْضَمٍ: إذَا قَدِمْت [(٢)] عَلَى قُرَيْشٍ فَقُلْ لَهَا لَا تَسْتَقْسِمُوا [(٣)] بِالْأَزْلَامِ.
حَدّثَنِي محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: سَمِعْت حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَقُولُ: مَا وَجّهْت وَجْهًا قَطّ كَانَ أَكْرَهَ لِي مِنْ مَسِيرِي إلَى بَدْرٍ، وَلَا بَانَ لِي فِي وَجْهٍ قَطّ. مَا بَانَ لِي قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ.
ثُمّ يَقُولُ: قَدِمَ ضَمْضَمٌ فَصَاحَ بِالنّفِيرِ، فَاسْتَقْسَمْت بِالْأَزْلَامِ، كُلّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الّذِي أَكْرَهُ، ثُمّ خَرَجْت عَلَى ذَلِكَ حَتّى نَزَلْنَا مَرّ الظّهْرَانِ [(٤)] .
فَنَحَرَ ابْنُ الْحَنْظَلِيّةِ [(٥)] جُزُرًا، فَكَانَتْ جَزُورٌ مِنْهَا بِهَا حَيَاةٌ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهَا، فَكَانَ هَذَا بَيّنًا. ثُمّ هَمَمْت بِالرّجُوعِ، ثُمّ أَذْكُرُ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ وَشُؤْمَهُ، فَيَرُدّنِي حَتّى مَضَيْت لِوَجْهِي.
_________________
(١) [(١)] ذو طوى: واد بمكة. (معجم ما استعجم، ص ٤٥٧) . [(٢)] فى ت: «أتيت» . [(٣)] فى ب، ت، ح: «لا تستقسم» . [(٤)] مر الظهران على مرحلة من مكة. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٢١) . [(٥)] ابن الحنظلية: كنية أبى جهل.
[ ١ / ٣٤ ]
فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتنَا حِينَ بَلَغْنَا الثّنِيّةَ الْبَيْضَاءَ- وَالثّنِيّةُ الْبَيْضَاءُ الّتِي تُهْبِطُكَ عَلَى فَخّ وَأَنْتَ مُقْبِلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ- إذَا عَدّاسٌ جَالِسٌ عَلَيْهَا وَالنّاسُ يَمُرّونَ، إذْ مَرّ عَلَيْهِ ابْنَا رَبِيعَةَ، فَوَثَبَ إلَيْهِمَا فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهِمَا فِي غَرْزِهِمَا، وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمّي أَنْتُمَا، وَاَللهِ إنّهُ رَسُولُ اللهِ، وَمَا تُسَاقَانِ إلّا إلَى مَصَارِعِكُمَا! وَإِنّ عَيْنَيْهِ لَتَسِيلُ دُمُوعُهُمَا عَلَى خَدّيْهِ، فَأَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ أَيْضًا، ثُمّ مَضَيْت، وَمَرّ بِهِ الْعَاصُ [(١)] بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ حِينَ وَلّى عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيك؟ فَقَالَ: يُبْكِينِي سَيّدَايَ وَسَيّدَا أَهْلِ الْوَادِي، يَخْرُجَانِ إلَى مَصَارِعِهِمَا، وَيُقَاتِلَانِ رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ الْعَاصُ:
وَإِنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: فَانْتَفَضَ عَدّاسٌ انْتِفَاضَةً، وَاقْشَعَرّ جِلْدُهُ، ثُمّ بَكَى وَقَالَ: إي وَاَللهِ، إنّهُ لَرَسُولُ اللهِ إلَى النّاسِ كَافّةً. قَالَ: فَأَسْلَمَ الْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، ثُمّ مَضَى وَهُوَ عَلَى الشّكّ حَتّى قُتِلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَكّ وَارْتِيَابٍ. وَيُقَالُ رَجَعَ عَدّاسٌ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَيُقَالُ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ- وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا.
قَالُوا: وَخَرَجَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا [(٢)] قَبْلَ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَتَنْزِلُ [(٣)] هَذَا، وَقَدْ آوَى مُحَمّدًا وَآذَنّا بِالْحَرْبِ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قُلْ مَا شِئْت، أَمَا إنّ طَرِيقَ عِيرِكُمْ عَلَيْنَا.
قَالَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ: مَهْ، لَا تَقُلْ هَذَا لِأَبِي الْحَكَمِ، فَإِنّهُ سَيّدُ أَهْلِ الْوَادِي! قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أُمَيّةُ، أَمَا وَاَللهِ
لَسَمِعْت مُحَمّدًا يَقُولُ «لَأَقْتُلَن أُمَيّةَ بْنَ خَلَف» .
قَالَ أُمَيّةُ: أَنْتَ سَمِعْته؟ قال، قلت: نعم.
_________________
(١) [(١)] فى الأصل. «عاصم بن منبه» . وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهكذا ذكره ابن إسحاق أيضا. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٩٥) . [(٢)] فى ت: «وخرج سعد بن معاذ إلى مكة قبل بدر» . [(٣)] فى ت، ح: «أتترك هذا» .
[ ١ / ٣٥ ]
قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ، فَلَمّا جَاءَ النّفِيرُ أَبَى أُمَيّةُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إلَى بَدْرٍ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. وَأَبُو جَهْلٍ، وَمَعَ عُقْبَةَ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ، وَمَعَ أَبِي جَهْلٍ مُكْحُلَةٌ وَمِرْوَدٌ، فَأَدْخَلَهَا عُقْبَةُ تَحْتَهُ وَقَالَ: تَبَخّرْ، فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ! وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: اكْتَحِلْ، فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ! قَالَ أُمَيّةُ: ابْتَاعُوا لِي أَفْضَلَ بَعِيرٍ فِي الْوَادِي. فَابْتَاعُوا لَهُ جَمَلًا بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ، فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَصَارَ فِي سَهْمِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ [(١)] .
قَالُوا: وَمَا كَانَ أَحَدٌ مِمّنْ خَرَجَ إلَى الْعِيرِ أَكْرَهَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الحارث ابن عَامِرٍ، وَقَالَ: لَيْتَ قُرَيْشًا تَعْزِمُ عَلَى الْقُعُودِ، وَأَنّ مَالِي فِي الْعِيرِ تَلِفَ، وَمَالَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَيْضًا. فَيُقَالُ: إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِهَا، أَفَلَا تَزَعَهَا [(٢)] عَنْ الْخُرُوجِ؟ قَالَ: إنّي أَرَى قُرَيْشًا قَدْ أَزْمَعَتْ عَلَى الْخُرُوجِ، وَلَا أَرَى أَحَدًا بِهِ طِرْقٌ [(٣)] تَخَلّفَ إلّا مِنْ عِلّةٍ، وَأَنَا أَكْرَهُ خِلَافَهَا، وَمَا أُحِبّ أَنْ تَعْلَمَ قُرَيْشٌ مَا أَقُولُ الْآنَ، مَعَ أَنّ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ رَجُلٌ مَشْئُومٌ عَلَى قَوْمِهِ، مَا أَعْلَمُهُ إلّا يُحْرِزُ [(٤)] قَوْمَهُ أَهْلَ يَثْرِبَ. وَلَقَدْ قَسَمَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بَيْنَ وَلَدِهِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَكّةَ. وَجَاءَهُ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَتْ لِلْحَارِثِ عِنْدَهُ أَيَادٍ، فَقَالَ: أَبَا عَامِرٍ، رَأَيْت رُؤْيَا كَرِهْتهَا، وَإِنّي كَالْيَقْظَانِ [(٥)] عَلَى رَاحِلَتِي، وَأَرَى كَأَنّ وَادِيَكُمْ يَسِيلُ دَمًا مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى أَعْلَاهُ. قَالَ الْحَارِثُ:
مَا خَرَجَ أَحَدٌ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ أَكْرَهَ لَهُ مِنْ وَجْهِي هَذَا. قَالَ: يَقُولُ ضَمْضَمٌ لَهُ: وَاَللهِ، إنّي لَأَرَى أَنْ تَجْلِسَ. فقال الحارث: لو سمعت هذا منك
_________________
(١) [(١)] كذا فى كل النسخ، وفى ابن إسحاق: «خبيب بن إساف» . (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٣٤٩) . وهو ما أثبته ابن عبد البر أيضا. (الاستيعاب، ص ١٦٤) . [(٢)] فى ح: «أفلا تردعها» . [(٣)] به طرق: أى به قوة. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٥٧) . [(٤)] فى ب: «إلا يحذر» . [(٥)] فى ب: «وإنى أراك كاليقظان» .
[ ١ / ٣٦ ]
قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مَا سِرْت خُطْوَةً! فَاطْوِ هَذَا الْخَبَرَ أَنْ تَعْلَمَهُ قُرَيْشٌ، فَإِنّهَا تَتّهِمُ كُلّ مَنْ عَوّقَهَا عَنْ الْمَسِيرِ. وَكَانَ ضَمْضَمٌ قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْحَارِثِ بِبَطْنِ يَأْجَجَ [(١)] .
قَالُوا: وَكَرِهَتْ قُرَيْشٌ- أَهْلُ الرّأْيِ مِنْهُمْ- الْمَسِيرَ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مِنْ أَبْطَئِهِمْ [(٢)] عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حزام، وأبو البخترىّ، وعلىّ بن أميّة ابن خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، حَتّى بَكّتَهُمْ [(٣)] أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ- وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ- فِي الْخُرُوجِ، فَقَالُوا:
هَذَا فِعْلُ النّسَاءِ! فَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَا تَدَعُوا أَحَدًا مِنْ عَدُوّكُمْ خَلْفَكُمْ.
قَالُوا: وَمِمّا اُسْتُدِلّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِلْخُرُوجِ، وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ، أَنّهُ مَا عَرَضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حُمْلَانًا، وَلَا حَمَلُوا أَحَدًا مِنْ النّاسِ. وَإِنْ كَانَ الرّجُلُ لَيَأْتِيهِمْ حَلِيفًا أَوْ عَدِيدًا وَلَا قُوّةَ لَهُ، فَيَطْلُبُ الْحُمْلَانَ مِنْهُمْ، فَيَقُولُونَ: إنْ كَانَ لَك مَالٌ فَأَحْبَبْت أَنْ تَخْرُجَ فَافْعَلْ، وَإِلّا فَأَقِمْ! حَتّى كَانَتْ قُرَيْشٌ تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَلَمّا أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ، ذَكَرُوا الّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ، وَخَافُوهُمْ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ، وَكَانَ أَشَدّهُمْ خَوْفًا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَكَانَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِاَلّذِي تريدون، فإنا
_________________
(١) [(١)] هو مكان على ثمانية أميال من مكة، كما ذكر ياقوت. (معجم البلدان، ج ٨، ص ٤٩٠) . [(٢)] فى الأصل، ت، ث، خ: «أبطأ بهم» . وأما أثبتناه قراءة نسخة ب. [(٣)] فى ت: «حتى نكتهم» .
[ ١ / ٣٧ ]
لَا نَأْمَنُ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ، إنّمَا تَخَلّفَ نِسَاءٌ وَذُرّيّةٌ، وَمَنْ لَا طَعْمَ [(١)] بِهِ فَارْتَأَوْا آرَاءَكُمْ [(٢)] ! فَتَصَوّرَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. قَدْ عَرَفْتُمْ شَرَفِي وَمَكَانِي فِي قَوْمِي، أَنَا لَكُمْ جَارٍ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَطَابَتْ نَفْسُ عُتْبَةَ، وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:
فَمَا تُرِيدُ؟ هَذَا سَيّدُ كِنَانَةَ وَهُوَ لَنَا جَارٍ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ. فَقَالَ عُتْبَةُ:
لَا شَيْءَ، أَنَا خَارِجٌ! وَكَانَ الّذِي بَيْنَ بَنِي كِنَانَة وقريش فِيمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ فِرَاسٍ اللّيْثِيّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ زَيْدٍ اللّيْثِيّ، أَنّ ابْنًا لِحَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ أحد بنى معيص بن عامر بن لوى خَرَجَ يَبْغِي ضَالّةً لَهُ، وَهُوَ غُلَامٌ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ، وَعَلَيْهِ حُلّةٌ، وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا، فمر بعامر بن يزيد ابن عَامِرِ بْنِ الْمُلَوّحِ بْنِ يَعْمُرَ، وَكَانَ بِضَجْنَانَ [(٣)]، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: ابْنٌ لِحَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ. فَقَالَ: يَا بَنِي بَكْرٍ، لَكُمْ فِي قُرَيْشٍ دَمٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا كَانَ رَجُلٌ يَقْتُلُ هَذَا بِرَجُلِهِ إلّا اسْتَوْفَى.
فَأَتْبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فَقَتَلَهُ بِدَمٍ كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ. فَتَكَلّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ: قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ، فَمَا شِئْتُمْ؟ فَإِنْ شِئْتُمْ فأدوا مالنا قِبَلَكُمْ وَنُؤَدّي إلَيْكُمْ مَا كَانَ فِينَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنّمَا هُوَ الدّمُ، رَجُلٌ بِرَجُلٍ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَتَجَافَوْا عَنّا فِيمَا قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَنْكُمْ فِيمَا قِبَلَكُمْ. فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ، رَجُلٌ بِرَجُلٍ! فَلَهَوْا عَنْهُ أَنْ يَطْلُبُوا بِدَمِهِ.
فَبَيْنَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ بِمَرّ الظّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ سَيّدُ بَنِي بَكْرٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَلَمّا رَآهُ قَالَ: مَا أَطْلُبُ أَثَرًا بعد عين!
_________________
(١) [(١)] الطعم بالضم: الطعام والقدرة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٤٤) . [(٢)] فى ت: «رأيكم» . [(٣)] ضجنان: جبل بناحية مكة على طريق المدينة. (معجم ما استعجم، ص ٦١٨) .
[ ١ / ٣٨ ]
وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ، وَهُوَ مُتَوَشّحٌ بِسَيْفِهِ، فَعَلَاهُ بِهِ حَتّى قَتَلَهُ، ثُمّ أَتَى مَكّةَ مِنْ اللّيْلِ فَعَلّقَ سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ الّذِي قَتَلَهُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَلَمّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ، فَعَرَفُوا أَنّ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ قَتَلَهُ، وَكَانَ يُسْمَعُ مِنْ مِكْرَزٍ فِي ذَلِكَ قَوْلُ [(١)] . وَجَزِعَتْ بَنُو بَكْرٍ مِنْ قَتْلِ سَيّدِهَا، فَكَانَتْ مُعِدّةً لِقَتْلِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، سَيّدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ سَادَاتِهَا.
فَجَاءَ النّفِيرُ وَهُمْ عَلَى هَذَا مِنْ الْأَمْرِ، فَخَافُوهُمْ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ بِمَكّةَ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ، فَلَمّا قَالَ سُرَاقَةُ مَا قَالَ، وَهُوَ يَنْطِقُ بِلِسَانِ إبْلِيسَ، شَجُعَ الْقَوْمُ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ سِرَاعًا. وَخَرَجُوا بِالْقِيَانِ وَالدّفَافِ: سَارّةِ مَوْلَاةِ عَمْرِو بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطّلِبِ، وَعَزّةَ مَوْلَاةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ، وَمَوْلَاةِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، يُغَنّينَ فِي كُلّ مَنْهَلٍ، وَيَنْحَرُونَ الْجُزُرَ. وَخَرَجُوا بِالْجَيْشِ [(٢)] يَتَقَاذَفُونَ بِالْحِرَابِ، وَخَرَجُوا بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مُقَاتِلًا، وَقَادُوا مِائَةَ فَرَسٍ بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ كَمَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ [(٣)] إلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَأَبُو جَهْلٍ يَقُولُ: أَيَظُنّ مُحَمّدٌ أَنْ يُصِيبَ مِنّا مَا أَصَابَ بِنَخْلَةَ وَأَصْحَابُهُ؟ سَيَعْلَمُ أَنَمْنَعُ [(٤)] عِيرَنَا أَمْ لَا! وَكَانَتْ الْخَيْلُ لِأَهْلِ الْقُوّةِ مِنْهُمْ، وَكَانَ فِي بَنِي مَخْزُومٍ مِنْهَا ثَلَاثُونَ فَرَسًا، وَكَانَتْ الْإِبِلُ سَبْعَمِائَةِ بَعِيرٍ، وَكَانَ أَهْلُ الْخَيْلِ كُلّهُمْ دَارِعٌ.
وَكَانُوا مِائَةً، وَكَانَ فِي الرّجّالَةِ دُرُوعٌ سِوَى ذَلِكَ.
قَالُوا: وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ، وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا حِينَ دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ وَاسْتَبْطَئُوا ضَمْضَمًا وَالنّفِيرَ. فَلَمّا كَانَتْ اللّيْلَةُ التي يصبحون فيها على ماء بدر،
_________________
(١) [(١)] ذكر ابن إسحاق أبيات مكرز بن حفص فى السيرة. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٦٢) [(٢)] فى ب، ت: «الحبش» . [(٣)] سورة ٨ الأنفال ٤٧ [(٤)] فى ت: «أمنع» .
[ ١ / ٣٩ ]
جَعَلَتْ الْعِيرُ تُقْبِلُ بِوَجْهِهَا [(١)] إلَى مَاءِ بَدْرٍ. وَكَانُوا بَاتُوا [(٢)] مِنْ وَرَاءِ بَدْرٍ آخِرَ لَيْلَتِهِمْ، وَهُمْ عَلَى أَنْ يُصْبِحُوا بَدْرًا إنْ لَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمْ، فَمَا أَقَرّتْهُمْ الْعِيرُ حَتّى ضَرَبُوهَا بِالْعُقُلِ، عَلَى أَنّ بَعْضَهَا لَيُثْنَى بِعِقَالَيْنِ، وَتُرَجّعُ الْحَنِينَ تَوَارُدًا إلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَمَا بِهَا إلَى الْمَاءِ حَاجَةٌ، لَقَدْ شَرِبَتْ بِالْأَمْسِ. وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ: إنّ هَذَا شَيْءٌ مَا صَنَعَتْهُ مُنْذُ خَرَجْنَا! قَالُوا: وَغَشِيَتْنَا تِلْكَ اللّيْلَةَ ظُلْمَةٌ حَتّى مَا نُبْصِرُ شَيْئًا.
وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَرَدَا عَلَى مَجْدِي بَدْرًا يَتَحَسّسَانِ [(٣)] الْخَبَرَ، فَلَمّا نَزَلَا مَاءَ بَدْرٍ أَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ، ثُمّ أَخَذَا أَسْقِيَتَهُمَا يَسْتَقِيَانِ مِنْ الْمَاءِ، فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِي جُهَيْنَةَ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا بَرْزَةُ، وَهِيَ تَلْزَمُ صَاحِبَتَهَا فِي دِرْهَمٍ كَانَ لَهَا عَلَيْهَا، وَصَاحِبَتُهَا تَقُولُ: إنّمَا الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، قَدْ نَزَلَتْ الرّوْحَاءَ. وَمَجْدِي بْنُ عَمْرٍو يَسْمَعُهَا فَقَالَ: صَدَقَتْ! فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَسْبَسُ وَعَدِيّ انْطَلَقَا رَاجِعِينَ إلَى النّبِيّ ﷺ، حَتّى لَقِيَاهُ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ [(٤)] فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، وَكَانَ أَحَدَ الْبَكّائِينَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ سَلَكَ فَجّ الرّوْحَاءِ مُوسَى النّبِيّ ﵇ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَصَلّوْا فِي الْمَسْجِدِ الّذِي بِعِرْقِ الظّبْيَةِ
- وَهِيَ مِنْ الرّوْحَاءِ عَلَى مِيلَيْنِ مِمّا يَلِي الْمَدِينَةَ إذَا خَرَجْت عَلَى يَسَارِك. فَأَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِبَدْرٍ، قَدْ تَقَدّمَ الْعِيرَ وَهُوَ خَائِفٌ
_________________
(١) [(١)] هكذا فى الأصل. وفى ب، ت، ح: «بوجوهها» . [(٢)] فى ب، ت: «وكانوا يأتون» . [(٣)] فى ت: «يتحسبان» . [(٤)] وهو من الروحاء على ميلين كما بذكر الواقدي بعد.
[ ١ / ٤٠ ]
مِنْ الرّصَدِ، فَقَالَ: يَا مَجْدِي، هَلْ أَحْسَسْت أَحَدًا؟ تَعْلَمُ وَاَللهِ مَا بِمَكّةَ مِنْ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٍ لَهُ نَشّ فَصَاعِدًا- وَالنّشّ نِصْفُ أُوقِيّةٍ، وَزْنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا- إلّا وَقَدْ بَعَثَ بِهِ مَعَنَا، وَلَئِنْ كَتَمْتنَا شَأْنَ عَدُوّنَا لَا يُصَالِحُك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً. فَقَالَ مَجْدِي: وَاَللهِ، مَا رَأَيْت أَحَدًا أُنْكِرُهُ، وَلَا بَيْنَك وَبَيْنَ يَثْرِبَ مِنْ عَدُوّ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا عَدُوّ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا، وَمَا كُنْت لَأُخْفِيهِ عَلَيْك، إلّا أَنّي قَدْ رَأَيْت رَاكِبَيْنِ أَتَيَا إلَى هَذَا الْمَكَانِ- فَأَشَارَ إلَى مُنَاخِ عَدِيّ وَبَسْبَسٍ- فَأَنَاخَا بِهِ، ثُمّ اسْتَقَيَا بِأَسْقِيَتِهِمَا، ثُمّ انْصَرَفَا. فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا، فَأَخَذَ أَبْعَارًا مِنْ بَعِيرَيْهِمَا فَفَتّهُ، فَإِذَا فِيهِ نَوَى، فَقَالَ: هَذِهِ وَاَللهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ، هَذِهِ عُيُونُ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، مَا أَرَى الْقَوْمَ إلّا قَرِيبًا! فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ، فَسَاحَلَ بِهَا، وَتَرَكَ بَدْرًا يَسَارًا، وَانْطَلَقَ سَرِيعًا. وَأَقْبَلَتْ قريش مِنْ مَكّةَ يَنْزِلُونَ كُلّ مَنْهَلٍ يُطْعِمُونَ الطّعَامَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَيَنْحَرُونَ الْجُزُرَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ فِي مَسِيرِهِمْ إذْ تَخَلّفَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، وَهُمَا يَتَحَدّثَانِ [(١)]، قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَمْ تَرَ إلَى رُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؟ لَقَدْ خَشِيت مِنْهَا. قَالَ الْآخَرُ: فَاذْكُرْهَا [(٢)] ! فَذَكَرَهَا، فَأَدْرَكَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: مَا تُحَدّثَانِ بِهِ؟ قَالَا: نَذْكُرُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ.
فَقَالَ: يَا عَجَبًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ! لَمْ تَرْضَ أَنْ تَتَنَبّأَ عَلَيْنَا رِجَالُهُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ عَلَيْنَا النّسَاءُ! أَمَا وَاَللهِ، لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى مَكّةَ لَنَفْعَلَنّ بِهِمْ وَلَنَفْعَلَنّ! قَالَ عُتْبَةُ: إنّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَقَرَابَةً قَرِيبَةً. قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَلْ لَك أَنْ تَرْجِعَ؟ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَتَرْجِعَانِ بَعْدَ مَا سِرْتُمَا، فَتَخْذُلَانِ قَوْمَكُمَا، وَتَقْطَعَانِ بِهِمْ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمْ ثأركم بأعينكم؟ أتظنّان أنّ محمّدا وأصحابه
_________________
(١) [(١)] فى ح: «يترددان» . [(٢)] فى ت: «فاذكرها فأدركهما» .
[ ١ / ٤١ ]
يلاقونكما؟ كلّا والله، ألا فو الله إنّ مَعِي مِنْ قَوْمِي مِائَةً وَثَمَانِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَحِلّونَ إذَا حَلَلْت، وَيَرْحَلُونَ إذَا رَحَلْت، فَارْجِعَا إنْ شِئْتُمَا! قَالَا: وَاَللهِ، لَقَدْ هَلَكْت وَأَهْلَكْت قَوْمَك! ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ لِأَخِيهِ شَيْبَةَ: هَذَا رَجُلٌ مَشْئُومٌ- يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ- وَإِنّهُ لَا يَمَسّهُ مِنْ قَرَابَةِ مُحَمّدٍ مَا يَمَسّنَا، مَعَ أَنّ مُحَمّدًا مَعَهُ الْوَلَدُ، فَارْجِعْ بِنَا وَدَعْ قَوْلَهُ! قَالَ شَيْبَةُ: تَكُونُ وَاَللهِ سُبّةٌ عَلَيْنَا يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَنْ نَرْجِعَ الْآنَ بَعْدَ مَا سِرْنَا! فَمَضَيَا. ثُمّ انْتَهَوْا إلَى الْجُحْفَةِ [(١)] عِشَاءً، فَنَامَ جُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ: إنّي أَرَى أَنّي بَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقْظَانِ أَنْظُرُ إلَى رَجُلٍ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مَعَهُ بَعِيرٌ، حَتّى وَقَفَ عَلَيّ فَقَالَ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ، وَأَبُو الْحَكَمِ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي رِجَالٍ سَمّاهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَفَرّ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَخِيهِ. قَالَ: يقول فائل مِنْهُمْ: وَاَللهِ، إنّي لَأَظُنّكُمْ الّذِينَ تَخْرُجُونَ إلَى مَصَارِعِكُمْ! قَالَ: ثُمّ أَرَاهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ فَأَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ بَعْضُ دَمِهِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِأَبِي جَهْلٍ، وَشَاعَتْ هَذِهِ الرّؤْيَا فِي الْعَسْكَرِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا نَبِيّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ الْمَقْتُولُ نَحْنُ أَوْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ! فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لِجُهَيْمٍ: إنّمَا يَلْعَبُ بِك [(٢)] الشّيْطَانُ فِي مَنَامِك، فَسَتَرَى غَدًا خِلَافَ مَا تَرَى، يُقْتَلُ أَشْرَافُ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ وَيُؤْسَرُونَ. قَالَ: فَخَلَا عُتْبَةُ بِأَخِيهِ فقال:
هل لك فى الرجوع؟ فهذه الرويا مثل رويا عَاتِكَةَ، وَمِثْلُ قَوْلِ عَدّاسٍ، وَاَللهِ مَا كَذَبَنَا عَدّاسٌ، وَلِعَمْرِي لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ كَاذِبًا إنّ فى العرب لمن
_________________
(١) [(١)] الجحفة: كانت قرية كبيرة على طريق المدينة، من مكة على أربع مراحل. (معجم البلدان، ج ٣، ص ٦٢) . [(٢)] فى الأصل: «تغلب بك» .
[ ١ / ٤٢ ]
يَكْفِينَاهُ، وَلَئِنْ كَانَ صَادِقًا إنّا لَأَسْعَدِ الْعَرَبِ بِهِ، إنّا لَلُحْمَتُهُ. قَالَ شَيْبَةُ:
هُوَ عَلَى مَا تَقُولُ، أَفَنَرْجِعُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا تُرِيدَانِ؟ قَالَا: الرّجُوعَ، أَلَا تَرَى إلَى رؤيا عاتكة وإلى رويا جُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ، مَعَ قَوْلِ عَدّاسٍ لَنَا؟ فَقَالَ: تَخْذُلَانِ وَاَللهِ قَوْمَكُمَا، وَتَقْطَعَانِ بِهِمْ. قَالَا: هَلَكْت وَاَللهِ، وَأَهْلَكْت قَوْمَك! فَمَضَيَا عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمّا أَفْلَتَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ وَرَأَى أَنْ قَدْ أَجْزَرَهَا [(١)]، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ- وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِ الْعِيرِ، خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مَكّةَ- فَأَرْسَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالرّجُوعِ، وَيَقُولُ: قَدْ نَجَتْ عِيرُكُمْ، فَلَا تُجْزِرُوا [(٢)] أَنْفُسَكُمْ أَهْلَ يَثْرِبَ، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَقَدْ نَجّاهَا اللهُ. فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْك، فَلَا يَأْبَوْنَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، يَرُدّونَ الْقِيَانَ، فَإِنّ الْحَرْبَ إذَا أَكَلَتْ نَكَلَتْ [(٣)] . فَعَالَجَ قُرَيْشًا وَأَبَتْ الرّجُوعَ، وَقَالُوا: أَمّا الْقِيَانُ فَسَنَرُدّهُنّ! فَرَدّوهُنّ مِنْ الْجُحْفَةِ. ولحق الرسول أبا سفيان بِالْهَدّةِ- وَالْهَدّةُ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عَقَبَةِ عُسْفَانَ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكّةَ- فأخبره بمضى قريش، فقال: وا قوماه! هَذَا عَمَلُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، كَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ لِأَنّهُ قَدْ تَرَأّسَ عَلَى النّاسِ، وَبَغَى، وَالْبَغْيُ مَنْقَصَةٌ وَشُؤْمٌ. إنْ أَصَابَ أَصْحَابُ مُحَمّدٍ النّفِيرَ ذَلَلْنَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَكّةَ. وَكَانَتْ الْقِيَانُ: سَارّةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَمَوْلَاةٌ كَانَتْ لِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَمَوْلَاةٌ يُقَالُ لَهَا عَزّةُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ. لا والله، لا نرجع
_________________
(١) [(١)] فى ث: «أن قد نجا بالعير» . [(٢)] فى ح: «فلا تحرزوا» . ويقال أجزرتك شاة إذا دفعت إليك شاة تذبحها. (مقاييس اللغة، ج ١، ص ٤٥٦) . والمعنى هنا: لا تجعلوا أنفسكم ذبائح. [(٣)] فى الأصل: «إذا أوكلت اتكلت»، وفى ت: «إذا أكلت انكلت» . وما أثبتناه هو قراءة ب.
[ ١ / ٤٣ ]
حَتّى نَرِدَ بَدْرًا- وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْجَاهِلِيّةِ يَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ، لَهَا بِهَا سُوقٌ- تَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا، فَنُقِيمُ ثَلَاثًا عَلَى بَدْرٍ نَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطّعَامَ، وَنَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ الْقِيَانُ عَلَيْنَا، فَلَنْ تَزَالَ الْعَرَبُ تَهَابُنَا أَبَدًا.
وَكَانَ الْفُرَاتُ بْنُ حَيّانَ الْعِجْلِيّ أَرْسَلَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ فَصَلَتْ مِنْ مَكّةَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يُخْبِرُهُ بِمَسِيرِهَا وَفُصُولِهَا، وَمَا قَدْ حَشَدَتْ. فَخَالَفَ أَبَا سُفْيَانَ، وَذَلِكَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ لَصِقَ بِالْبَحْرِ وَلَزِمَ فُرَاتَ الْمَحَجّةِ، فَوَافَى الْمُشْرِكِينَ بِالْجُحْفَةِ، فَسَمِعَ كَلَامَ أَبِي جَهْلٍ بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَرْجِعُ! فَقَالَ: مَا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِك رَغْبَةً، وَإِنّ الّذِي يَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ رَأَى ثَأْرَهُ مِنْ كَثَبٍ لَضَعِيفٌ! فَمَضَى مَعَ قُرَيْشٍ، وَتَرَكَ أَبَا سُفْيَانَ، فَجُرِحَ يَوْمَ بَدْرٍ جِرَاحَاتٍ، وَهَرَبَ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ أَمْرًا أَنْكَدُ! إنّ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ لَغَيْرُ مُبَارَكِ الْأَمْرِ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أُمّ بَكْرِ بِنْتِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ: قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ- وَكَانَ اسْمُهُ أُبَيّا [(١)]، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ- فَقَالَ: يَا بَنِي زُهْرَةَ، قَدْ نَجّى اللهُ عِيرَكُمْ، وَخَلّصَ أَمْوَالَكُمْ، وَنَجّى صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ. وَإِنّمَا مُحَمّدٌ رَجُلٌ مِنْكُمْ، ابْنُ أُخْتِكُمْ، فَإِنْ يَكُ نَبِيّا فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ بِهِ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلُوا قَتْلَ ابْنِ أُخْتِكُمْ، فَارْجِعُوا وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا [(٢)] بِي، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ [(٣)]، لَا مَا يَقُولُ هَذَا الرّجُلُ، فَإِنّهُ مُهْلِكٌ قَوْمَهُ، سَرِيعٌ فِي فَسَادِهِمْ! فَأَطَاعُوهُ، وكان فيهم مطاعا، وكانوا
_________________
(١) [(١)] فى ت: «وكان أعرابيا وكان حليفا» . [(٢)] فى ح: «خبثها لى» . [(٣)] فى الأصل، ت: «غير صنعة»، وفى ح: «غير ما يهمكم» . والمثبت من ب.
[ ١ / ٤٤ ]
يَتَيَمّنُونَ بِهِ، قَالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالرّجُوعِ إنْ نَرْجِعُ؟ قَالَ الْأَخْنَسُ: نَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ، فَإِذَا أَمْسَيْت سَقَطْت عَنْ بَعِيرِي فَتَقُولُونَ نَهَشَ [(١)] الْأَخْنَسُ! فَإِذَا قَالُوا امْضُوا فَقُولُوا لَا نُفَارِقُ صَاحِبَنَا حَتّى نَعْلَمَ أَهُوَ حَيّ أَمْ مَيّتٌ فَنَدْفِنُهُ، فَإِذَا مَضَوْا رَجَعْنَا. فَفَعَلَتْ بَنُو زُهْرَةَ، فَلَمّا أَصْبَحُوا بِالْأَبْوَاءِ رَاجِعِينَ تَبَيّنَ لِلنّاسِ أَنّ بَنِي زُهْرَةَ رَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ. قَالُوا: وَكَانُوا مِائَةً أَوْ أَقَلّ مِنْ الْمِائَةِ، وَهُوَ أَثْبَتُ، وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ كَانُوا ثلاثمائة. وقال عدىّ ابن أَبِي الزّغْبَاءِ فِي مُنْحَدَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَدْرٍ، وَانْتَشَرَتْ الرّكَابُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عَدِيّ يَقُولُ:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ إنّ مَطَايَا [(٢)] الْقَوْمِ لَا تُحَبّسُ
وَحَمْلُهَا عَلَى الطّرِيقِ أَكْيَسُ قَدْ نَصَرَ اللهُ وَفَرّ الْأَخْنَسُ
حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ، قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بن عبد الرحمن ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، قَالَ: خَرَجَتْ بَنُو عَدِيّ مَعَ النّفِيرِ حَتّى كَانُوا بِثَنِيّةِ لَفْتٍ [(٣)]، فَلَمّا كَانُوا فِي السّحَرِ عَدَلُوا فِي السّاحِلِ مُنْصَرِفِينَ إلَى مَكّةَ، فَصَادَفَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا بَنِي عَدِيّ، كَيْفَ رَجَعْتُمْ لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النّفِيرِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَرْسَلْت إلَى قُرَيْشٍ أَنْ تَرْجِعَ، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَمَضَى مَنْ مَضَى! فَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَدِيّ. وَيُقَالُ إنّهُ لَاقَاهُمْ بِمَرّ الظّهْرَانِ فَقَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ لَهُمْ. قَالَ مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ: رَجَعَتْ زُهْرَةُ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَمّا بَنُو عَدِيّ فَرَجَعُوا مِنْ الطّرِيقِ، ويقال من مرّ الظّهران.
_________________
(١) [(١)] فى ح: «نحل» . ونهش: أى نهس أو لسع. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٩١) . [(٢)] المطايا: أشراف القوم. (شرح أبى ذر، ص ١٦٢) . [(٣)] قال البكري: لفت بفتح أوله وكسره وسكون الفاء موضع بين مكة والمدينة. (معجم ما استعجم، ص ٤٩٤) .
[ ١ / ٤٥ ]
وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ صَبِيحَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيّ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ تِهَامَةَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: هَلْ لَك عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ؟
قَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ. قَالُوا: تَعَالَ، سَلّمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: وَفِيكُمْ رَسُولُ اللهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيّكُمْ رَسُولُ اللهِ؟
قَالُوا: هَذَا. قَالَ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْأَعْرَابِيّ: فَمَا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ إنْ كُنْت صَادِقًا؟ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ: نَكَحْتهَا فَهِيَ حُبْلَى مِنْك! فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ.
ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى أَتَى الرّوْحَاءَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِلنّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَصَلّى عِنْدَ بِئْرِ الرّوْحَاءِ.
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ وِتْرِهِ لَعَنَ الْكَفَرَةَ وَقَالَ: اللهُمّ لَا تُفْلِتَن أَبَا جَهْلٍ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ، اللهُمّ لَا تُفْلِتَن زَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، اللهُمّ وَأَسْخِنْ عَيْنَ أَبِي زَمَعَةَ بِزَمَعَةَ، اللهُمّ أَعْمِ بَصَرَ أَبِي زَمَعَةَ، اللهُمّ لَا تُفْلِتَن سُهَيْلًا، اللهمّ أنج سلمة ابْنِ هِشَامٍ وَعَيّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ! وَالْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يَدْعُ لَهُ يَوْمَئِذٍ، أُسِرَ بِبَدْرٍ وَلَكِنّهُ لَمّا رَجَعَ مِنْ مَكّةَ بَعْدَ بَدْرٍ أَسْلَمَ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمَدِينَةِ فَحُبِسَ، فَدَعَا لَهُ النّبِيّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بالرّوحاء: هذه سجاسج [(١)]
_________________
(١) [(١)] السجسج: الهواء الذي لا حر فيه ولا برد. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢١) . وقال السهيلي: سميت سجسجا لأنها بين جبلين، وكل شيء بين شيئين فهو سجسج. (الروض الأنف، ج ٢، ص ٦٣) .
[ ١ / ٤٦ ]
- يَعْنِي وَادِيَ الرّوْحَاءِ- هَذَا أَفْضَلُ أَوْدِيَةِ الْعَرَبِ.
قَالُوا: وَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ رَجُلًا شُجَاعًا، وَكَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ،
فَلَمّا خَرَجَ النّبِيّ ﷺ إلَى بَدْرٍ خَرَجَ هُوَ وَقَيْسُ بْنُ مُحَرّثٍ، وَهُمَا عَلَى دِينِ قَوْمِهِمَا، فَأَدْرَكَا النّبِيّ ﷺ بِالْعَقِيقِ، وَخُبَيْبٌ مُقَنّعٌ بِالْحَدِيدِ، فَعَرَفَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ، فَالْتَفَتَ رسول الله ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ يَسِيرُ إلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِخُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: فَأَقْبَلَ خُبَيْبٌ حَتّى أَخَذَ بِبِطَانِ [(١)] نَاقَةِ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَلِقَيْسِ بْنِ مُحَرّثٍ- يُقَالُ قَيْسُ بْنُ الْمُحَرّثِ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ- مَا أَخْرَجَكُمَا مَعَنَا؟ قَالَا: كُنْت ابْنَ أُخْتِنَا وَجَارَنَا، وَخَرَجْنَا مَعَ قَوْمِنَا لِلْغَنِيمَةِ. فقال رسول الله ﷺ: لَا يَخْرُجَن مَعَنَا رَجُلٌ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا. قَالَ خُبَيْبٌ: قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنّي عَظِيمُ [(٢)] الْغِنَاءِ فِي الْحَرْبِ، شَدِيدُ النّكَايَةِ، فَأُقَاتِلُ مَعَك لِلْغَنِيمَةِ وَلَنْ أُسْلِمَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلِمْ ثُمّ قَاتِلْ. ثُمّ أَدْرَكَهُ بِالرّوْحَاءِ فَقَالَ: أَسْلَمْت لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، وَشَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللهِ. فَسُرّ رسول الله ﷺ بذلك، وَقَالَ: امْضِهِ!
وَكَانَ عَظِيمَ الْغِنَاءِ فِي بَدْرٍ وَغَيْرِ بَدْرٍ وَأَبَى قَيْسُ بْنُ مُحَرّثٍ أَنْ يُسْلِمَ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمّا قَدِمَ النّبِيّ ﷺ مِنْ بَدْرٍ أَسْلَمَ، ثُمّ شَهِدَ أُحُدًا فَقُتِلَ.
قَالُوا: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَصَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمّ رَجَعَ وَنَادَى مُنَادِيهِ: يَا مَعْشَرَ الْعُصَاةِ، إنّي مُفْطِرٌ فَأَفْطِرُوا! وَذَلِكَ أَنّهُ
_________________
(١) [(١)] البطان للقتب: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير. (الصحاح، ص ٢٠٧٩) . [(٢)] فى ب: «عظيم القدر والغناء» .
[ ١ / ٤٧ ]
قَدْ كَانَ قَالَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ «أَفْطِرُوا» فَلَمْ يَفْعَلُوا.
قَالُوا: وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى إذَا كَانَ دُوَيْنَ بَدْرٍ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ، وَاسْتَشَارَ رسول الله ﷺ الناس، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ، ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّهَا وَاَللهِ قُرَيْشٌ وَعِزّهَا، وَاَللهِ مَا ذَلّتْ مُنْذُ عَزّتْ، وَاَللهِ مَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، وَاَللهِ لَا تُسْلِمُ عِزّهَا أَبَدًا، وَلَتُقَاتِلَنك، فَاتّهِبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَعِدّ لِذَلِكَ عُدّتَهُ. ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، امْضِ لِأَمْرِ اللهِ فَنَحْنُ مَعَك، وَاَللهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِنَبِيّهَا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [(١)]، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك- وَبِرْكُ الْغِمَادِ مِنْ وَرَاءِ مَكّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ وَرَاءِ السّاحِلِ مِمّا يَلِي الْبَحْرَ، وَهُوَ عَلَى ثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ مَكّةَ إلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ له رسول الله ﷺ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيّ أيّها للناس! وَإِنّمَا يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَنْصَارَ، وَكَانَ يَظُنّ أَنّ الْأَنْصَارَ لَا تَنْصُرُهُ إلّا فِي الدّارِ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ شَرَطُوا لَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيّ! فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَنَا أُجِيبُ عَنْ الْأَنْصَارِ، كَأَنّك يَا رَسُولَ اللهِ تُرِيدُنَا! قَالَ: أَجَلْ.
قَالَ: إنّك عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْت عَنْ أَمْرٍ قَدْ أُوحِيَ إلَيْك فِي غَيْرِهِ، وَإِنّا قَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك، وَشَهِدْنَا أَنّ كُلّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ، وَأَعْطَيْنَاك مَوَاثِيقَنَا وَعُهُودَنَا عَلَى السّمْعِ والطاعة، فامض يا نبىّ الله، فو الذي
_________________
(١) [(١)] سورة المائدة ٢٤.
[ ١ / ٤٨ ]
بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك، مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ، وَصِلْ مَنْ شِئْت، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْت، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت، وَمَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِنَا أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا سَلَكْت هَذَا الطّرِيقَ قَطّ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ عِلْمٍ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ يَلْقَانَا عَدُوّنَا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللّقَاءِ، لَعَلّ اللهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: قَالَ سَعْدٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ، إنّا قَدْ خَلَفْنَا مِنْ قَوْمِنَا قَوْمًا مَا نَحْنُ بِأَشَدّ حُبّا لَك مِنْهُمْ، وَلَا أَطْوَعَ لَك مِنْهُمْ، لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ وَنِيّةٌ، وَلَوْ ظَنّوا يَا رَسُولَ اللهِ أَنّك مُلَاقٍ عَدُوّا مَا تَخَلّفُوا، وَلَكِنْ إنّمَا ظَنّوا أَنّهَا الْعِيرُ. نَبْنِي لَك عَرِيشًا فَتَكُونُ فِيهِ وَنَعُدّ لَك رَوَاحِلَك، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا، فَإِنْ أَعَزّنَا اللهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى جَلَسْت عَلَى رَوَاحِلِك فَلَحِقْت مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ خَيْرًا، وَقَالَ: أَوْ يَقْضِي اللهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ! قَالُوا: فَلَمّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ الْمَشُورَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَإِنّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ. وَاَللهِ، لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ.
قَالَ: وَأَرَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَصَارِعَهُمْ يَوْمَئِذٍ، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، فَمَا عَدَا كُلّ رَجُلٍ مَصْرَعَهُ قَالَ: فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنّهُمْ يُلَاقُونَ الْقِتَالَ، وَأَنّ الْعِيرَ تُفْلِتُ، وَرَجَوْا النّصْرَ لِقَوْلِ النّبِيّ ﷺ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْمَاعِيلَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَمِنْ يَوْمَئِذٍ
[ ١ / ٤٩ ]
عقد رسول الله ﷺ الْأَلْوِيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ، وَأَظْهَرَ السّلَاحَ، وَكَانَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ لِوَاءٍ مَعْقُودٍ. وَخَرَجَ رسول الله ﷺ من الرّوْحَاءِ، فَسَلَكَ الْمَضِيقَ، ثُمّ جَاءَ إلَى الْخَبِيرَتَيْنِ [(١)] فَصَلّى بَيْنَهُمَا، ثُمّ تَيَامَنَ فَتَشَاءَمَ فِي الْوَادِي حَتّى مَرّ عَلَى خَيْفِ [(٢)] الْمُعْتَرِضَةِ، فَسَلَكَ فِي ثَنِيّةِ الْمُعْتَرِضَةِ حَتّى سَلَكَ عَلَى التّيّا، وَبِهَا لَقِيَ سُفْيَانَ الضّمْرِيّ،
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ تَعَجّلَ، مَعَهُ قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ الظّفَرِيّ- وَيُقَالُ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ الْمَازِنِيّ، وَيُقَالُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ- فَلَقِيَ سُفْيَانَ الضّمْرِيّ عَلَى التّيّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ الرّجُلُ؟ فَقَالَ الضّمْرِيّ:
بَلَى مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَخْبِرْنَا وَنُخْبِرْك! قَالَ الضّمْرِيّ: وَذَاكَ بِذَاكَ قَالَ النّبِيّ ﷺ: نعم قال الضّمرىّ: سلوا عَمّا شِئْتُمْ! فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أخبرنا عن قريش. قَالَ الضّمْرِيّ:
بَلَغَنِي أَنّهُمْ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَكّةَ، فَإِنْ كَانَ الّذِي أَخْبَرَنِي صَادِقًا فَإِنّهُمْ بِجَنْبِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَخْبِرْنَا عَنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: خُبّرْت أَنّهُمْ خَرَجُوا مِنْ يَثْرِبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الّذِي خَبّرَنِي صَادِقًا فَهُمْ بِجَانِبِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ الضّمْرِيّ: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ النّبِيّ ﷺ: نَحْنُ مِنْ مَاءٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ. فَقَالَ الضّمْرِيّ: مِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ! ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْزِلِ صَاحِبِهِ، بَيْنَهُمْ قَوْزٌ [(٣)] مِنْ رَمْلٍ
_________________
(١) [(١)] هكذا فى كل النسخ، ولعلها «الحبرتين»، وهما أطمان بالمدينة ذكرهما السمهودي. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٨٤) . [(٢)] الخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٤٠) . [(٣)] القوز: المستدير من الرمل والكثيب المشرف. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٨٨) .
[ ١ / ٥٠ ]
وَكَانَ قَدْ صَلّى بِالدّبَةِ [(١)]، ثُمّ صَلّى بِسَيَرٍ [(٢)]، ثُمّ صَلّى بِذَاتِ أَجْدَالٍ [(٣)]، ثُمّ صَلّى بِخَيْفِ عَيْنِ الْعَلَاءِ، ثُمّ صَلّى بِالْخَبِيرَتَيْنِ، ثُمّ نَظَرَ إلَى جَبَلَيْنِ فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ؟ قَالُوا: مُسْلِحٌ وَمُخْرَى [(٤)] . فَقَالَ: مَنْ سَاكِنُهُمَا؟
قَالُوا: بَنُو النّارِ وَبَنُو حُرَاقٍ [(٥)] . فَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ الْخَبِيرَتَيْنِ فَمَضَى حَتّى قَطَعَ الْخُيُوفَ، وَجَعَلَهَا يَسَارًا حَتّى سَلَكَ فِي الْمُعْتَرِضَةِ، وَلَقِيَهُ بَسْبَسٌ وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَادِيَ [(٦)] بَدْرٍ عِشَاءَ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَبَعَثَ عَلِيّا وَالزّبَيْرَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وقّاص وبسبس ابن عَمْرٍو يَتَحَسّسُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى ظُرَيْبٍ [(٧)] فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَجِدُوا الْخَبَرَ عِنْدَ هَذَا الْقَلِيبِ الّذِي يَلِي الظّرَيْبَ- وَالْقَلِيبُ بِئْرٌ بِأَصْلِ الظّرَيْبِ، وَالظّرَيْبُ جَبَلٌ صَغِيرٌ. فَانْدَفَعُوا تِلْقَاءَ الظّرَيْبِ فَيَجِدُونَ عَلَى تِلْكَ الْقَلِيبِ الّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَوَايَا قُرَيْشٍ فِيهَا سُقّاؤُهُمْ. وَلَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَفْلَتَ عَامّتُهُمْ، وَكَانَ مِمّنْ عُرِفَ أَنّهُ أَفْلَتَ عُجَيْرٌ، وَكَانَ أَوّلَ مَنْ جَاءَ قُرَيْشًا بِخَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَادَى فَقَالَ: يَا آلَ غَالِبٍ، هَذَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ! فَمَاجَ الْعَسْكَرُ، وَكَرِهُوا مَا جَاءَ به.
_________________
(١) [(١)] الدبة: بلد بين الأصافر وبدر. (معجم البلدان، ج ٤، ص ٣٤) . [(٢)] سير: كثيب بين المدينة وبدر. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٢٧) . [(٣)] ذات أجدال: بمضيق الصفراء كما ذكر السمهودي. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٠٨) . [(٤)] فى الأصل: «مسلخ ومخزى»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٦٦) . [(٥)] هما بطنان من بنى غفار كما ذكر ابن إسحاق. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٦٦) . [(٦)] فى ت: «أدنى بدر» . [(٧)] فى الأصل: «ضريب»، والتصحيح عن سائر النسخ. وهكذا ذكره ابن الأثير أيضا. (النهاية، ج ٣، ص ٥٤) .
[ ١ / ٥١ ]
قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: وَكُنّا فِي خِبَاءٍ لَنَا عَلَى جَزُورٍ نَشْوِي مِنْ لَحْمِهَا، فَمَا هُوَ إلّا أَنْ سَمِعْنَا الْخَبَرَ، فَامْتَنَعَ الطّعَامُ مِنّا، وَلَقِيَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلَقِيَنِي عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَسِيرُ أَعْجَبَ مِنْ مَسِيرِنَا، إنّ عِيرَنَا قَدْ نَجَتْ، وَإِنّا جِئْنَا إلَى قَوْمٍ فِي بِلَادِهِمْ بَغْيًا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُتْبَةُ لِأَمْرٍ حُمّ: وَلَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ، هَذَا شُؤْمُ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ! يَا أَبَا خَالِدٍ، أَتَخَافُ أَنْ يُبَيّتَنَا الْقَوْمُ؟ قُلْت: لَا آمَنُ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا الرّأْيُ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: نَتَحَارَسُ حَتّى نُصْبِحَ وَتَرَوْنَ مَنْ [(١)] وَرَاءَكُمْ. قَالَ عُتْبَةُ: هَذَا الرّأْيُ! قَالَ: فَتَحَارَسْنَا حَتّى أَصْبَحْنَا. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا [هَذَا؟] [(٢)] هَذَا عَنْ أَمْرِ عُتْبَةَ، قَدْ كَرِهَ قِتَالَ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ! إنّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ، أَتَظُنّونَ أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يَعْتَرِضُونَ لِجَمْعِكُمْ؟ وَاَللهِ لَأَنْتَحِيَن نَاحِيَةً بِقَوْمِي، فَلَا يَحْرُسُنَا أَحَدٌ. فَتَنَحّى نَاحِيَةً، وَالسّمَاءُ تُمْطِرُ عَلَيْهِ، يَقُولُ عُتْبَةُ: إنّ هَذَا لَهُوَ النّكَدُ، وَإِنّهُمْ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ. وَأُخِذَ تِلْكَ اللّيْلَةَ يَسَارٌ غلام عبيدة ابن سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَسْلَمَ غُلَامُ مُنَبّهِ بْنِ الحجّاج، وأبو رافع غلام أميّة ابن خَلَفٍ، فَأُتِيَ بِهِمْ النّبِيّ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي، فَقَالُوا:
سُقّاءُ قُرَيْش بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ. وَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمْ، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا لِأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِ الْعِيرِ، فَضَرَبُوهُمْ، فَلَمّا أَذَلْقُوهُمْ [(٣)] بِالضّرْبِ قَالُوا:
نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ، وَنَحْنُ فِي الْعِيرِ، وَهَذِهِ الْعِيرُ بِهَذَا الْقَوْزِ [(٤)] . فَيُمْسِكُونَ عَنْهُمْ،
فَسَلّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمّ قَالَ:
_________________
(١) [(١)] هكذا فى الأصل. وفى ب، ت: «وترون من رأيكم»، وفى ح: «وترون رأيكم» . [(٢)] الزيادة عن ب، ت. [(٣)] فى الأصل: «أتلفوهم»، والتصحيح عن ب، ت. وأذلقوهم: أضعفوهم. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٣٤) . [(٤)] فى الأصل: «الغور» .
[ ١ / ٥٢ ]
إنْ صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ وَإِنْ كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ! فَقَالَ أصحاب رسول الله ﷺ: يُخْبِرُونَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ جَاءَتْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. صَدَقُوكُمْ، خَرَجَتْ قُرَيْشٌ تَمْنَعُ عِيرَهَا، وَخَافُوكُمْ عَلَيْهَا. ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السّقّاءِ فَقَالَ:
أَيْنَ قُرَيْشٌ؟: قَالُوا: خَلْفَ هَذَا الْكَثِيبِ الّذِي تَرَى. قَالَ: كَمْ هِيَ؟
قَالُوا: كَثِيرٌ. قَالَ: كَمْ عَدَدُهَا؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي كَمْ هُمْ. قَالَ: كَمْ يَنْحَرُونَ؟ قَالُوا: يَوْمًا عَشَرَةً وَيَوْمًا تِسْعَةً. قَالَ: الْقَوْمُ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ وَالتّسْعِمِائَةِ.
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلسّقّاءِ: مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكّةَ؟ قَالُوا:
لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعِمَ إلّا خَرَجَ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النّاسِ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكّةُ، قَدْ أَلْقَتْ [إلَيْكُمْ] أَفْلَاذَ كَبِدِهَا. ثُمّ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ. هَلْ رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: رَجَعَ ابْنُ أَبِي شَرِيقٍ بِبَنِي زُهْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرْشَدُهُمْ وَمَا كَانَ بِرَشِيدٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْت لَمُعَادِيًا لِلّهِ وَلِكِتَابِهِ. قَالَ: أَحَدٌ غَيْرُهُمْ؟
قَالُوا: بَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ.
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَشِيرُوا عَلَيّ فِي الْمَنْزِلِ فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟
قَالَ: بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ. قَالَ: فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ! انْطَلِقْ بِنَا إلَى أَدْنَى مَاءِ الْقَوْمِ، فَإِنّي عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا، بِهَا قَلِيبٌ قَدْ عَرَفْت عُذُوبَةَ مَائِهِ، وَمَاءٌ كَثِيرٌ لَا يَنْزَحْ، ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهَا حَوْضًا وَنَقْذِفُ فِيهِ الْآنِيَةَ، فَنَشْرَبُ وَنُقَاتِلُ، وَنُغَوّرُ [(١)] مَا سواها من القلب.
_________________
(١) [(١)] فى ت، ح: «ونعور» . ونغوّر: نفسد. (شرح أبى ذر، ص ١٥٥) .
[ ١ / ٥٣ ]
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: الرّأْيُ مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ.
فقال رسول الله ﷺ: يَا حُبَابُ، أَشَرْت بِالرّأْيِ!
فَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفَعَلَ كُلّ ذَلِكَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ اللهُ السّمَاءَ وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا- وَالدّهْسُ الْكَثِيرُ الرّمْلِ- فَأَصَابَنَا مَا لَبّدَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْنَا مِنْ الْمَسِيرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ، وَإِنّمَا بَيْنَهُمْ قَوْزٌ مِنْ رَمْلٍ.
قَالُوا: وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ اللّيْلَةَ النّعَاسُ، أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ [(١)] فَنَامُوا، وَمَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْمَطَرِ مَا يُؤْذِيهِمْ. قَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ: سُلّطَ عَلَيْنَا النّعَاسُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّى إنّي كُنْت لَأَتَشَدّدُ، فَتَجْلِدُنِي الْأَرْضُ فَمَا أُطِيقُ إلّا ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الحال. وقال سعد ابن أَبِي وَقّاصٍ: رَأَيْتنِي وَإِنّ ذَقَنِي بَيْنَ يَدَيّ [(٢)]، فَمَا أَشْعُرُ حَتّى أَقَعَ عَلَى جَنْبِي.
قَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ: غَلَبَنِي النّوْمُ، فاحتملت حَتّى اغْتَسَلْت آخِرَ اللّيْلِ.
قَالُوا: فَلَمّا تَحَوّلَ رسول الله ﷺ إلى الْمَنْزِلِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ السّقَاءَ، أَرْسَلَ عَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ، فَأَطَافَا بِالْقَوْمِ ثُمّ رَجَعَا إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، الْقَوْمُ مَذْعُورُونَ فَزِعُونَ، إنّ الْفَرَسَ لَيُرِيدُ أَنْ يَصْهَلَ فَيَضْرِبَ وَجْهَهُ، مَعَ أَنّ السّمَاءَ تَسِحّ عَلَيْهِمْ.
فَلَمّا أَصْبَحُوا قَالَ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجّاجِ، وَكَانَ رَجُلًا يُبْصِرُ الأثر، فقال:
_________________
(١) [(١)] فى ب: «ألقى الله ﷿ عليهم» . [(٢)] فى ب، ت، ح: «ثديي» .
[ ١ / ٥٤ ]
هَذَا أَثَرُ ابْنِ سُمَيّةَ وَابْنِ أُمّ عَبْدٍ، أَعْرِفُهُ، قَدْ جَاءَ مُحَمّدٌ بِسُفَهَائِنَا وَسُفَهَاءِ أَهْلِ يَثْرِبَ! ثُمّ قَالَ:
لَمْ يَتْرُكِ الْجَوْعُ لَنَا مَبِيتَا لَا بُدّ أَنْ نَمُوت أَوْ نُمِيتَا
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فَذَكَرْت قَوْلَ نُبَيْهِ بْنِ الْحَجّاجِ «لَمْ يَتْرُكِ الْجَوْعُ لَنَا مَبِيتَا» لِمُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَقَالَ: لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا شِبَاعًا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي [أَبِي] [(١)] أَنّهُ سَمِعَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: نَحَرْنَا تِلْكَ اللّيْلَةَ عَشْرَ جَزَائِرَ، فَنَحْنُ فِي خِبَاءٍ مِنْ أَخْبِيَتِهِمْ نَشْوِي السّنَامَ وَالْكَبِدَ وَطِيبَةَ اللّحْمِ، وَنَحْنُ نَخَافُ مِنْ الْبَيَاتِ، فَنَحْنُ نَتَحَارَسُ إلَى أَنْ أَضَاءَ الْفَجْرُ، فَأَسْمَعُ مُنَبّهًا يَقُولُ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ [الصّبْحُ] [(٢)]: هَذَا [أَثَرُ] [(٣)] ابْنِ سُمَيّةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ! وَأَسْمَعُهُ يَقُولُ:
لَمْ يَتْرُكِ الْخَوْفُ لَنَا مَبِيتَا لَا بُدّ أَنْ نَمُوت أَوْ نُمِيتَا
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اُنْظُرُوا غَدًا إنْ لَقِينَا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَابْقَوْا فِي أَنْسَابِكُمْ [(٤)] هَؤُلَاءِ، وَعَلَيْكُمْ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَإِنّا إنْ نَرْجِعُ بِهِمْ إلَى مَكّةَ يُبْصِرُوا ضَلَالَتَهُمْ وَمَا فَارَقُوا مِنْ دِينِ آبَائِهِمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حدّثنا الواقدي قال: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عمر، عن محمود بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْقَلِيبِ بُنِيَ لَهُ عَرِيشٌ مِنْ جَرِيدٍ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ مُتَوَشّحَ السّيْفِ، فَدَخَلَ النّبِيّ ﷺ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ.
فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت. [(٢)] الزيادة عن ب. [(٣)] الزيادة عن ب، ت. [(٤)] فى ح: «فاتقوا على شبانكم وفتيانكم»، وفى ب، ت: «فابقوا فى شبابكم» .
[ ١ / ٥٥ ]
ابن حزم، قَالَ: صَفّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ قُرَيْشٌ، وَطَلَعَتْ قُرَيْشٌ وَرَسُولُ اللهِ يَصُفّهُمْ، وَقَدْ أَتْرَعُوا حَوْضًا، يَفْرُطُونَ [(١)] فِيهِ مِنْ السّحَرِ، وَيَقْذِفُونَ فِيهِ الْآنِيَةَ. وَدَفَعَ رَايَتَهُ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَتَقَدّمَ بِهَا إلَى مَوْضِعِهَا الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ. وَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَى الصّفُوفِ، فَاسْتَقْبَلَ الْمَغْرِبَ، وَجَعَلَ الشّمْسَ خَلْفَهُ، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَاسْتَقْبَلُوا الشّمْسَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْعُدْوَةِ الشّامِيّةِ وَنَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْيَمَانِيّةِ- عُدْوَتَا النّهْرِ وَالْوَادِي جَنْبَتَاهُ- فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ كَانَ هَذَا مِنْك عَنْ وَحْيٍ نَزَلَ إلَيْك فَامْضِ لَهُ، وَإِلّا فَإِنّي أَرَى أَنْ تَعْلُوَ الْوَادِيَ، فَإِنّي أَرَى رِيحًا قَدْ هَاجَتْ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي، وَإِنّي أَرَاهَا بُعِثَتْ بِنَصْرِك.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَدْ صَفَفْت صُفُوفِي وَوَضَعْت رَايَتِي، فَلَا أُغَيّرُ ذَلِكَ! ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَبّهُ ﵎، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [(٢)]، بَعْضُهُمْ عَلَى إثْرِ بَعْض.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ: عَدّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصّفُوفَ يَوْمَئِذٍ، فَتَقَدّمَ سَوَادُ بْنُ غَزِيّةَ أَمَامَ الصّفّ، فَدَفَعَ النّبِيّ ﷺ بِقَدَحٍ فِي بَطْنِ سواد بن غزيّة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اسْتَوِ [(٣)] يَا سَوَادُ! فَقَالَ لَهُ سَوَادُ: أوجعتنى،
_________________
(١) [(١)] فى الأصل وب: «يقرظون فيه من الشجر»، وما أثبتناه عن نسخة ت. وفرط الرجل إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيئ لهم الدلاء والأرشية. (النهاية، ج ٣، ص ١٩٤) . [(٢)] سورة ٨ الأنفال ٩. [(٣)] فى الأصل: «اسبق»، وما أثبتناه عن سائر النسخ.
[ ١ / ٥٦ ]
وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ نَبِيّا، أَقِدْنِي! فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ، ثُمّ قَالَ: اسْتَقِدْ! فَاعْتَنَقَهُ وَقَبّلَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ فَقَالَ: حَضَرَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا قَدْ تَرَى، وَخَشِيت الْقَتْلَ، فَأَرَدْت أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِي بِك، أَنْ أَعْتَنِقَك [(١)] .
قَالُوا: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوّي الصّفُوفَ يَوْمَئِذٍ، وَكَأَنّمَا يُقَوّمُ بِهَا الْقِدَاحَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ: قَالَ: فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَوْدٍ، قَالَ: سَمِعْت عَلِيّا ﵇ يَقُولُ: وَهُوَ يَخْطُبُ بِالْكُوفَةِ: بَيْنَا أَنَا أَمِيحُ [(٢)] فِي قَلِيبِ بَدْرٍ- أَمِيحُ يَعْنِي أَسْتَقِي، وَهُوَ مَنْ يَنْزِعُ الدّلَاءَ، وَهُوَ الْمَتْحُ أَيْضًا- جَاءَتْ رِيحٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطّ شِدّةً، ثُمّ ذَهَبَتْ فَجَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، ثُمّ جَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا ثُمّ جَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كانت قبلها، وكانت الأولى جبرئيل فِي أَلْفٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالثّانِيَةُ مِيكَائِيلَ فِي أَلْفٍ عَنْ ميمنة رسول الله ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ الثّالِثَةُ إسْرَافِيلَ فِي أَلْفٍ، نَزَلَ عَنْ مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ، فَلَمّا هَزَمَ الله ﷿ أعداه حَمَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى فَرَسِهِ، فَجَمَزَتْ بِي [(٣)]، فَلَمّا جَمَزَتْ خَرَرْت عَلَى عُنُقِهَا، فَدَعَوْت رَبّي فَأَمْسَكَنِي حَتّى اسْتَوَيْت، وما لى وللخيل، وإنما كنت صاحب
_________________
(١) [(١)] فى الأصل، ت: «أن أكون آخر عهد بك وأن أعنفك»، وفى ب: «أن أكون آخر الناس عهد بك وأن أعتنقك» . والمثبت أقرب لما فى ابن إسحاق (ج ٢، ص ٢٧٩) [(٢)] فى ب: «أمتح» . [(٣)] فى ب، ح: «فجرت بى فلما جرت» . والجمز: هو العدو دون الحضر وفوق العنق (القاموس المحيط، ج ٢، ص ١٦٩) .
[ ١ / ٥٧ ]
غَنَمٍ! [(١)] فَلَمّا اسْتَوَيْت طَعَنْت بِيَدِي هَذِهِ حَتّى اخْتَضَبَتْ مِنّي ذَا- يَعْنِي إبِطَهُ.
قَالُوا: وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَيْمَنَةِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَانَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ. فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ قَائِلٌ: كَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ [(٢)] .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، قَالَا: مَا كَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ- مَيْمَنَةِ النّبِيّ ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ وَلَا عَلَى مَيْسَرَتِهِ أَحَدٌ يُسَمّى، وَكَذَلِكَ مَيْمَنَةُ الْمُشْرِكِينَ وميسرتهم، وما سَمِعْنَا فِيهَا بِأَحَدٍ.
قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: وَهَذَا الثّبْتُ عِنْدَنَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ الْأَعْظَمَ- لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَلِوَاءُ الْخَزْرَجِ مع الحباب ابن الْمُنْذِرِ، وَلِوَاءُ الْأَوْسِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَمَعَ قُرَيْشٍ ثَلَاثَةُ أَلْوِيَةٍ، لِوَاءٌ مَعَ أَبِي عَزِيزٍ، وَلِوَاءٌ مَعَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَلِوَاءٌ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ.
قَالُوا: وَخَطَبَ رسول الله ﷺ يومئذ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ، وَيَحُثّهُمْ، وَيُرَغّبُهُمْ فِي الْأَجْرِ: أَمّا بَعْدُ، فَإِنّي أَحُثّكُمْ عَلَى مَا حَثّكُمْ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَمّا نَهَاكُمْ اللهُ عَنْهُ، فَإِنّ اللهَ عَظِيمٌ شَأْنُهُ، يَأْمُرُ بِالْحَقّ، وَيُحِبّ الصّدْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الْخَيْرِ أَهْلَهُ، عَلَى مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ، بِهِ يُذْكَرُونَ وَبِهِ يَتَفَاضَلُونَ، وَإِنّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ بِمَنْزِلٍ
_________________
(١) [(١)] فى ح: «صاحب الحشم» . [(٢)] فى ح: «عمرو بن عبد ودّ» .
[ ١ / ٥٨ ]
مِنْ مَنَازِلِ الْحَقّ، لَا يَقْبَلُ اللهُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ. وَإِنّ الصّبْرَ فِي مَوَاطِنِ الْبَأْسِ مِمّا يُفَرّجُ اللهُ بِهِ الْهَمّ، وَيُنَجّي بِهِ مِنْ الْغَمّ، وَتُدْرِكُونَ [(١)] بِهِ النّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ. فِيكُمْ نَبِيّ اللهِ يُحَذّرُكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ، فَاسْتَحْيُوا الْيَوْمَ أَنْ يَطّلِعَ اللهُ ﷿ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُمْ يَمْقُتُكُمْ عَلَيْهِ، فَإِنّ اللهَ يَقُولُ: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [(٢)] . اُنْظُرُوا إلَى الّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَرَاكُمْ مِنْ آيَاتِهِ، وَأَعَزّكُمْ بَعْدَ ذِلّةٍ، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ يَرْضَ رَبّكُمْ عَنْكُمْ. وَأَبْلَوْا رَبّكُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ أَمْرًا، تَسْتَوْجِبُوا الّذِي وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، فَإِنّ وَعْدَهُ حَقّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَعِقَابَهُ شَدِيدٌ.
وَإِنّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ بِاَللهِ الْحَيّ الْقَيّومِ، إلَيْهِ أَلْجَأْنَا ظُهُورَنَا، وَبِهِ اعْتَصَمْنَا، وَعَلَيْهِ تَوَكّلْنَا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، يَغْفِرُ اللهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ!
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَا: لَمّا رأى رسول الله ﷺ قُرَيْشًا تُصَوّبُ مِنْ الْوَادِي- وَكَانَ أَوّلُ مَنْ طَلَعَ زَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، يَتْبَعُهُ ابْنُهُ، فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَتَبَوّأَ [(٣)] لِلْقَوْمِ مَنْزِلًا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمّ، إنّك أَنْزَلْت عَلَيّ الْكِتَابَ، وَأَمَرْتنِي بِالْقِتَالِ، وَوَعَدَتْنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ، وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ! اللهُمّ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادّك [(٤)] وَتُكَذّبُ رَسُولَك! اللهُمّ، نَصْرُك الّذِي وَعَدْتنِي! اللهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ! وَطَلَعَ عُتْبَةُ بن ربيعة على
_________________
(١) [(١)] فى ت: «يدركون النجاة» . [(٢)] سورة ٤٠ غافر ١٠ [(٣)] فى خ: «يريد أن يبنوا» . [(٤)] فى ح: «تخاذل» .
[ ١ / ٥٩ ]
جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنْ يَكُ فِي أَحَدٍ مِنْ القوم خير ففي صاحب الجمل الأخمر، إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ، حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: وَكَانَ إيمَاءُ بْنُ رَحْضَةَ قَدْ بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ ابْنًا لَهُ بِعَشْرِ جَزَائِرَ حِينَ مَرّوا بِهِ، أَهْدَاهَا لَهُمْ، وَقَالَ:
إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نَمُدّكُمْ بِسِلَاحٍ وَرِجَالٍ- فَإِنّا مُعِدّونَ لِذَلِكَ مُؤَدّونَ- فَعَلْنَا.
فَأَرْسَلُوا: أَنْ وَصَلَتْك رَحِمٌ، قَدْ قَضَيْت الّذِي عَلَيْك، فَلِعَمْرِي لَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ النّاسَ مَا بِنَا ضَعْفٌ عَنْهُمْ، وَلَئِنْ كُنّا نُقَاتِلُ اللهَ كَمَا يَزْعُمُ مُحَمّدٌ، فَمَا لِأَحَدٍ بِاَللهِ طَاقَةٌ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ جَدّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ خِفَافِ بْنِ إيمَاءِ بْنِ رَحْضَةَ، قَالَ: كَانَ أَبِي لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النّاسِ، مُوَكّلٌ بِذَلِكَ. فَلَمّا مَرّتْ قُرَيْشٌ أَرْسَلَنِي بِجَزَائِرَ عَشْرٍ هَدِيّةً لَهَا، فَأَقْبَلْت أَسُوقُهَا وَتَبِعَنِي أَبِي، فَدَفَعْتهَا إلَى قُرَيْشٍ فَقَبِلُوهَا، فَوَزّعُوهَا فِي الْقَبَائِلِ. فَمَرّ أَبِي عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ- وَهُوَ سَيّدُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ- فَقَالَ:
يَا أَبَا الْوَلِيدِ، مَا هَذَا الْمَسِيرُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي وَاَللهِ غُلِبْت! قَالَ: فَأَنْتَ سَيّدُ الْعَشِيرَةِ، فَمَا يَمْنَعُك أَنْ تَرْجِعَ بِالنّاسِ وَتَحْمِلَ دَمَ حَلِيفِك [(١)]، وَتَحْمِلَ الْعِيرَ الّتِي أَصَابُوا بِنَخْلَةَ فَتُوَزّعَهَا عَلَى قَوْمِك؟ وَاَللهِ، مَا تَطْلُبُونَ قِبَلَ مُحَمّدٍ إلّا هَذَا؟ وَاَللهِ، يَا أَبَا الْوَلِيدِ، مَا تَقْتُلُونَ بِمُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ إلّا أَنْفُسَكُمْ.
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا سَمِعْنَا بأحد ساد [(٢)] بغير
_________________
(١) [(١)] يعنى عمرو بن الحضرمي، وكان قتل يوم نخلة. [(٢)] فى ح: «سار» .
[ ١ / ٦٠ ]
مَالٍ إلّا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَمّا نَزَلَ الْقَوْمُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ:
ارْجِعُوا، فَإِنّهُ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنّي غَيْرُكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ تَلُوهُ مِنّي، وَأَلِيَهُ مِنْ غَيْرِكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَلِيَهُ مِنْكُمْ. فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: قَدْ عَرَضَ نِصْفًا، فَاقْبَلُوهُ [(١)] . وَاَللهِ لَا تُنْصَرُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا عَرَضَ مِنْ النّصْفِ. قَالَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاَللهِ، لَا نَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَنَا اللهُ مِنْهُمْ، وَلَا نَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ، وَلَا يَعْتَرِضُ [(٢)] لِعِيرِنَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا.
قَالُوا: وَأَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتّى وَرَدُوا الْحَوْضَ- مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ- فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ تَجْلِيَتَهُمْ [(٣)]- يَعْنِي طَرْدَهُمْ- فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: دَعُوهُمْ! فَوَرَدُوا الْمَاءَ فَشَرِبُوا، فَمَا شَرِبَ مِنْهُ أَحَدٌ إلّا قُتِلَ، إلّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ.
فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: نَجَا حَكِيمٌ مِنْ الدّهْرِ مَرّتَيْنِ لِمَا أَرَادَ اللهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ. خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ جُلُوسٌ يُرِيدُونَهُ، فَقَرَأَ «يس» وَذَرّ [(٤)] عَلَى رُءُوسِهِمْ التّرَابَ، فَمَا انْفَلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا قُتِلَ إلّا حَكِيمٌ، وَوَرَدَ الْحَوْضَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَا وَرَدَ الْحَوْضَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إلّا قُتِلَ إلّا حَكِيمٌ.
_________________
(١) [(١)] فى ح: «فلبوه» . [(٢)] فى ح: «ولا يعرض» . [(٣)] فى ب، ت: «تخليتهم»، وفى ح: «تنحّيهم» . [(٤)] فى ح: «ونثر» .
[ ١ / ٦١ ]
قَالُوا: فَلَمّا اطْمَأَنّ الْقَوْمُ بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ- وَكَانَ صَاحِبَ قِدَاحٍ- فَقَالُوا: احْزِرْ لَنَا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ. فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْمُعَسْكَرِ فَصَوّبَ فِي الْوَادِي وَصَعِدَ، يَقُولُ: عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَدَدٌ أَوْ كَمِينٌ. ثُمّ رَجَعَ فقال: لا مدد ولا كمين، القوم ثلاثمائة إنْ زَادُوا قَلِيلًا، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَمَعَهُمْ فَرَسَانِ. ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، الْبَلَايَا [(١)] تَحْمِلُ الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ، قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ! أَلَا تَرَوْنَهُمْ خُرْسًا لَا يَتَكَلّمُونَ، يَتَلَمّظُونَ تَلَمّظَ الْأَفَاعِي! وَاَللهِ، مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتّى يَقْتُلَ مِنّا رَجُلًا، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَمَا خَيْرٌ فِي العيش بعد ذلك! فارتأوا رَأْيَكُمْ! حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمّا قَالَ لَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَرْسَلُوا أَبَا أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ- وَكَانَ فَارِسًا- فَأَطَافَ بِالنّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: مَا رَأَيْت؟ قَالَ: وَاَللهِ، مَا رَأَيْت جَلَدًا، وَلَا عَدَدًا، وَلَا حَلْقَةً، وَلَا كُرَاعًا. وَلَكِنّي وَاَللهِ رَأَيْت قَوْمًا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَئُوبُوا [(٢)] إلَى أَهْلِيهِمْ، قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ، لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ، زُرْقُ الْعُيُونِ كَأَنّهُمْ الْحَصَى تَحْتَ الْحَجَفِ [(٣)] . ثُمّ قَالَ:
أَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ. فَصَوّبَ فِي الْوَادِي ثُمّ صَعِدَ، ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ، ثُمّ قَالَ: لَا كَمِينَ وَلَا مَدَدَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ! حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنَا مُحَمّدُ بن عبد الله،
_________________
(١) [(١)] البلايا: جمع بلية، وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت. (شرح أبى ذر، ص ١٥٦) . [(٢)] فى ح: «أن يردوا» . [(٣)] الحجف: جمع الحجفة، وهي الترس. (الصحاح، ص ١٣٤١) .
[ ١ / ٦٢ ]
عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ رُومَانَ، قَالُوا: [لَمّا] [(١)] سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مَشَى فِي النّاسِ، وَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا، وَالْمُطَاعُ فِيهَا، فَهَلْ لَك أَلّا تَزَالَ مِنْهَا بِخَيْرٍ آخِرَ الدّهْرِ، مَعَ مَا فَعَلْت يَوْمَ عُكَاظٍ! وَعُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ رَئِيسُ النّاسِ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ: تَرْجِعُ بِالنّاسِ وَتَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِك، وَمَا أَصَابَ مُحَمّدٌ مِنْ تِلْكَ الْعِيرِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ. إنّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمّدٍ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا الدّمِ وَالْعِيرِ.
فَقَالَ عُتْبَةُ: قَدْ فَعَلْت وَأَنْتَ عَلَيّ بِذَلِكَ. قَالَ: ثُمّ جَلَسَ عُتْبَةُ عَلَى جَمَلِهِ، فَسَارَ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُ: يَا قَوْمِ، أَطِيعُونِي وَلَا تُقَاتِلُوا هَذَا الرّجُلَ وَأَصْحَابَهُ، وَاعْصِبُوا هَذَا الْأَمْرَ بِرَأْسِي وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا بِي، فَإِنّ مِنْهُمْ رِجَالًا قَرَابَتُهُمْ قَرِيبَةٌ، وَلَا يَزَالُ الرّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ، فَيُورِثُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ [(٢)] شَحْنَاءَ وَأَضْغَانًا، وَلَنْ تَخْلُصُوا إلَى قَتْلِهِمْ حَتّى يُصِيبُوا مِنْكُمْ عَدَدَهُمْ، مَعَ أَنّي لَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تَطْلُبُونَ إلّا دَمَ هَذَا الرّجُلِ [(٣)] وَالْعِيرَ الّتِي أَصَابَ، وَأَنَا أَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَيّ! يَا قَوْمِ، إنْ يَكُ مُحَمّدٌ كَاذِبًا يَكْفِيكُمُوهُ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ- ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ صَعَالِيكُ الْعَرَبِ- وَإِنْ يَكُ مَلِكًا أَكَلْتُمْ [(٤)] فِي مُلْكِ ابْنِ أَخِيكُمْ، وَإِنْ يَكُ نَبِيّا كُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ! يَا قَوْمِ، لَا تَرُدّوا نَصِيحَتِي، وَلَا تُسَفّهُوا رَأْيِي! قَالَ: فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ حِينَ سَمِعَ خُطْبَتَهُ وَقَالَ: إنْ يرجع الناس عن
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت. [(٢)] فى ت: «منهم»، وفى ح: «بينكم» . [(٣)] فى ح: «إلا دم القتيل منكم» . [(٤)] فى ح: «كنتم» .
[ ١ / ٦٣ ]
خُطْبَةِ عُتْبَةَ يَكُنْ سَيّدَ الْجَمَاعَةِ- وَعُتْبَةُ أَنْطَقُ النّاسِ، وَأَطْوَلُهُمْ [(١)] لِسَانًا، وَأَجْمَلُهُمْ جَمَالًا. ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ: أَنْشُدُكُمْ اللهَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا الْمَصَابِيحُ، أَنْ تَجْعَلُوهَا أَنْدَادًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا وُجُوهُ الْحَيّاتِ! فَلَمّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: إنّ عُتْبَةَ يُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ لِأَنّ ابْنَهُ مَعَ مُحَمّدٍ، وَمُحَمّدٌ ابْنُ عَمّهِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ وَابْنَ عَمّهِ. امْتَلَأَ، وَاَللهِ، سَحْرُك [(٢)] يَا عُتْبَةُ، وَجَبُنْت حِينَ الْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبِطَانِ! الْآنَ تُخَذّلُ بَيْنَنَا وَتَأْمُرُنَا بِالرّجُوعِ؟ لَا وَاَللهِ، لَا نَرْجِعُ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ! قَالَ: فَغَضِبَ عُتْبَةُ فَقَالَ: يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ، سَتَعْلَمُ أَيّنَا أَجْبَنُ وَأَلْأَمُ، وَسَتَعْلَمُ قُرَيْشٌ مَنْ الْجَبَانُ الْمُفْسِدُ لِقَوْمِهِ! [وَأَنْشَدَ ] [(٣)]
هَلْ جَبَانٌ [(٤)] وَأَمَرْت أَمْرِي فَبَشّرِي [(٥)] بِالثّكْلِ أُمّ عَمْرِو
ثُمّ ذَهَبَ أَبُو جَهْلٍ إلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ أَخِي الْمَقْتُولِ بِنَخْلَةَ، فَقَالَ، هَذَا حَلِيفُك- يَعْنِي عُتْبَةَ- يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنّاسِ وَقَدْ رَأَيْت ثَأْرَك بِعَيْنَيْك، وَيُخَذّلَ بَيْنَ النّاسِ، قَدْ تَحَمّلَ دَمَ أخيك وزعم أنّك قابل الدية. ألا تستحي [(٦)] تَقْبَلُ الدّيَةَ، وَقَدْ قَدَرْت عَلَى قَاتِلِ أَخِيك؟ قُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ. [(٧)]
فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَاكْتَشَفَ، ثُمّ حَثَا عَلَى رَأْسِهِ [(٨)] التّرَابَ، ثُمّ
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «وطواله لسانا» . وما أثبتناه عن سائر النسخ. [(٢)] السحر، ويحرك ويضم: الرئة. وانتفخ سحره، عدا طوره وجاوز قدره. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٤٥) . [(٣)] الزيادة عن ح. [(٤)] فى ت: «هذا جناي»، وفى ح: «هذا حيائى» . [(٥)] فى الأصل، ت: «وبشرا»: وما أثبتناه عن ب، ح. [(٦)] يقال استحيت بياء واحدة، وأصله استحييت مثل استعييت، فأعلوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء. (الصحاح، ص ٢٣٢٤) . [(٧)] انشد خفرتك: أى اذكرها، والحفرة: الذمة. (لسان العرب، ج ٤، ص ٢٥٣) . [(٨)] فى ت، ح: «استه» .
[ ١ / ٦٤ ]
صرخ: وا عمراه! يُخْزِي بِذَلِكَ عُتْبَةَ لِأَنّهُ حَلِيفُهُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ، فَأَفْسَدَ عَلَى النّاسِ الرّأْيَ الّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ عُتْبَةُ، وَحَلَفَ عَامِرٌ لَا يَرْجِعُ حَتّى يَقْتُلَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ. وَقَالَ [(١)] لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: حَرّشْ بَيْنَ النّاسِ! فَحَمَلَ عُمَيْرٌ، فَنَاوَشَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنْ يَنْقُضَ الصّفّ، فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَفّهِمْ وَلَمْ يَزُولُوا، وَتَقَدّمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيّ، فَشَدّ عَلَى الْقَوْمِ فَنَشِبَتْ الْحَرْبُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: لَمّا أَفْسَدَ الرّأْيَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى النّاسِ، وَحَرّشَ بَيْنَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مَهْجَعُ مَوْلَى عُمَرَ، فَقَتَلَهُ عَامِرٌ.
وَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ، قَتَلَهُ حِبّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ- وَيُقَالُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ- قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعُقَيْلِيّ. حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ الْمَكّيّينَ يَقُولُ إلّا حِبّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ.
قَالُوا: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي مَجْلِسِ وِلَايَتِهِ: يَا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ، أَنْتَ حَازِرُنَا لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، تُصَعّدُ فِي الْوَادِي وَتُصَوّبُ، كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى فَرَسِك [(٢)] تَحْتَك، تُخْبِرُ الْمُشْرِكِينَ أَنّهُ لَا كَمِينَ لَنَا وَلَا مَدَدَ! قَالَ:
إي وَاَللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَأُخْرَى، أَنَا وَاَللهِ الّذِي حَرّشْتُ بَيْنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وَلَكِنّ اللهَ جَاءَ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ، فَمَا كَانَ فِينَا مِنْ الشّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ عُمَرُ: صَدَقْت! قَالُوا: كَلّمَ عُتْبَةُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَقَالَ: لَيْسَ عند أحد خلاف إلّا
_________________
(١) [(١)] أى وقال أبو جهل. [(٢)] فى الأصل: «قريش تحتك جوا» . وما أثبتناه عن سائر النسخ.
[ ١ / ٦٥ ]
عِنْدَ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ، اذْهَبْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ «إنّ عُتْبَةَ يَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِهِ وَيَضْمَنُ الْعِيرَ» . قَالَ حَكِيمٌ: فَدَخَلْت عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ يَتَخَلّقُ بِخَلُوقٍ [(١)]، وَدِرْعُهُ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْت: إنّ عُتْبَةَ بَعَثَنِي إلَيْك. فَأَقْبَلَ عَلَيّ مُغْضَبًا فَقَالَ: أَمَا وَجَدَ عُتْبَةُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَك؟ فَقُلْت: أَمَا وَاَللهِ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَرْسَلَنِي مَا مَشَيْت فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَشَيْت فِي إصْلَاحٍ بَيْنَ النّاسِ، وَكَانَ أَبُو الْوَلِيدِ سَيّدَ. الْعَشِيرَةِ. فَغَضِبَ غَضْبَةً أُخْرَى فَقَالَ: وَتَقُولُ أَيْضًا سَيّدَ الْعَشِيرَةِ؟ فَقُلْت: أَنَا أَقُولُهُ؟ قُرَيْشٌ كُلّهَا تَقُولُهُ! فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَصِيحَ بِخَفْرَتِهِ، وَاكْتُشِفَ وَقَالَ: إنّ عُتْبَةَ جَاعَ فَاسْقُوهُ سَوِيقًا! وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: إنّ عُتْبَةَ جَاعَ فَاسْقُوهُ سَوِيقًا! وَجَعَلَ أَبُو جَهْلٍ يُسَرّ بِمَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِعُتْبَةَ. قَالَ حَكِيمٌ: فَجِئْت إلَى مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، فَقُلْت لَهُ مِثْلَ مَا قُلْت لِأَبِي جَهْلٍ، فَوَجَدْته خَيْرًا مِنْ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ: نِعْمَ مَا مَشَيْت فِيهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ عُتْبَةُ! فَرَجَعْت إلَى عُتْبَةَ فَوَجَدْته [(٢)] قَدْ غَضِبَ مِنْ كَلَامِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ جَمَلِهِ، وَقَدْ طَافَ عَلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفّ عَنْ الْقِتَالِ، فَيَأْبَوْنَ. فَحَمِيَ، فَنَزَلَ فَلَبِسَ دِرْعَهُ، وَطَلَبُوا لَهُ بَيْضَةً تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِدْ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُ رَأْسَهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ. فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ [(٣)] ثُمّ بَرَزَ [(٤)] بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ وَبَيْنَ ابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَبَيْنَا أَبُو جَهْلٍ فِي الصّفّ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى، حَاذَاهُ عُتْبَةُ وَسَلّ عُتْبَةُ سَيْفَهُ، فَقِيلَ: هُوَ وَاَللهِ يَقْتُلُهُ! فَضَرَبَ بِالسّيْفِ عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِي جَهْلٍ، فَاكْتَسَعَتْ [(٥)] الْفَرَسُ، فَقُلْت: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ! قَالُوا: قَالَ عُتْبَةُ: انْزِلْ، فَإِنّ هَذَا اليوم ليس
_________________
(١) [(١)] الخلوق: ضرب من الطيب. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٢٩) . [(٢)] فى ت: «فأجده» . [(٣)] الاعتجار: لف العمامة دون التلحي. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٨٥) . [(٤)] فى ح: «ثم برز راجلا» . [(٥)] اكتسعت الفرس: سقطت من ناحية مؤخرها ورمت بما عليها. (النهاية، ج ٤، ص ٢٠) .
[ ١ / ٦٦ ]
بِيَوْمِ رُكُوبٍ، لَيْسَ كُلّ قَوْمِك رَاكِبًا. فَنَزَلَ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ يَقُولُ:
سَتَعْلَمُ أَيّنَا أَشْأَمَ عَشِيرَتَهُ الْغَدَاةَ! ثُمّ
دَعَا عُتْبَةُ إلَى الْمُبَارَزَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَاضْطَجَعَ فَغَشِيَهُ النّوْمُ [(١)]، وَقَالَ: لَا تُقَاتِلُوا حَتّى أُوذِنَكُمْ، وَإِنْ كَثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَلَا تَسُلّوا السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْكُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَنَا الْقَوْمُ وَقَدْ نَالُوا مِنّا. فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ، وَقَدْ أَرَاهُ اللهُ إيّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا، وَقَلّلَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْيُنِ بَعْضٍ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، يُنَاشِدُ رَبّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النّصْرِ، وَيَقُولُ: اللهُمّ، إنْ تَظْهَرْ عَلَيّ هَذِهِ الْعِصَابَةُ يَظْهَرْ الشّرْكُ، وَلَا يَقُمْ لَك دِين. وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاَللهِ، لَيَنْصُرَنك اللهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك. وَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي أُشِيرُ عَلَيْك- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْظَمُ وَأَعْلَمُ بِاَللهِ مِنْ أَنْ يُشَارَ عَلَيْهِ- إنّ اللهَ أَجَلّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَنْشُدَهُ وَعْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، أَلَا أَنْشُدُ اللهَ وَعْدَهُ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ! *
وَأَقْبَلَ عُتْبَةُ يَعْمِدُ إلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ لَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: أَبَا الْوَلِيدِ، مَهْلًا، مَهْلًا! تَنْهَى عَنْ شَيْءٍ وَتَكُونُ أَوّلَهُ! وَقَالَ خِفَافُ بْنُ إيمَاءٍ: فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ تَصَافّ النّاسُ وَتَزَاحَفُوا [(٢)]، فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ ﷺ لَا يَسُلّونَ السّيُوفَ، وَقَدْ أَنْبَضُوا [(٣)] الْقِسِيّ، وَقَدْ تَرّسَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِصُفُوفٍ مُتَقَارِبَةٍ، لَا فُرَجَ بَيْنَهَا، وَالْآخَرُونَ قَدْ سَلّوا السّيُوفَ حِينَ طَلَعُوا. فَعَجِبْت مِنْ ذَلِكَ فَسَأَلْت بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ألّا نسل
_________________
(١) [(١)] فى ت: «فغشيه نوم غلبه» . [(٢)] فى ت: «وتراجعوا» . [(٣)] أنبض القوس: حرك وترها. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٤٥) .
[ ١ / ٦٧ ]
السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْنَا.
قَالُوا: فَلَمّا تَزَاحَفَ النّاسُ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ حِينَ دَنَا مِنْ الْحَوْضِ: أُعَاهِدُ اللهَ لَأَشْرَبَن مِنْ حَوْضِهِمْ، أَوْ لَأَهْدِمَنهُ، أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ. فَشَدّ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ حَتّى دَنَا مِنْ الحوض، فاستقبله حمزة ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَضَرَبَهُ فَأَطَنّ [(١)] قَدَمَهُ، فَزَحَفَ الْأَسْوَدُ حَتّى وَقَعَ فِي الْحَوْضِ فَهَدَمَهُ بِرِجْلِهِ الصّحِيحَةِ، وَشَرِبَ مِنْهُ، وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ فِي الْحَوْضِ فَقَتَلَهُ.
وَالْمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ عَلَى صُفُوفِهِمْ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنّهُمْ ظَاهِرُونَ، فَدَنَا النّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَخَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ حَتّى فَصَلُوا مِنْ الصّفّ، ثُمّ دَعَوْا إلَى الْمُبَارَزَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِتْيَانٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ:
معاذ ومعوّذ وعوف، بدو الْحَارِثِ- وَيُقَالُ ثَالِثُهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، والثبت عندنا أنّهم بنو عفراء- فاستحيى رسول الله ﷺ من ذَلِكَ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ أَوّلَ قِتَالٍ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَنْصَارِ، وَأَحَبّ أَنْ تَكُونَ الشّوْكَةُ لِبَنِي عَمّهِ وَقَوْمِهِ، فَأَمَرَهُمْ فَرَجَعُوا إلَى مَصَافّهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا. ثُمّ
نَادَى مُنَادِي الْمُشْرِكِينَ: يَا مُحَمّدُ، أَخْرِجْ لَنَا الْأَكْفَاءَ مِنْ قَوْمِنَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بَنِي هَاشِمٍ، قُومُوا فَقَاتَلُوا بِحَقّكُمْ الّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيّكُمْ، إذْ جَاءُوا بِبَاطِلِهِمْ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ.
فَقَامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طالب، وعبيدة بن الحارث ابن الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَمَشَوْا إلَيْهِمْ، فَقَالَ عُتْبَةُ: تَكَلّمُوا نَعْرِفْكُمْ- وَكَانَ عَلَيْهِمْ الْبِيضُ فَأَنْكَرُوهُمْ- فَإِنْ كُنْتُمْ أَكْفَاءَ قَاتَلْنَاكُمْ. فَقَالَ حَمْزَةُ:
أَنَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ. قَالَ عُتْبَةُ: كُفْءٌ كَرِيمٌ. ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ: وَأَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ، وَمَنْ هَذَانِ مَعَك؟ قال: علىّ
_________________
(١) [(١)] أطن: أطار. (شرح أبى ذر، ص ١٥٧) .
[ ١ / ٦٨ ]
ابن أبى طالب وعبيدة بن الحارث. قال: كفآن كَرِيمَانِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ لِعُتْبَةَ كَلِمَةً قَطّ أَوْهَنَ مِنْ قَوْلِهِ «أَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ»، يَعْنِي بِالْحُلَفَاءِ الْأَجَمَةَ [(١)] . ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ لِابْنِهِ: قُمْ يَا وَلِيدُ. فَقَامَ الْوَلِيدُ، وَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ، وَكَانَ أَصْغَرَ النّفَرِ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ ﵇. ثُمّ قَامَ عُتْبَةُ، وَقَامَ إلَيْهِ حَمْزَةُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ ﵁. ثُمّ قَامَ شَيْبَةُ، وَقَامَ إلَيْهِ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَسَنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَضَرَبَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ بِذُبَابِ السّيْفِ، فَأَصَابَ عَضَلَةَ سَاقِهِ فَقَطَعَهَا. وَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ عَلَى شَيْبَةَ فَقَتَلَاهُ، وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ فَحَازَاهُ إلَى الصّفّ، وَمُخّ سَاقِهِ يَسِيلُ، فَقَالَ عُبَيْدَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْت شَهِيدًا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَمَا وَاَللهِ، لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيّا لَعَلِمَ أَنّا أَحَقّ بِمَا قَالَ مِنْهُ [(٢)] حين يقول:
_________________
(١) [(١)] قال ابن أبى الحديد: قد رويت هذه الكلمة على صيغة أخرى: «وأنا أسد الحلفاء»، وروى: «أنا أسد الأحلاف» . قالوا فى تفسيرهما: أراد أنا سيد أهل الحلف المطيبين، وكان الذين حضروه بنى عبد مناف، وبنى أسد بن عبد العزى، وبنى تيم، وبنى زهرة، وبنى الحارث بن فهر، خمس قبائل. ورد قوم هذا التأويل فقالوا: إن المطيبين لم يكن يقال لهم الحلفاء ولا الأحلاف وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم، وهم بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، بنو جمح، وبنو عدى بن كعب، خمس قبائل. وقال قوم فى تفسيرهما: إنما عنى حلف الفضول، وكان بعد حلف المطيبين بزمان، وشهد حلف الفضول رسول الله ﷺ وهو صغير فى دار ابن جدعان، وكان سببه أن رجلا من اليمين قدم مكة بمتاع، فاشتراه العاص بن وائل السهمي، ومطله بالثمن حتى أتعبه، فقام بالحجر وناشد قريشا ظلامته، فاجتمع بنو هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيمم فى دار ابن جدعان، فتحالفوا وغمسوا أيديهم فى ماء زمزم بعد أن غسلوا به أركان البيت، أن ينصروا كل مظلوم بمكة ويردوا ظلامته، ويأخذوا على يد الظالم، وينهوا عن كل منكر، ما بل بحر صوفة، فسمى حلف الفضول لفضله وهذا التفسير أيضا غير صحيح لأن بنى عبد الشمس لم يكونوا فى حلف الفضول، فقد بان أن ما ذكره الواقدي أصح وأثبت. (نهج البلاغة، ج ٣، ص ٣٣٤) . [(٢)] فى ح: «لعلم أنى أحق بما قال حين يقول» .
[ ١ / ٦٩ ]
كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللهِ نُخْلِي مُحَمّدًا وَلَمّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ [(١)]
ونسلمه [(٢)] حتى نصرّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [(٣)] .
حَمْزَةُ أَسَنّ مِنْ النّبِيّ ﷺ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَالْعَبّاسُ أَسَنّ مِنْ النّبِيّ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
قَالُوا: وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ دَعَا إلَى الْبِرَازِ قَامَ إلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو حُذَيْفَةَ يُبَارِزُهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اجْلِسْ! فَلَمّا قَامَ إلَيْهِ النّفَرُ أَعَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ عَلَى أَبِيهِ بِضَرْبَةٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَيْبَةُ أَكْبَرُ مِنْ عُتْبَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ الزّهْرِيّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قَالَ: وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اللهُمّ، أَقْطَعُنَا لِلرّحِمِ، وَآتَانَا بِمَا لَا يَعْلَمُ، فَأَحِنْهُ [(٤)] الْغَدَاةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [(٥)] الْآيَةَ.
فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ: لَمّا تَوَاقَفَ النّاسُ أُغْمِيَ على رسول الله ﷺ سَاعَةً، ثُمّ كُشِفَ عَنْهُ فَبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجِبْرِيلَ فى جند من الملائكة فى ميمنة
_________________
(١) [(١)] ونناضل: نرامى بالسهام. (شرح أبى ذر، ص ٨٨) . [(٢)] فى ح: «وننصره» . [(٣)] سورة ٢٢ الحج ١٩. [(٤)] فأحنه: فأهلكه. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢١٨) . [(٥)] سورة ٨ الأنفال ١٩
[ ١ / ٧٠ ]
النّاسِ، وَمِيكَائِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ فِي مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِسْرَافِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ. وَإِبْلِيسُ قَدْ تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ يُذَمّرُ [(١)] الْمُشْرِكِينَ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ لَا غَالِبَ لَهُمْ مِنْ النّاسِ، فَلَمّا أَبْصَرَ عَدُوّ اللهِ الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ: إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ [(٢)] ! فَتَشَبّثَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ سُرَاقَةُ لِمَا سَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِ الْحَارِثِ فَسَقَطَ الْحَارِثُ، وَانْطَلَقَ إبْلِيسُ لَا يُرَى حَتّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا رَبّ، مَوْعِدُك الّذِي وَعَدْتنِي! وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَحَضّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ: لَا يَغُرّنكُمْ خِذْلَانُ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ إيّاكُمْ، فَإِنّمَا كَانَ عَلَى مِيعَادٍ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، سَيَعْلَمُ إذَا رَجَعْنَا إلَى قُدَيْدٍ [(٣)] مَا نَصْنَعُ بِقَوْمِهِ! لَا يَهُولَنكُمْ مَقْتَلُ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ، فَإِنّهُمْ عَجّلُوا وَبَطِرُوا حِينَ قَاتَلُوا! وَأَيْمُ اللهِ، لَا نَرْجِعُ الْيَوْمَ حَتّى نَقْرِنَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْحِبَالِ، فَلَا أُلْفِيَن أَحَدًا مِنْكُمْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا، نُعَرّفُهُمْ بِاَلّذِي صَنَعُوا لِمُفَارَقَتِهِمْ دِينَكُمْ وَرَغْبَتَهُمْ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ! حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَعَلَ النّبِيّ ﷺ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الرّحْمَنِ! وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ:
يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ! وَشِعَارَ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللهِ! حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمّدِ بن
_________________
(١) [(١)] يذمر: يحض. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٣٦) . [(٢)] انظر سورة ٨ الأنفال ٤٨ [(٣)] قديد: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦) .
[ ١ / ٧١ ]
عُمَرَ بْنِ عَلِيّ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيّ، قَالَ: كَانَ شِعَارُ رسول الله ﷺ يوم بَدْرٍ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ! قَالُوا: وَكَانَ فِتْيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ سَبْعَةٌ قَدْ أَسْلَمُوا، فَاحْتَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ فخرجوا معهم إلى بدروهم على الشكّ والارتياب: قيس [(١)] بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة، وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ. فَلَمّا قَدِمُوا بَدْرًا، وَرَأَوْا قِلّةَ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ، قالوا: غرّ هولاء دِينُهُمْ! يَقُولُ اللهُ ﷿: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(٢)] . وَهُمْ مَقْتُولُونَ الْآنَ. يَقُولُ اللهُ ﵎: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [(٢)]، ثُمّ ذَكَرَ الّذِينَ كَفَرُوا شَرّ الذّكْرِ فَقَالَ: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [(٣)] إلَى قَوْلِهِ: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [(٤)] . يَقُولُ: يُقْبِلُونَ، نَكَلَ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ كُلّهَا. وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [(٥)] . يَقُولُ: وَإِنْ قَالُوا قَدْ أَسْلَمْنَا عَلَانِيَةً، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ.
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [(٦)] . يَقُولُ: أَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «أبو قيس» . [(٢)] سورة ٨ الأنفال ٤٩ [(٣)] سورة ٨ الأنفال ٥٥/ ٥٦ [(٤)] سورة ٨ الأنفال ٥٧ [(٥)] سورة ٨ الأنفال ٦١ [(٦)] سورة ٨ الأنفال ٦٢/ ٦٣
[ ١ / ٧٢ ]
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(١)] .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي الرّجَالِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ: جَعَلَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقُوّةِ أَنْ يَغْلِبَ الْعِشْرُونَ إذَا كَانُوا صَابِرِينَ مِائَتَيْنِ، وَيَمُدّهُمْ يَوْمَ بَدْر بِأَلْفَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَلَمّا عَلِمَ أَنّ فِيهِمْ الضّعْفَ خَفّفَ عَنْهُمْ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿، مَرْجَعَ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، فِيمَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ مِمّنْ يَدّعِي الْإِسْلَامَ عَلَى الشّكّ وَقُتِلَ مَعَ المشركين يومئذ- وكانوا سَبْعَةَ نَفَرٍ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، وَفِيهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ- وَفِيمَنْ أَقَامَ بِمَكّةَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ، فَقَالَ: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [(٢)] إلَى آخِرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ. قَالَ: وَكَتَبَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ إلَى مَنْ بِمَكّةَ مُسْلِمًا، فَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الْجُنْدُعِيّ [(٣)]: لَا عُذْرَ لِي وَلَا حُجّةَ فِي مُقَامِي بِمَكّةَ.
وَكَانَ مَرِيضًا، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: اخرجوا بى لعلّى أجد روحا. قالوا: أَيّ وَجْهٍ أَحَبّ إلَيْك؟ قَالَ: نَحْوَ التّنْعِيمِ. قَالَ: فَخَرَجُوا بِهِ إلَى التّنْعِيمِ- وَبَيْنَ التّنْعِيمِ وَمَكّةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ- فَقَالَ: اللهُمّ إنّي خَرَجْت إلَيْك مُهَاجِرًا! فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [(٤)]، إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَكّةَ مِمّنْ يُطِيقُ الْخُرُوجَ خَرَجُوا، فَطَلَبَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَرَدّوهُمْ وَسَجَنُوهُمْ، فَافْتُتِنَ مِنْهُمْ نَاسٌ، فَكَانَ الّذِينَ اُفْتُتِنُوا حِينَ أَصَابَهُمْ الْبَلَاءُ. فأنزل الله
_________________
(١) [(١)] سورة ٨ الأنفال ٦٣ [(٢)] سورة ١٦ النحل ٢٨ [(٣)] فى الأصل: «الخندعى» . وما أثبتناه عن سائر النسخ، والبلاذري عن الواقدي. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٢٦٥) . [(٤)] سورة ٤ النساء ١٠٠
[ ١ / ٧٣ ]
﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [(١)]، إلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَآيَتَيْنِ بَعْدَهَا. فَكَتَبَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ إلَى مَنْ بِمَكّةَ مُسْلِمًا، فَلَمّا جَاءَهُمْ الْكِتَابُ بِمَا نَزَلَ فِيهِمْ قَالُوا:
اللهُمّ، إنّ لَك عَلَيْنَا إنْ أَفْلَتْنَا أَلّا نَعْدِلَ بِك أَحَدًا! فَخَرَجُوا الثّانِيَةَ، فَطَلَبَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ حَتّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ. وَاشْتَدّ الْبَلَاءُ عَلَى مَنْ رَدّوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبُوهُمْ وَآذَوْهُمْ، وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ. وَرَجَعَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَقَالَ لِقُرَيْشٍ: مَا كَانَ يُعَلّمُهُ إلّا ابْنُ قَمّطَةَ، عَبْدٌ نَصْرَانِيّ، قَدْ كُنْت أَكْتُبُ لَهُ فَأُحَوّلُ مَا أَرَدْت.
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [(٢)] وَاَلّتِي تَلِيهَا، وَأَنْزَلَ اللهُ فِيمَنْ رَدّ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ مِمّنْ أَصَابَهُ الْبَلَاءُ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [(٣)] وَثَلَاثَ آيَاتٍ بَعْدَهَا. وَكَانَ مِمّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ. ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي الّذِينَ فَرّوا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إلَى النّبِيّ ﷺ، الّذِينَ صَبَرُوا عَلَى الْعَذَابِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا [(٤)] إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَهّابِ بْنُ أَبِي حَيّةَ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ قَالَ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: نَادَى يَوْمَئِذٍ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيّةِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ
_________________
(١) [(١)] سورة ٢٩ العنكبوت ١٠ [(٢)] سورة ١٦ النحل ١٠٣ [(٣)] سورة ١٦ النحل ١٠٦ [(٤)] سورة ١٦ النحل ١١٠
[ ١ / ٧٤ ]
سُرَاقَةَ [(١)] قَدْ عَرَفْتُمْ قَوْمَهُ وَخِذْلَانَهُمْ لَكُمْ فِي كُلّ مَوْطِنٍ، فَاصْدُقُوا الْقَوْمَ الضّرْبَ فَإِنّي أَعْلَمُ أَنّ ابْنَيْ رَبِيعَةَ قَدْ عَجِلَا فِي مُبَارَزَتِهِمَا مَنْ بَارَزَا.
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي عُبَيْدُ بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة ابن رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: إنْ كُنّا لَنَسْمَعُ لِإِبْلِيسَ يَوْمَئِذٍ خُوَارًا، وَدَعَا بِالثّبُورِ وَالْوَيْلِ، وَتَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ، حَتّى هَرَبَ فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا يَقُولُ: يَا رَبّ، مَا وَعَدْتنِي! وَلَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ تُعَيّرُ سُرَاقَةَ بِمَا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ، فَيَقُولُ: وَاَللهِ، مَا صَنَعْت مِنْهُ شَيْئًا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ، قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ الْأَسْلَمِيّ. عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ حنين مولى بنى العبّاس، عن عمارة ابن أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ، قَالَ: حَدّثَنِي شَيْخٌ عَرّاكٌ- عَرّاكٌ: صَيّادٌ مِنْ الْحَيّ- كَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى السّاحِلِ مُطِلّا عَلَى الْبَحْرِ، قَالَ: سَمِعْت صِيَاحًا: يَا وَيْلَاه! مَلَأَ الْوَادِيَ! يَا حُزْنَاهُ [(٢)] ! فَنَظَرْت فَإِذَا سراقة بن جعشم، فدنوت منه فقلت: مالك فِدَاك أَبِي وَأُمّي! فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيّ شَيْئًا، ثُمّ أَرَاهُ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا يَقُولُ: يَا رَبّ، مَا وَعَدْتنِي! فَقُلْت فِي نَفْسِي: جُنّ وَبَيْتِ اللهِ سُرَاقَةُ! وَذَلِكَ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ، وَذَاكَ عِنْدَ [(٣)] انْهِزَامِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَالُوا: وَكَانَ سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ عَمَائِمَ قَدْ أَرْخَوْهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، خُضْرًا وَصُفْرًا وَحُمْرًا مِنْ نُورٍ، وَالصّوفُ فِي نَوَاصِي خَيْلِهِمْ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ، فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ
_________________
(١) [(١)] فى ب، ت: «إن سراقة لا سراقة» . [(٢)] فى ت: «يا حسرتاه» . [(٣)] فى ث: «بعد انهزامهم» .
[ ١ / ٧٥ ]
عَلَيْهِ وَسَلّمَ: إنّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ سَوّمَتْ فَسَوّمُوا. فَأَعْلَمُوا بِالصّوفِ فِي مَغَافِرِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ.
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: وَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يُعْلِمُونَ فِي الزّحُوفِ:
حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المطلب معلم يوم بدر بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ، وَكَانَ عَلِيّ ﵇ مُعْلِمًا بِصُوفَةٍ بَيْضَاءَ، وَكَانَ الزّبَيْرُ مُعْلِمًا بِعِصَابَةٍ صَفْرَاءَ. وَكَانَ الزّبَيْرُ يُحَدّثُ: إنّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، عَلَيْهَا عَمَائِمُ صُفْرٌ.
فَكَانَ عَلَى الزّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ عِصَابَةٌ صَفْرَاءُ، وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ يُعْلِمُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ.
حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قال: حدّثنى عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عبد الله ابن أَبِي أُمَيّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَوْلًى لِسُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْت سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، مُعْلِمِينَ، يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ. وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ يُحَدّثُ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ: لَوْ كنت معكم الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشّعْبَ- وَهُوَ الْمَلْصُ [(١)]- الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكّ فِيهِ وَلَا أَمْتَرِي. فَكَانَ يُحَدّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَدّثَهُ، قَالَ: أَقْبَلْت وَابْنُ عَمّ لِي يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى صَعِدْنَا عَلَى جَبَلٍ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ، وَنَحْنُ عَلَى إحْدَى عُجْمَتَيْ بَدْرٍ- الْعُجْمَةُ الشّامِيّةُ، الْعُجْمَةُ مِنْ رَمْلٍ- نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدّائِرَةُ [(٢)] فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ، إذْ رَأَيْت سَحَابَةً دَنَتْ مِنّا، فَسَمِعْت فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ وَقَعْقَعَةَ اللّجُمِ وَالْحَدِيدِ، وسمعت قائلا يقول:
_________________
(١) [(١)] ملص بفتح أوله وإسكان ثانية: موضع بعينه، أنشد أبو حنيفة فما زال يسقى بطن ملص وعرعرا* وأرضهما حتى اطمأن جسيمها (لسان العرب، ج ٧، ص ٩٥) . [(٢)] فى ب، ت، ح: «الديرة» .
[ ١ / ٧٦ ]
أَقْدِمْ حَيْزُومُ! فَأَمّا ابْنُ عَمّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ، وَأَمّا أَنَا فَكِدْت أَهْلَكَ، فَتَمَاسَكْت وَأَتْبَعْت الْبَصَرَ حَيْثُ تَذْهَبُ السّحَابَةُ، فَجَاءَتْ إلَى النبىّ ﵌ وَأَصْحَابِهِ، ثُمّ رَجَعَتْ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمّا كُنْت أَسْمَعُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الواقدىّ قال: فحدّثنى خارجة بن إبراهيم ابن مُحَمّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ جِبْرِيلَ: مَنْ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ «أَقْدِمْ حَيْزُومُ»؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمّدُ، مَا كُلّ أَهْلِ السّمَاءِ أَعْرِفُ.
قَالَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدة عبيد ابن أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ، عَنْ ابْنِ عَمّ لَهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَابْنُ عَمّ لِي عَلَى مَاءِ بَدْرٍ، فَلَمّا رَأَيْنَا قِلّةَ مَنْ مَعَ مُحَمّدٍ وَكَثْرَةَ قُرَيْشٍ، قُلْنَا: إذَا الْتَقَتْ الْفِئَتَانِ عَمَدْنَا إلَى عَسْكَرِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَ الْمُجَنّبَةِ الْيُسْرَى مِنْ أَصْحَابِ محمّد، ونحن نقول: هولاء ربع قريش! فبينما نحن نمشي فى المسيرة، إذْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَغَشِيَتْنَا، فَرَفَعْنَا أَبْصَارَنَا إلَيْهَا فَسَمِعْنَا أَصْوَاتَ الرّجَالِ وَالسّلَاحِ، وَسَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ لِفَرَسِهِ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ! وَسَمِعْنَاهُمْ يَقُولُونَ: رُوَيْدًا، تَتَامّ أُخْرَاكُمْ! فَنَزَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌، ثُمّ جَاءَتْ أُخْرَى مِثْلَ تِلْكَ، وَكَانَتْ مع النبىّ ﵌، فَنَظَرْنَا إلَى النّبِيّ ﵌ وَأَصْحَابِهِ فَإِذَا هُمْ الضّعْفُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَمَاتَ ابْنُ عَمّي، وَأَمّا أَنَا فَتَمَاسَكْت وَأَخْبَرْت النبىّ ﵌. وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ.
قَالُوا: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: ما رؤي [(١)] الشيطان يوما هو
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «مارى» .
[ ١ / ٧٧ ]
فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَحْقَرُ [(١)]، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ- وَمَا ذَاكَ إلّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزّلِ الرّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنْ الذّنُوبِ الْعِظَامِ- إلّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إنّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ.
قَالُوا: قَالَ رسول الله ﵌ يومئذ: هذا جبرئيل يَسُوقُ الرّيحَ كَأَنّهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيّ، إنّي نُصِرْت بِالصّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدّبُورِ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ:
كَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلَيْنِ، عَنْ يَمِينِ النّبِيّ ﵌ أَحَدُهُمَا، وَعَنْ يَسَارِهِ أَحَدُهُمَا، يُقَاتِلَانِ أَشَدّ الْقِتَالِ، ثُمّ ثَلّثَهُمَا ثَالِثٌ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمّ رَبّعَهُمَا، رَابِعٌ أَمَامَهُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ زِيَادٍ، مَوْلَى سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْت رَجُلَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَاتِلَانِ عَنْ النبىّ ﵌، أَحَدُهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِنّي لَأَرَاهُ يَنْظُرُ إلَى ذَا مَرّةً وَإِلَى ذَا مَرّةً، سُرُورًا بِمَا ظَفّرَهُ [(٢)] اللهُ تَعَالَى.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ، حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا أَدْرِي كَمْ يَدٍ مَقْطُوعَةٍ وَضَرْبَةٍ جَائِفَةٍ [(٣)] لَمْ يَدْمَ كَلْمُهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَدْ رَأَيْتهَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ، فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أبى بردة بن نيار، قال: جئت
_________________
(١) [(١)] فى ب: «ولا أحقر ولا أدخر ولا أغيظ»، وفى ح: «ولا أدحر ولا أغضب» . [(٢)] فى ح: «بما فتحه» . [(٣)] جائفة: طعنة تبلغ الجوف. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ١٢٥) .
[ ١ / ٧٨ ]
يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثَةِ رُءُوسٍ، فَوَضَعْتهَا بَيْنَ يَدَيْ رسول الله ﵌، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتهمَا، وَأَمّا الثّالِثُ فَإِنّي رَأَيْت رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ فَتَدَهْدَى [(١)] أَمَامَهُ، فَأَخَذْت رَأْسَهُ. فَقَالَ رسول الله ﵌: ذَاكَ فُلَانٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ:
لَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوّرُ فِي صُورَةِ مَنْ يَعْرِفُونَ مِنْ النّاسِ يُثَبّتُونَهُمْ، فَيَقُولُ: إنّي قَدْ دَنَوْت مِنْهُمْ فَسَمِعْتهمْ يَقُولُونَ: لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا، لَيْسُوا بِشَيْءٍ. وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ ﵎: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [(٢)]، إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ السّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ الْأَسَدِيّ يُحَدّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ يَقُولُ: وَاَللهِ، مَا أَسَرَنِي أَحَدٌ مِنْ النّاسِ. فَيُقَالُ: فَمَنْ؟ فَيَقُولُ: لَمّا انْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ انْهَزَمْت مَعَهَا، فَيُدْرِكُنِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَوْثَقَنِي رِبَاطًا، وَجَاءَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدَنِي مَرْبُوطًا، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يُنَادِي فِي الْمُعَسْكَرِ: مَنْ أَسَرَ هَذَا؟ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ أَسَرَنِي، حَتّى انْتَهَى بِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﵌: يَا ابْنَ أَبِي حُبَيْشٍ، مَنْ أَسَرَك؟ فَقُلْت: لَا أَعْرِفُ. وَكَرِهْت أَنْ أُخْبِرَهُ بِاَلّذِي رَأَيْت، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَسَرَهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَرِيمٌ، اذْهَبْ يَا ابْنَ عَوْفٍ بِأَسِيرِك!
فَذَهَبَ بِي عَبْدُ الرحمن.
_________________
(١) [(١)] تدهدى: تدحرج. (النهاية، ج ٢، ص ٣٧) . [(٢)] سورة ٨ الأنفال ١٢
[ ١ / ٧٩ ]
فَقَالَ السّائِبُ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَحْفَظُهَا، وَتَأَخّرَ إسْلَامِي حَتّى كَانَ مَا كَانَ مِنْ إسْلَامِي.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْمَ بَدْرٍ وقد وقع بوادي خلص بجاد [(١)] من المساء قَدْ سَدّ الْأُفُقَ- وَوَادِي خَلْصٍ نَاحِيَةَ الرّوَيْثَةِ- فَإِذَا الْوَادِي يَسِيلُ نَمْلًا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّ هَذَا شَيْءٌ مِنْ السّمَاءِ أُيّدَ بِهِ مُحَمّدٌ، فَمَا كَانَتْ إلّا الْهَزِيمَةُ، وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ.
قَالُوا: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ، وَكَانَ قَدْ لَبِسَ السّلَاحَ يَوْمًا بِمَكّةَ فِي بَعْضِ مَا كَانَ بَلَغَ مِنْ النّبِيّ ﵌ مِنْ الْأَذَى، فَقَالَ: لَا يَعْتَرِضُ الْيَوْمَ أَحَدٌ لِمُحَمّدٍ بِأَذًى إلّا وَضَعْت فِيهِ السّلَاحَ. فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ النّبِيّ ﵌. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ:
فَلَحِقْته فَقُلْت: إنّ رَسُولَ اللهِ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِك إنْ أَعْطَيْت بِيَدِك. قَالَ:
وَمَا تُرِيدُ إلَيّ؟ إنْ كَانَ نَهَى عَنْ قَتْلِي قَدْ كُنْت أبليته ذلك، فأمّا أن أعطى بيدي، فو اللّات وَالْعُزّى لَقَدْ عَلِمَ نِسْوَةٌ بِمَكّةَ أَنّي لَا أُعْطِي بِيَدِي، وَقَدْ عَرَفْت أَنّك لَا تَدَعَنِي، فَافْعَلْ الّذِي تُرِيدُ. وَرَمَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَهْمٍ، وَقَالَ: اللهُمّ سَهْمُك، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ عَبْدُك، فَضَعْهُ فى مقتل! وأبو البخترىّ دارع، فقتق السّهْمُ الدّرْعَ فَقَتَلَهُ. وَيُقَالُ إنّ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ [(٢)] قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ وَلَا يَعْرِفُهُ. وَقَالَ الْمُجَذّرُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا [(٣)] عَرّفَ أَنّهُ قَتَلَهُ. ونهى النبىّ صلّى
_________________
(١) [(١)] البجاد: الكساء. وفى حديث جبير بن مطعم: نظرت والناس يقتلون يوم حنين إلى مثل البجاد الأسود يهوى من السماء، أراد الملائكة. (النهاية، ج ١، ص ٦٠) . [(٢)] فى ت: «المحذر بن زياد» بالزاي، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهكذا ذكره ابن سعد أيضا. (الطبقات، ج ٢، ص ٣٠) . [(٣)] ذكر ابن إسحاق أبيات المجذر. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٨٢) .
[ ١ / ٨٠ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَقَالَ: ائْسِرُوهُ وَلَا تَقْتُلُوهُ! وَكَانَ كَارِهًا لِلْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ، فَلَقِيَهُ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ فَقَتَلَهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، فَبَلَغَ النّبِيّ ﵌ فَقَالَ: لَوْ وَجَدْته قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ لَتَرَكْته لِنِسَائِهِ.
وَنَهَى عَنْ قَتْلِ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَقَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ [(١)] وَلَا يَعْرِفُهُ.
قَالُوا: وَلَمّا لَحِمَ الْقِتَالُ، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى النّصْرَ وَمَا وَعَدَهُ. يَقُولُ: اللهُمّ إنْ ظُهِرَ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشّرْكُ، وَلَا يَقُومُ لَك دين! وأبو بكر ﵁ يَقُولُ: وَاَللهِ، لَيَنْصُرَنك اللهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أَكْنَافِ الْعَدُوّ. قَالَ رسول الله ﵌: يَا أَبَا بَكْرٍ أَبْشِرْ، هَذَا جِبْرِيلُ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ، آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ، بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمّا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ تَغَيّبَ عَنّي سَاعَةً ثُمّ طَلَعَ، عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ، يَقُولُ: أَتَاك نَصْرُ اللهِ إذْ دَعَوْته.
قَالُوا: وأمر رسول الله ﵌، فَأَخَذَ مِنْ الْحَصْبَاءِ كَفّا فَرَمَاهُمْ بِهَا، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ! اللهُمّ، أَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ! فَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللهِ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَالْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا امْتَلَأَ وَجْهُهُ وَعَيْنَاهُ، مَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجّهُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقْتُلُونَهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ.
وَقَالَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ:
أَنَا عَدِيّ وَالسّحْلِ أَمْشِي بِهَا مَشْيَ الْفَحْلِ
يَعْنِي دِرْعَهُ. فَقَالَ النّبِيّ ﵌: من عدى؟ فقال رجل
_________________
(١) [(١)] فى ب: «ثابت بن الجدع» بالدال المهملة، وما أثبتناه عن سائر النسخ وابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ٧٤) .
[ ١ / ٨١ ]
مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ عَدِيّ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالَ: ابْنَ فُلَانٍ. قَالَ:
لَسْت أَنْتَ عَدِيّا! فَقَالَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ عَدِيّ. قَالَ:
وَمَاذَا؟ قَالَ: وَالسّحْلُ أَمْشِي بِهَا مَشْيَ الْفَحْلِ. قَالَ النبىّ ﵌: وَمَا السّحْلُ؟ قَالَ: الدّرْعُ. قَالَ رَسُولُ الله ﵌:
نِعْمَ الْعَدِيّ، عَدِيّ بْنَ أَبِي الزّغْبَاءِ! وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَكّةَ، وَالنّبِيّ ﵌ مُهَاجِرٌ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَقُولُ [(١)]:
يَا رَاكِبَ النّاقَةِ الْقَصْوَاءِ هَاجَرْنَا عَمّا قَلِيلٍ تَرَانِي رَاكِبَ الْفَرَسِ
أُعِلّ رُمْحِي فِيكُمْ ثُمّ أُنْهِلُهُ وَالسّيْفُ يَأْخُذُ مِنْكُمْ كُلّ مُلْتَبِسِ
أَنْشَدَنِيهَا ابْنُ أَبِي الزّناد. فقال النبىّ ﵌ وَبَلَغَهُ قَوْلُهُ:
اللهُمّ أَكِبّهُ لِمَنْخَرِهِ وَاصْرَعْهُ!
قَالَ: فَجَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ، فَأَمَرَ بِهِ النبىّ ﵌ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ [(٢)]، فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا.
وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: إنّي لَأَجْمَعُ أَدْرَاعًا لِي يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ وَلّى النّاسُ، فَإِذَا أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو فَلَمّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سُمّيت عَبْدَ الرّحْمَنِ، فَكَانَ يَلْقَانِي فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَا أُجِيبُهُ. فَيَقُولُ: إنّي لَا أَقُولُ لَك عَبْدَ الرّحْمَنِ، إنّ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ يَتَسَمّى بِالرّحْمَنِ فَأَنَا لَا أَدْعُوك إلَيْهِ. فَكَانَ يَدْعُونِي عَبْدَ الْإِلَهِ، فَلَمّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأَيْته عَلَى [(٣)] جَمَلٍ أَوْرَقَ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَلِيّ،
_________________
(١) [(١)] فى ت: «كان يقول بمكة» . [(٢)] فى الأصل: «الأفلح»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، والبلاذري. (أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٤) . [(٣)] هكذا فى الأصل. وفى ب، ت: «رأيته كأنه جمل أورق»، وفى ح: «كأنه جمل يساق» .
[ ١ / ٨٢ ]
فَنَادَانِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو. فَأَبَيْت أَنْ أُجِيبَهُ، فَنَادَى: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ. فَأَجَبْته، فَقَالَ: أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللّبَنِ [(١)]؟ نَحْنُ خَيْرٌ لَك مِنْ أَدْرَاعِك هَذِهِ. فَقُلْت:
امْضِيَا! فَجَعَلْت أَسُوقُهُمَا أَمَامِي. وَقَدْ رَأَى أُمَيّةُ أَنّهُ قَدْ أَمِنَ بَعْضَ الْأَمْنِ، فَقَالَ لِي أُمَيّةُ: رَأَيْت رَجُلًا فِيكُمْ الْيَوْمَ مُعْلِمًا، فِي صَدْرِهِ رِيشَةُ نَعَامَةٍ، مَنْ هُوَ؟ قُلْت: حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. فَقَالَ: ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ.
ثُمّ قَالَ: فَمَنْ رَجُلٌ دَحْدَاحٌ قَصِيرٌ، مُعْلِمٌ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ؟ قَالَ، قُلْت:
ذَاكَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ [(٢)] . فَقَالَ: وَبِذَاكَ أَيْضًا يَا عَبْدَ الْإِلَهِ صِرْنَا الْيَوْمَ جُزُرًا لكم! قال: فبينا هو معنى أُزْجِيهِ أَمَامِي، وَمَعَهُ ابْنُهُ، إذْ بَصُرَ بِهِ بَلَالٌ وَهُوَ يَعْجِنُ عَجِينًا لَهُ، [فَتَرَكَ الْعَجِينَ] [(٣)] وَجَعَلَ يَفْتِلُ يَدَيْهِ مِنْ الْعَجِينِ فَتْلًا ذَرِيعًا، وَهُوَ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ رَأْسُ الْكُفْرِ، لَا نَجَوْت إنْ نَجَا! قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ: فَأَقْبَلُوا كَأَنّهُمْ عُوذٌ [(٤)] حَنّتْ إلَى أَوْلَادِهَا، حَتّى طُرِحَ أُمَيّةُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَاضْطَجَعْت عَلَيْهِ، وَأَقْبَلَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَأَدْخَلَ سَيْفَهُ فَاقْتَطَعَ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ، فَلَمّا فَقَدَ أُمَيّةُ أَنْفَهُ قَالَ: إيه عَنْك! أَيْ خَلّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ:
فَذَكَرْت قَوْلَ حَسّانٍ* أَوْ عَنْ ذَلِكَ الْأَنْفِ جَادِع* وَأَقْبَلَ إلَيْهِ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ، وَقَدْ ضَرَبَ أُمَيّةُ خُبَيْبَ بْنَ يَسَافٍ حَتّى قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْمَنْكِبِ، فَأَعَادَهَا النّبِيّ ﵌ [(٥)] فَالْتَحَمَتْ وَاسْتَوَتْ، فَتَزَوّجَ خُبَيْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنَةَ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَرَأَتْ تِلْكَ الضّرْبَةَ فقالت:
_________________
(١) [(١)] قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرنى افتديت منه بإبل كثيرة اللبن. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٨٤) . [(٢)] وهو أبو دجانة. [(٣)] الزيادة عن ب، ت، ح. [(٤)] العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٦) . [(٥)] فى ب، ت: «فأعادها النبي ﵌ بيده» .
[ ١ / ٨٣ ]
لَا يُشِلّ اللهُ يَدَ رَجُلٍ [فَعَلَ] [(١)] هَذَا! فَقَالَ خُبَيْبٌ: وَأَنَا وَاَللهِ قَدْ أَوْرَدَتْهُ شَعُوبٌ.
فَكَانَ خُبَيْبٌ يُحَدّثُ قَالَ: فَأَضْرِبُهُ فَوْقَ الْعَاتِقِ، فَأَقْطَعُ عَاتِقَهُ حَتّى بَلَغْت مُؤْتَزَرَهُ وَعَلَيْهِ الدّرْعُ. وَأَنَا أَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ يَسَافٍ! وَأَخَذْت سِلَاحَهُ، وَدِرْعَهُ مَقْطُوعَةٌ. وَأَقْبَلَ عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ، فَيَعْتَرِضُ لَهُ الْحُبَابُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، فَصَاحَ صَيْحَةً مَا سُمِعَ مِثْلُهَا قَطّ جَزَعًا، وَلَقِيَهُ عَمّارٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ. وَيُقَالُ إنّ عَمّارًا لَاقَاهُ قَبْلَ الضّرْبَةِ [(٢)]، فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ فَقَتَلَهُ.
وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ أَنّهُ ضَرَبَهُ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ رِجْلُهُ، وَقَدْ سَمِعْنَا فِي قَتْلِ أُمَيّةَ غَيْرَ ذَلِكَ.
حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَحْدَقْنَا بِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ لَهُ فِيهِمْ شَأْنٌ، وَمَعِي رُمْحِي وَمَعَهُ رُمْحُهُ، فَتَطَاعَنَا حَتّى سَقَطَتْ رِمَاحُنَا [(٣)] ثُمّ صِرْنَا إلَى السّيْفَيْنِ فَتَضَارَبْنَا بِهِمَا حَتّى انْثَلَمَا، ثُمّ بَصُرْت بِفَتْقٍ فِي دِرْعِهِ تَحْتَ إبِطِهِ، فَخَشَشْت [(٤)] السّيْفَ فِيهِ حَتّى قَتَلْته، وَخَرَجَ السيف وعليه والودك. وَقَدْ سَمِعْنَا وَجْهًا آخَرَ.
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ، قَالَتْ: قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ لِقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ: يَا قُدَامَةُ، أَنْتَ الْمُشْلِي بِأَبِي يَوْمَ بَدْرٍ النّاسَ! فَقَالَ قُدَامَةُ: لَا وَاَللهِ، مَا فَعَلْت، وَلَوْ فَعَلْت مَا اعْتَذَرْت مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ. قَالَ صَفْوَانُ: فمن يا قدام المشلى به يوم
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت، ح. [(٢)] أى قبل ضربة الحباب. [(٣)] فى ب، ت، ح: «أزجتهما» . [(٤)] فى ب، ح: «حششت»، وخششت: أدخلت. (النهاية، ج ١، ص ٢٩٥) .
[ ١ / ٨٤ ]
بَدْرٍ النّاسَ؟ قَالَ: رَأَيْت فِتْيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَقْبَلُوا إلَيْهِ، فِيهِمْ مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ، يَرْفَعُ سَيْفَهُ وَيَضَعُهُ [فِيهِ] . فَيَقُولُ صَفْوَانُ:
أَبُو قِرْدٍ! وَكَانَ مَعْمَرٌ رَجُلًا دَمِيمًا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ فَغَضِبَ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَى أُمّ صَفْوَانَ، وَهِيَ كَرِيمَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ، فَقَالَ:
مَا يَدَعُنَا صفوان من الأذى فى الجاهليّة وو الإسلام! فَقَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟
فَأَخْبَرَهَا بِمَقَالَةِ صَفْوَانَ لِمَعْمَرٍ حِينَ قَالَ «أَبُو قِرْدٍ» . فَقَالَتْ أُمّ صَفْوَانَ:
يَا صَفْوَانُ، تَنْتَقِصُ مَعْمَرَ بْنَ حَبِيبٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَاَللهِ، لَا أَقْبَلُ لَك كَرَامَةً سَنَةً. قَالَ صَفْوَانُ: يَا أُمّهُ، وَاَللهِ لَا أَعُودُ أَبَدًا، تَكَلّمْت بِكَلِمَةٍ لَمْ أُلْقِ بِهَا بَالًا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنِي الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِأُمّ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَنَظَرَتْ إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ بمكّة: هذا الذي قطع رج عَلِيّ بْنِ أُمَيّةَ، يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَتْ: دَعُونَا مِنْ ذِكْرِ مَنْ قُتِلَ عَلَى الشّرْكِ! قَدْ أَهَانَ اللهُ عَلِيّا بِضَرْبَةِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَكْرَمَ اللهُ الْحُبَابَ بِضَرْبِهِ عَلِيّا، قَدْ كَانَ على الإسلام حين خرج من ها هنا، فَقُتِلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ: لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ لَقِيت عُبَيْدَةَ بن سعيد ابن الْعَاصِ عَلَى فَرَسٍ، عَلَيْهِ لَأْمَةٌ كَامِلَةٌ لَا يُرَى مِنْهُ إلّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ- وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صَبِيّةٌ صَغِيرَةٌ يَحْمِلُهَا، وَكَانَ لَهَا بطين وكانت مسقمة- أما أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ! أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ! قال: وفي يدي عنزة
_________________
(١) [(١)] العنزة: الرمح الصغير. قال القالي: قال أبو العباس ثعلب: سميت العنزة عنزة من قولهم اعتنز الرجل إذا تنحى، وذلك أن الإمام يجعلها بين يديه إذا صلى ويقف دونها فتكون ناحية عنه. (ذيل الأمامى والنوادر، ص ١٦٢) .
[ ١ / ٨٥ ]
فَأَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَوَقَعَ، وَأَطَأُ بِرِجْلِي عَلَى خَدّهِ حَتّى أَخْرَجْت الْعَنَزَةَ مِنْ حَدَقَتِهِ [(١)] وَأَخْرَجْت حَدَقَتَهُ. وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْعَنَزَةَ، فَكَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
وَلَمّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَلَطُوا، أَقْبَلَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ السّهْمِيّ كَأَنّهُ ذِئْبٌ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، عَلَيْكُمْ بِالْقَاطِعِ، مُفَرّقِ الْجَمَاعَةِ، الْآتِي بِمَا لَا يُعْرَفُ. مُحَمّدٍ! لَا نَجَوْت إنْ نَجَا! وَيَعْتَرِضُهُ أَبُو دُجَانَةَ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وضربه أبو دجانة فقتاه. وَوَقَفَ عَلَى سَلَبِهِ يَسْلُبُهُ، فَمَرّ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ: دَعْ سَلَبَهُ حَتّى يُجْهَضَ [(٢)] الْعَدُوّ، وَأَنَا أَشْهَدُ لَك بِهِ. وَيُقْبِلُ مَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، فَضَرَبَ أَبَا دُجَانَةَ ضَرْبَةً، بَرَكَ أَبُو دُجَانَةَ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ، ثُمّ انْتَهَضَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ لَمْ يَصْنَعْ سَيْفُهُ شَيْئًا، حَتّى يَقَعُ مَعْبَدٌ بِحُفْرَةٍ أَمَامَهُ لَا يَرَاهَا، وَبَرَكَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ، فَذَبَحَهُ ذَبْحًا، وَأَخَذَ سَلَبَهُ.
قَالُوا: وَلَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ، وَرَأَتْ بَنُو مَخْزُومٍ مَقْتَلَ مَنْ قُتِلَ، قَالُوا:
أَبُو الْحَكَمِ، لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ، فَإِنّ ابْنَيْ رَبِيعَةَ قَدْ عَجّلَا وَبَطِرَا، وَلَمْ تُحَامِ عَلَيْهِمَا عَشِيرَتُهُمَا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو مَخْزُومٍ فَأَحْدَقُوا بِهِ، فَجَعَلُوهُ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ [(٣)] . وَأَجْمَعُوا أَنْ يَلْبَسُوا لَأْمَةَ أَبِي جَهْلٍ رَجُلًا منهم، فألبسوها عبد الله ابن الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ ﵇ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرَاهُ أَبَا جَهْلٍ، وَمَضَى عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ! ثُمّ أَلْبَسُوهَا أَبَا قَيْسِ بْنَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: فَصَمَدَ لَهُ حَمْزَةُ وهو يراه أبا جهل فضربه
_________________
(١) [(١)] هكذا فى الأصل. وفى ب، ت: «منعقفه»، وفى ح: «متعقفة» . [(٢)] فى ت: «نجهض» . [(٣)] قال ابن هشام: الحرجة الشجر الملتف. وفى الحديث عن عمر بن الخطاب أنه سأل أعرابيا عن الحرجة فقال: هي شجرة بين الأشجار لا يوصل إليها. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٨٧)
[ ١ / ٨٦ ]
فَقَتَلَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ! ثُمّ أَلْبَسُوهَا حَرْمَلَةَ بْنَ عَمْرٍو، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ ﵇ فَقَتَلَهُ، وَأَبُو جَهْلٍ فِي أَصْحَابِهِ. ثُمّ أَرَادُوا أَنْ يُلْبِسُوهَا خَالِدَ بْنَ الْأَعْلَمِ، فَأَبَى أَنْ يَلْبَسَهَا يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ معاذ بن عمرو ابن الْجَمُوحِ: نَظَرْت إلَى أَبِي جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
أَبُو الْحَكَمِ، لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ! فَعَرَفْت أَنّهُ هُوَ، فَقُلْت: وَاَللهِ لَأَمُوتَن دونه اليوم أو لا أخلصنّ إلَيْهِ! فَعَرَفْت أَنّهُ هُوَ، فَقُلْت: وَاَللهِ لَأَمُوتَن دونه عَلَيْهِ. فَضَرَبْته ضَرْبَةً وَطَرَحْت رِجْلَهُ مِنْ السّاقِ، فَشَبّهْتهَا بِالنّوَاةِ تَنْزُو مِنْ تَحْتِ الْمَرَاضِخِ [(١)] . ثُمّ أَقْبَلَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَيّ، فَضَرَبَنِي عَلَى عَاتِقِي، وَطَرَحَ يَدِي مِنْ الْعَاتِقِ، إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَتْ جِلْدَةٌ، فَإِنّي أَسْحَبُ يَدِي بِجِلْدَةٍ مِنْ خَلْفِي، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْت عَلَيْهَا رِجْلِي، فَتَمَطّيْت عَلَيْهَا حَتّى قَطَعْتهَا.
ثُمّ لَاقَيْت عِكْرِمَةَ وَهُوَ يَلُوذُ كُلّ مَلَاذٍ، فَلَوْ كَانَتْ يَدِي مَعِي لَرَجَوْت يَوْمَئِذٍ أَنْ أُصِيبَهُ. وَمَاتَ مُعَاذٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ، عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنّ النّبِيّ ﵌ نَفّلَ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ- وَهُوَ عِنْدَ آلِ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو الْيَوْمَ، بِهِ فَلّ- بَعْدَ أَنْ أرسل النبىّ ﵌ إلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ قَتَلَ أَبَاك؟ قَالَ: الّذِي قَطَعْت يَدَهُ. فدفعه رسول الله ﵌ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ عِكْرِمَةُ قَدْ قَطَعَ يَدَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
حَدّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
مَا كَانَ بَنُو المغيرة يشكّون أنّ سيف أبى الحكم صار إلى معاذ بن عمرو بن
_________________
(١) [(١)] المراضخ: جمع المرضخة، والمرضخة حجر يرضخ به النوى، أى يكسر. (النهاية، ج ٢، ص ٨٤.
[ ١ / ٨٧ ]
الْجَمُوحِ، وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ حَدّثَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو أَنّهُ قَضَى لَهُ النّبِيّ ﵌ بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ: فَأَخَذْت دِرْعَهُ وَسَيْفَهُ، فَبِعْت سَيْفَهُ بَعْدُ. وَقَدْ سَمِعْت فِي قَتْلِهِ غَيْرَ هَذَا وَأَخْذِ سَلَبِهِ.
حَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: عَبّأَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِلَيْلٍ فَصَفّنَا، فَأَصْبَحْنَا وَنَحْنُ عَلَى صُفُوفِنَا، فَإِذَا بِغُلَامَيْنِ لَيْسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ إلّا وَقَدْ رُبِطَتْ حَمَائِلُ [(١)] سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، فَالْتَفَتَ إلَيّ أَحَدُهُمَا فَقَالَ:
يَا عَمّ، أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ؟ قَالَ، قُلْت: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ:
بَلَغَنِي أَنّهُ يَسُبّ رَسُولَ اللهِ، فَحَلَفْت لَئِنْ رَأَيْته لَأَقْتُلَنهُ أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ.
فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ، وَالْتَفَتَ إلَيّ الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ فَقُلْت: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: ابْنَا الْحَارِثِ. قَالَ: فَجَعَلَا لَا يَطْرِفَانِ عَنْ أَبِي جَهْلٍ حَتّى إذَا كَانَ الْقِتَالُ خَلَصَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ وَقَتَلَهُمَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ وَلَدِ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ: لَيْتَهُ كَانَ إلَى جَنْبِي مَنْ هُوَ آيَدُ [(٢)] مِنْ هَذَيْنِ الْفَتَيَيْنِ. فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ الْتَفَتَ إلَيّ عَوْفٌ، فَقَالَ: أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقُلْت: ذاك حيث ترى. فخرج بعدو إلَيْهِ كَأَنّهُ سَبُعٌ، وَلَحِقَهُ أَخُوهُ، فَأَنَا أَنْظُرُ إليهما يضطربان بالسيوف،
_________________
(١) [(١)] أى قد ربطت حمائل سيفه فى عنقه لصغره. [(٢)] فى ح: «أبدن من» .
[ ١ / ٨٨ ]
ثُمّ نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ مَرّ بِهِمَا فِي الْقَتْلَى وَهُمَا إلَى جَنْبِهِ [(١)] .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمّدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُنْكِرُ مَا يَقُولُ النّاسُ فِي ابْنَيْ عَفْرَاءَ مِنْ صِغَرِهِمْ، وَيَقُولُ: كَانَا يَوْمَ بَدْرٍ أَصْغَرُهُمَا ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَهَذَا يَرْبِطُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ؟ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الله بن أبى عبيده، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ رُبَيّعَ بِنْتِ مُعَوّذٍ، قَالَتْ: دَخَلْت فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتَ مُخَرّبَةَ [(٢)] أُمّ أَبِي جَهْلٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَكَانَ ابْنُهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ يَبْعَثُ إلَيْهَا بِعِطْرٍ مِنْ اليمن، وكانت تبيعة إلى لأعطية، فَكُنّا نَشْتَرِي مِنْهَا، فَلَمّا جَعَلَتْ لِي فِي قَوَارِيرِي، وَوَزَنَتْ لِي كَمَا وَزَنَتْ لِصَوَاحِبِي، قَالَتْ: اُكْتُبْنَ لِي عَلَيْكُنّ حَقّي. فَقُلْت: نَعَمْ، أَكْتُبُ لَهَا عَلَى الرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ. فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: حَلْقَى، وَإِنّك لَابْنَةُ قَاتِلِ سَيّدِهِ؟
قَالَتْ، قُلْت: لَا، وَلَكِنْ ابْنَةُ قَاتِلِ عَبْدِهِ. قَالَتْ: وَاَللهِ، لَا أَبِيعُك شَيْئًا أَبَدًا. فَقُلْت: وَأَنَا، وَاَللهِ، لا أشترى منك شيئا أبدا! فو الله، مَا هُوَ بِطِيبٍ وَلَا عَرْفٍ [(٣)] ! وَاَللهِ يَا بُنَيّ مَا شَمَمْت عِطْرًا قَطّ كَانَ أَطْيَبَ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَا بُنَيّ، غَضِبْت! قَالُوا: وَلَمّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ يُلْتَمَسَ أَبُو جَهْلٍ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْته فِي آخِرِ رَمَقٍ، فَوَضَعْت رِجْلِي
_________________
(١) [(١)] فى ح: «وهما إلى جانب أبى جهل» . [(٢)] فى الأصل: «مخرمة»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات، ج ٣، ص ١٩٤) . [(٣)] فى الأصل وب: «ولا عرق»، وما أثبتناه عن ت، ح.
[ ١ / ٨٩ ]
على عتقه فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَخْزَاك! قَالَ: إنّمَا أخرى اللهُ عَبْدَ ابْنِ أُمّ عَبْدٍ! لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ، لِمَنْ الدّائِرَةُ [(١)]؟ قُلْت:
لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأَقْتَلِعُ بَيْضَتَهُ عَنْ قَفَاهُ، فَقُلْت: إنّي قَاتِلُك يَا أَبَا جَهْلٍ! قَالَ: لَسْت بِأَوّلِ عَبْدٍ قَتَلَ سَيّدَهُ! أَمَا إنّ أَشَدّ مَا لَقِيته الْيَوْمَ فِي نَفْسِي لِقَتْلِك إيّايَ، أَلَا يَكُونُ وَلِيَ قَتْلِي رَجُلٌ مِنْ الْأَحْلَافِ أَوْ مِنْ الْمُطَيّبِينَ!
فَضَرَبَهُ عَبْدُ اللهِ ضَرْبَةً، وَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ سَلَبُهُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَى جَسَدِهِ، نَظَرَ إلَى حُصُرِهِ [(٢)] كَأَنّهَا السّيَاطُ. وَأَقْبَلَ بِسِلَاحِهِ، وَدِرْعِهِ، وَبَيْضَتِهِ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ:
أَبْشِرْ، يَا نَبِيّ اللهِ بِقَتْلِ عَدُوّ اللهِ أَبِي جَهْلٍ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أحقّا، يا عبد الله؟ فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُوَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ حُمُرِ النّعَمِ- أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: وَذَكَرْت لِلنّبِيّ ﵌ مَا بِهِ مِنْ الْآثَارِ، فَقَالَ: ذَلِكَ ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
قَدْ أَصَابَهُ جَحْشٌ [(٣)] مِنْ دُفَعٍ دَفَعَتْهُ فِي مَأْدُبَةِ ابْنِ جُدْعَانَ، فَجَحَشَتْ رُكْبَتَهُ.
فَالْتَمِسُوهُ فَوَجَدُوا ذَلِكَ الْأَثَرَ. وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ كَانَ عِنْدَ النّبِيّ ﵌ تِلْكَ السّاعَةَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَنْتَ قَتَلْته؟ قَالَ: نَعَمْ، اللهُ قَتَلَهُ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: أَنْتَ وَلِيت قَتْلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ شَاءَ لجعلك فى كمّه.
فقال ابن مسعود: فَقَدْ وَاَللهِ قَتَلْته وَجَرّدْته. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَمَا عَلَامَتُهُ؟
قَالَ: شَامَةٌ سَوْدَاءُ بِبَطْنِ فَخِذِهِ اليمنى. فعرف أبو سلمة النعت، وقال:
_________________
(١) [(١)] فى ب، ح: «الدبرة» . [(٢)] فى الأصل: «حفرة»، وفى ب، ت: «خصره» . ولعل الصواب ما أثبتناه. والحصر جمع الحصير وهو جنب الجسم. (مقاييس اللغة، ج ٢، ص ٧٢) . [(٣)] الجحش: سحج الجلد، أى قشره. (الصحاح، ص ٩٩٧) .
[ ١ / ٩٠ ]
جَرّدْته! وَلَمْ يُجَرّدْ قُرَشِيّ غَيْرُهُ! قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَاَللهِ، إنّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا فِي حُلَفَائِهَا أَحَدٌ أَعْدَى لِلّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ مِنْهُ، وَمَا أَعْتَذِرُ مِنْ شَيْءٍ صَنَعْته بِهِ.
فَأُسْكِتَ أَبُو سَلَمَةَ، فَسُمِعَ أَبُو سَلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي أَبِي جَهْلٍ.
وَفَرِحَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ: اللهُمّ، قَدْ أَنْجَزْت مَا وَعَدْتنِي، فَتَمّمْ عَلَيّ نِعْمَتَك!
وَقَالَ: فال ابن مسعود يَقُولُونَ:
سَيْفُ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَنَا، مُحَلّى بِفِضّةٍ، غَنِمَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَئِذٍ.
فَاجْتَمَعَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو وَابْنَيْ عفراء أثبتوه، وضرب ابن مسعود عُنُقَهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ، فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ.
قَالُوا: وَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ فَقَالَ: يَرْحَمُ اللهُ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَإِنّهُمَا قَدْ شَرِكَا فِي قَتْلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ وَرَأْسِ أَئِمّةِ الْكُفْرِ! فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ قَتَلَهُ مَعَهُمَا؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةَ، وَذَافّهُ [(١)] ابْنُ مَسْعُودٍ، فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: قال رسول الله ﵌: اللهُمّ، اكْفِنِي نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ!
وَأَقْبَلَ نَوْفَلٌ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَرْعُوبٌ، قَدْ رَأَى قَتْلَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ فِي أَوّلِ مَا الْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ، يَصِيحُ بِصَوْتٍ لَهُ زَجَلٌ، رَافِعًا صَوْتَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ الْعَلَاءِ وَالرّفْعَةِ! فَلَمّا رَأَى قُرَيْشًا قَدْ انْكَسَرَتْ [(٢)] جَعَلَ يَصِيحُ بِالْأَنْصَارِ: مَا حَاجَتُكُمْ إلَى دِمَائِنَا؟ أَمَا تَرَوْنَ مَا تَقْتُلُونَ؟ أَمَا لَكُمْ فِي اللّبن ما حَاجَةٍ؟ فَأَسَرَهُ جَبّارُ بْنُ [(٣)] صَخْرٍ فَهُوَ يَسُوقُهُ أمامه، فجعل
_________________
(١) [(١)] ذافّة: أجهز عليه. (الصحاح، ص ١٣٦٠) . [(٢)] فى ب، ت، ح: «انكشفت» . [(٣)] فى الأصل: «حيان بن صخر»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن سعد. (الطبقات، ج ٣، ص ١١٤) .
[ ١ / ٩١ ]
نَوْفَلٌ يَقُولُ لِجَبّارٍ- وَرَأَى عَلِيّا مُقْبِلًا نَحْوَهُ- قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللّات وَالْعُزّى، إنّي لَأَرَى رَجُلًا، إنّهُ لَيُرِيدُنِي! قَالَ: هَذَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَعَ فِي قَوْمِهِ [مِنْهُ.
فَيَصْمُدُ لَهُ عَلِيّ ﵇] [(١)] فَيَضْرِبُهُ، فَنَشِبَ سَيْفُ عَلِيّ فِي حَجَفَتِهِ سَاعَةً، ثُمّ نَزَعَهُ فَيَضْرِبُ سَاقَيْهِ، وَدِرْعُهُ مُشَمّرَةٌ، فَقَطَعَهُمَا، ثُمّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ؟ فَقَالَ عَلِيّ:
أَنَا قَتَلْته. قَالَ: فَكَبّرَ رَسُولُ الله ﵌ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي فِيهِ!
وَأَقْبَلَ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ يُحِثّ [(٢)] لِلْقِتَالِ، فالنقى هُوَ وَعَلِيّ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ لِابْنِهِ سَعِيدِ [بْنِ الْعَاصِ] [(٣)]: إنّي لَأَرَاك مُعْرِضًا، تَظُنّ أَنّي قَتَلْت أَبَاك؟ [فِي أَصْلِ ابْنِ أَبِي حَيّةَ، وَاَللهِ مَا قَتَلْت أَبَاك] [(٤)] وَلَا أَعْتَذِرُ مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ، وَلَقَدْ قَتَلْت خَالِي بِيَدَيّ، الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ قَتَلْته لَكَانَ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنْتَ عَلَى الْحَقّ. قَالَ: قُرَيْشٌ أَعْظَمُ النّاسِ أَحْلَامًا، وَأَعْظَمُهَا أَمَانَةً، لَا يَبْغِيهِمْ أَحَدٌ الْغَوَائِلَ إلّا كَبّهُ اللهُ لِفِيهِ [(٥)] .
وَكَانَ عَلِيّ ﵇ يَقُولُ: إنّي يَوْمَئِذٍ بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ [(٦)] النّهَارُ، وَنَحْنُ وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ اخْتَلَطَتْ صُفُوفُنَا وَصُفُوفُهُمْ، خَرَجْت فِي إثْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى كَثِيبِ رَمْلٍ وَسَعْدُ بن خيثمة، وهما
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت، ح. [(٢)] فى الأصل: «يبحث»، والمثبت من ب، ت. [(٣)] الزيادة عن ب، ت، ج. [(٤)] وهو فى الأصل فقط. [(٥)] فى الأصل: «لغيّه»، والمثبت من سائر النسخ. [(٦)] فى ح: «بعد ما متع» .
[ ١ / ٩٢ ]
يَقْتَتِلَانِ حَتّى قَتَلَ الْمُشْرِكُ سَعْدَ بْنَ خَيْثَمَةَ. وَالْمُشْرِكُ مُقَنّعٌ فِي الْحَدِيدِ، وَكَانَ فَارِسًا، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَرَفَنِي وَهُوَ مُعْلِمٌ وَلَا أَعْرِفُهُ، فَنَادَانِي:
هَلُمّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لِلْبِرَازِ! قَالَ: فَعَطَفْت عَلَيْهِ فَانْحَطّ. إلَيّ مُقْبِلًا، وَكُنْت رَجُلًا قَصِيرًا، فَانْحَطَطْت رَاجِعًا لِكَيْ يَنْزِلَ إلَيّ، فَكَرِهْت أَنْ يَعْلُوَنِي بِالسّيْفِ.
فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَرَرْت؟ فَقُلْت: قَرِيبًا مَفَرّ [(١)]، ابْنَ الشّتْرَاءِ! قَالَ: فَلَمّا اسْتَقَرّتْ قَدَمَايَ وَثَبُتّ أَقْبَلَ، فَلَمّا دَنَا مِنّي ضَرَبَنِي، فَاتّقَيْت بِالدّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فَلَحِجَ- يَعْنِي لَزِمَ- فَأَضْرِبُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ دَارِعٌ، فَارْتَعَشَ، وَلَقَدْ فَضّ [(٢)] سَيْفِي دِرْعَهُ، فَظَنَنْت أَنّ سَيْفِي سَيَقْتُلُهُ، فَإِذَا بَرِيقُ سَيْفٍ مِنْ وَرَائِي، فَطَأْطَأْت رَأْسِي وَيَقَعُ السّيْفُ فَأَطَنّ [(٣)] قِحْفَ رَأْسِهِ بِالْبَيْضَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ! فَالْتَفَتّ مِنْ وَرَائِي فَإِذَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ [(٤)] .
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمّتِهِ، قَالَتْ: قَالَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: انْقَطَعَ سَيْفِي فِي يَوْمِ بَدْرٍ، فأعطانى رسول الله ﵌ عُودًا، فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَقَاتَلْت بِهِ حَتّى هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ- فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى هَلَكَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ، حَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ:
عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بنى عبد الأشهل عِدّةٍ، قَالُوا: انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَقِيَ أَعْزَلَ لَا سلاح معه،
_________________
(١) [(١)] فى ت: «مقرّ» . [(٢)] هكذا فى الأصل، وفى سائر النسخ: «قطّ» . والفضّ: الكسر بالتفرقة. (الصحاح، ص ١٠٩٨) . [(٣)] فى ت: «فيطن» . [(٤)] فى ح: «فإذا هو حمزة عمى والمقتول طعيمة بن عدىّ» .
[ ١ / ٩٣ ]
فأعطاه رسول الله ﵌ قَضِيبًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ عَرَاجِينِ [(١)] ابْنِ طَابٍ، فَقَالَ: اضْرِبْ بِهِ! فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ جَيّدٌ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَقَالَ: بَيْنَا حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَارِعٌ فِي الْحَوْضِ، إذْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ [(٢)] فَوَقَعَ فِي نَحْرِهِ، فَلَقَدْ شَرِبَ الْقَوْمُ آخِرَ النّهَارِ مِنْ دَمِهِ.
فَبَلَغَ أُمّهُ وَأُخْتَه وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ مَقْتَلَهُ، فَقَالَتْ أُمّهُ: وَاَللهِ، لَا أَبْكِي عَلَيْهِ حَتّى يَقْدَمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَسْأَلُهُ، فَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي النّارِ بَكَيْته لَعَمْرِ اللهِ فَأَعْوَلْتُهُ! فَلَمّا قَدِمَ رسول الله ﵌ مِنْ بَدْرٍ جَاءَتْ أُمّهُ إلَى رَسُولِ الله ﵌ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَرَفْت مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَأَرَدْت أَنْ أَبْكِيَ عَلَيْهِ فَقُلْت:
لَا أَفْعَلُ حَتّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي النّارِ بَكَيْته فَأَعْوَلْتُهُ. فقال النبىّ ﵌: هَبِلْت، أَجَنّةٌ وَاحِدَةٌ؟ إنّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهُ لَفِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى
قَالَتْ: فَلَا أَبْكِي عَلَيْهِ أَبَدًا! وَدَعَا رَسُولُ الله ﵌ بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ وَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمّ نَاوَلَ أُمّ حَارِثَةَ فَشَرِبَتْ، ثُمّ نَاوَلَتْ ابْنَتَهَا فَشَرِبَتْ، ثُمّ أَمَرَهُمَا فَنَضَحَتَا فِي جُيُوبِهِمَا، فَفَعَلَتَا فَرَجَعَتَا مِنْ عِنْدِ النّبِيّ ﵌، وَمَا بِالْمَدِينَةِ امْرَأَتَانِ أَقَرّ أَعْيُنًا مِنْهُمَا وَلَا أَسَرّ.
قَالُوا: وَكَانَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وهب لمّا رأى الهزيمة انحزل [(٣)] ظهره فعقر [(٤)]
_________________
(١) [(١)] فى ت: «عراجين أرطاب» . وعراجين: جمع عرجون، والعرجون: العذق، أو إذا يبس واعوج، أو أصله، أو عود الكباشة. وابن طاب: ضرب من الرطب. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٢٤٨، ج ١، ص ٩٨) . [(٢)] سهم غرب: أى لا يعرف رامية. (النهاية، ج ٣، ص ١٥٣) . [(٣)] انخزل الشيء: انقطع. (الصحاح، ص ١٦٨٤) . [(٤)] عقر: كفرح، فجئه الروع فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٩٤) .
[ ١ / ٩٤ ]
فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ، فَأَتَاهُ أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ حَلِيفُهُ، فَفَتَقَ دِرْعَهُ عَنْهُ وَاحْتَمَلَهُ. وَيُقَالُ ضَرَبَهُ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ بِالسّيْفِ فَقَطّ. دِرْعَهُ، وَوَقَعَ لِوَجْهِهِ وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَجَاوَزَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَبَصُرَ بِهِ ابْنَا زُهَيْرٍ الْجُشَمِيّانِ، أَبُو أُسَامَةَ وَمَالِكٌ وَهُمَا حَلِيفَاهُ، فَذَبّا عَنْهُ حَتّى نَجَوْا بِهِ، وَاحْتَمَلَهُ أَبُو أُسَامَةَ فَنَجَا بِهِ، وَجَعَلَ مَالِكٌ يَذُبّ عَنْهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌.
حَمَاهُ كَلْبَاهُ! الْحَلِيفُ مِثْلُ أَبِي أُسَامَةَ كَأَنّهُ رَقْلٌ!
- الرّقْلُ النّخْلَةُ الطّوِيلَةُ وَيُقَالُ إنّ الّذِي ضَرَبَهُ مُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَمّهِ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: سَمِعْت مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَسْأَلُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، فَجَعَلَ الشّيْخُ يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتّى أَلَحّ عَلَيْهِ. فَقَالَ حَكِيمٌ: الْتَقَيْنَا فَاقْتَتَلْنَا، فَسَمِعْت صَوْتًا وَقَعَ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ مِثْلَ وَقْعِ الْحَصَاةِ فِي الطّسْتِ، وَقَبَضَ النّبِيّ ﵌ الْقَبْضَةَ فَرَمَى بِهَا فَانْهَزَمْنَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ: حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بن صغير، قَالَ: سَمِعْت نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةِ الدّيلِيّ يَقُولُ: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصا فِي الطّسَاسِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا، فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدّ الرّعْبِ عَلَيْنَا.
وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقُولُ: انْهَزَمْنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَجَعَلْت أَسْعَى وَأَقُولُ:
قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ! يَزْعُمُ أَنّ النّهَارَ قَدْ ذَهَبَ، وَاَللهِ إنّ النّهَارَ لَكَمَا هُوَ! قَالَ حَكِيمٌ: وَمَا ذَاكَ بِي إلّا حُبّا أَنْ يَأْتِيَ اللّيْلُ فَيَقْصُرُ عَنّا طَلَبُ الْقَوْمِ.
فَيُدْرِكُ حَكِيمًا عُبَيْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ ابْنَا الْعَوّامِ عَلَى جَمَلٍ لَهُمَا، فَقَالَ
[ ١ / ٩٥ ]
عَبْدُ الرّحْمَنِ لِأَخِيهِ: انْزِلْ فَاحْمِلْ أَبَا خَالِدٍ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ رَجُلًا أَعْرَجَ لَا رُجْلَةَ بِهِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: إنّهُ لَا رُجْلَةَ بِي كَمَا تَرَى. قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ:
وَاَللهِ إنّ مِنْهُ بُدّ [(١)]، أَلَا نَحْمِلُ رَجُلًا إنْ مُتْنَا كَفَانَا مَا خَلْفَنَا مِنْ عِيَالِنَا، وَإِنْ عِشْنَا حَمَلَ [(٢)] كَلّنَا! فَنَزَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ وَأَخُوهُ وَهُوَ أَعْرَجُ، فَحَمَلَاهُ، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الْجَمَلَ، فَلَمّا دَنَا مِنْ مَكّةَ فَكَانَ بِمَرّ الظّهْرَانِ، قَالَ:
وَاَللهِ، لَقَدْ رَأَيْت هَا هُنَا أَمْرًا مَا كَانَ يَخْرُجُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ لَهُ رَأْيٌ، وَلَكِنّهُ شُؤْمُ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ! إنّ جَزُورًا نُحِرَتْ هَا هُنَا فَلَمْ يَبْقَ خِبَاءٌ إلّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهَا. فَقَالَا: قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ رَأَيْنَاك وَقَوْمَنَا مَضَيْتُمْ فَمَضَيْنَا مَعَكُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَمْرٌ مَعَكُمْ.
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي حَيّةَ، قَالَ:
حَدّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ: فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خِفَافٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ الدّرُوعُ فِي قُرَيْشٍ كَثِيرَةً، فَلَمّا انْهَزَمُوا جَعَلُوا يُلْقُونَهَا، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ وَيَلْقُطُونَ مَا طَرَحُوا، وَلَقَدْ رَأَيْتنِي يَوْمَئِذٍ أَلْتَقِطُ ثَلَاثَةَ أَدْرُعٍ جِئْت بِهَا أَهْلِي، كَانَتْ عِنْدَنَا بَعْدُ، فَزَعَمَ لِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ- وَرَأَى دِرْعًا مِنْهَا عِنْدَنَا فَعَرَفَهَا- فَقَالَ: هَذِهِ دِرْعُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عن عبد الله بن عمرو ابن أُمَيّةَ، قَالَ: سَمِعْت أَبِي عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ انْكَشَفَ يَوْمَئِذٍ مُنْهَزِمًا، وَإِنّهُ لَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الأمر فرّ منه إلّا النساء!
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «إن لا بد منه»، وما أثبتناه من ب، ت. [(٢)] فى ح: «حملنا» .
[ ١ / ٩٦ ]
قَالُوا: وَكَانَ قُبَاثُ [(١)] بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيّ يَقُولُ: شَهِدْت مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا، وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى قِلّةِ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فِي عَيْنِي وَكَثْرَةِ مَا مَعَنَا مِنْ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ [(٢)]، فَانْهَزَمْت فِيمَنْ انْهَزَمَ، فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلّ وَجْهٍ، وَإِنّي لَأَقُولُ فِي نَفْسِي: مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ! وَصَاحَبَنِي رَجُلٌ، فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ مَعِي إذْ لَحِقَنَا مَنْ خَلْفَنَا، فَقُلْت لِصَاحِبِي: أَبِك نُهُوضٌ؟ قَالَ: لَا وَاَللهِ، مَا هُوَ بِي. قَالَ: وَعَقِرَ، وَتَرَفّعْت، [(٣)] فَلَقَدْ صَبّحْت غَيْقَةَ [(٤)]- عَنْ يَسَارِ السّقْيَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرَعِ لَيْلَةٌ، وَالْمَدِينَةُ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ- قَبْلَ الشّمْسِ، كُنْت هَادِيًا بِالطّرِيقِ وَلَمْ أَسْلُكْ الْمَحَاجّ، وَخِفْت مِنْ الطّلَبِ فَتَنَكّبْت عَنْهَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي بِغَيْقَةَ فَقَالَ: مَا وَرَاءَك؟ قُلْت: لَا شَيْءَ! قُتِلْنَا وَأُسِرْنَا وَانْهَزَمْنَا، فَهَلْ عِنْدَك مِنْ حُمْلَانٍ؟
فَقَالَ: فَحَمَلَنِي عَلَى بَعِيرٍ، وَزَوّدَنِي زَادًا حَتّى لَقِيت الطّرِيقَ بالجحفة، ثم مضيت حَتّى دَخَلْت مَكّةَ، وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَيْسُمَانِ بْنِ حَابِسٍ الْخُزَاعِيّ بِالْغَمِيمِ [(٥)]، فَعَرَفْت أَنّهُ يَقْدَمُ يَنْعَى قُرَيْشًا بِمَكّةَ، فَلَوْ أَرَدْت أَنْ أَسْبِقَهُ لَسَبَقْته، فَتَنَكّبْت عَنْهُ حَتّى سَبَقَنِي بِبَعْضِ النّهَارِ، فَقَدِمْت وَقَدْ انْتَهَى إلَى مَكّةَ خَبَرُ قَتْلَاهُمْ. وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْخُزَاعِيّ وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا بِخَيْرٍ! فَمَكَثْت بِمَكّةَ،
فَلَمّا كَانَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ قُلْت: لَوْ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَنَظَرْت مَا يَقُولُ مُحَمّدٌ! وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ. فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فسألت عن رسول الله
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «قثات»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٣٠٣) . [(٢)] فى ح: «والرحل» . [(٣)] ترفعت: من رفع البعير فى السير، أى بالغ. (الصحاح، ص ١٢٢١) . [(٤)] فى الأصل: «عيفة»، وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن السمهودي. قال: موضع بساحل البحر قرب الجار، يصب فيها وادي ينبع ورضوى. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٤) . [(٥)] الغميم: موضع بين رابغ والجحفة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٣) .
[ ١ / ٩٧ ]
ﷺ فَقَالُوا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلّ الْمَسْجِدِ مَعَ مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَأَتَيْته، وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَسَلّمْت فَقَالَ: يَا قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، أَنْتَ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ «مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ»؟ قُلْت:
أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، وَأَنّ هَذَا الْأَمْرَ مَا خَرَجَ مِنّي إلَى أَحَدٍ قَطّ، وَمَا تَرَمْرَمْت [(١)] بِهِ إلّا شَيْئًا حَدّثْت بِهِ نَفْسِي، فَلَوْلَا أَنّك نَبِيّ مَا أَطْلَعَك اللهُ عَلَيْهِ، هَلُمّ حَتّى أُبَايِعَك. فَعَرَضَ عَلَيّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْت.
قَالُوا: فَلَمّا تَصَافّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمّا انْهَزَمُوا كَانَ النّاسُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قَامَتْ عِنْدَ خَيْمَةِ النّبِيّ ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعَهُ فِي الْخَيْمَةِ- وَفِرْقَةٌ أَغَارَتْ عَلَى النّهْبِ، وَفِرْقَةٌ طَلَبَتْ الْعَدُوّ فَأَسَرُوا وَغَنِمُوا. فَتَكَلّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ مِمّنْ أَقَامَ عَلَى خَيْمَةِ النّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مَنَعَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْعَدُوّ زَهَادَةٌ فِي الْأَجْرِ، وَلَا جُبْنٌ عَنْ الْعَدُوّ وَلَكِنّا خِفْنَا أَنْ يُعْرَى مَوْضِعُك فَتَمِيلُ عَلَيْك خَيْلٌ مِنْ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَرِجَالٌ مِنْ رِجَالِهِمْ، وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَ خَيْمَتِك وُجُوهُ النّاسِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَشِذّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَالنّاسُ يَا رَسُولَ اللهِ كَثِيرٌ، وَمَتَى تُعْطِ هَؤُلَاءِ لَا يَبْقَ لِأَصْحَابِك شَيْءٌ، وَالْأَسْرَى وَالْقَتْلَى كَثِيرٌ وَالْغَنِيمَةُ قَلِيلَةٌ. فَاخْتَلَفُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [(٢)]، فَرَجَعَ النّاسُ وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ. ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [(٣)]، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمْ.
_________________
(١) [(١)] ترمرم: حرك فاه للكلام. (الصحاح، ص ١٩٣٧) . [(٢)] سورة ٨ الأنفال ١ [(٣)] سورة ٨ الأنفال ٤١
[ ١ / ٩٨ ]
فَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ: سَلّمْنَا الْأَنْفَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَمْ يُخَمّسْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا، وَنَزَلَتْ بَعْدُ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُسْلِمِينَ الْخُمُسَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَوّلِ غَنِيمَةٍ بَعْدَ بَدْرٍ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ، مِثْلَهُ.
وَحَدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: اخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْغَنَائِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْغَنَائِمِ أَنْ تُرَدّ فِي الْمَقْسَمِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا رُدّ. فَظَنّ أَهْلُ الشّجَاعَةِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخُصّهُمْ بِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضّعْفِ.
ثُمّ أمر رسول الله ﷺ أَنْ تُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُعْطَى فَارِسُ الْقَوْمِ الّذِي يَحْمِيهِمْ مِثْلَ مَا يُعْطَى الضّعِيفُ؟ فَقَالَ النّبِيّ ﷺ:
ثَكِلَتْك أُمّك، وَهَلْ تُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفَائِكُمْ؟
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْت مُوسَى بْنَ سَعْدِ بْنِ زيد ابن ثَابِتٍ: كَيْفَ فَعَلَ النّبِيّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْأَسْرَى، وَالْأَسْلَابِ، وَالْأَنْفَالِ؟ فَقَالَ: نَادَى مُنَادِيهِ يَوْمَئِذٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ! فَكَانَ يُعْطِي مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا سَلَبَهُ. وَأَمَرَ بِمَا وُجِدَ فِي الْعَسْكَرِ وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فَوَاق [(١)] .
فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَمَنْ أُعْطِيَ سَلَبُ أَبِي جهل؟ قال: اختلف
_________________
(١) [(١)] فى ح: «عن فراق» . وعن فواق: معناه جعل بعضهم فوق بعض فى القسم ممن رأى تفضيله، أو يعنى سرعة القسم، من فواق الناقة. (شرح على المواهب اللدنية، ج ١، ص ٥٤٢) .
[ ١ / ٩٩ ]
فِيهِ عِنْدَنَا، فَقَالَ قَائِلٌ: أَخَذَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَقَالَ قَائِلٌ:
أَعْطَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ.. فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ: مَنْ أَخْبَرَك؟ قَالَ: أَمّا الّذِي قَالَ دَفَعَهُ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَنِيهِ خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمّا الّذِي قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنّهُ حَدّثَنِيهِ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَارِظِيّ. قَالُوا: وَقَدْ أَخَذَ عَلِيّ ﵇ دِرْعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ، وَأَخَذَ حَمْزَةُ سِلَاحَ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ دِرْعَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حَتّى وَقَعَتْ [(١)] إلَى وَرَثَتِهِ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَمّهِ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: أَمَرَ رسول الله ﷺ أن يُرَدّ الْأَسْرَى وَالْأَسْلَابُ وَمَا أَخَذُوا فِي الْمَغْنَمِ، ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَسْرَى، وَقَسَمَ الْأَسْلَابَ الّتِي نَفّلَ الرّجُلُ نَفْسَهُ فِي الْمُبَارَزَةِ، وَمَا أَخَذَهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ.
وَالثّبْتُ عِنْدَنَا مِنْ هَذَا أَنّ كُلّ مَا جَعَلَهُ لَهُمْ فَإِنّهُ قَدْ سَلّمَهُ لَهُمْ، وَمَا لَمْ يَجْعَلْ فَقَدْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ. فَقَدْ جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ وَاسْتَعْمَلَ [عَلَيْهَا] رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ عمرو الْمَازِنِيّ. حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ، عَنْ النّبِيّ ﷺ، وَقَسَمَهَا بِسَيَرٍ- سَيَرٌ شِعْبٌ بِمَضِيقِ الصّفْرَاءِ. وَقَدْ قِيلَ إنّ النّبِيّ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَبّابَ بْنَ الْأَرَتّ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُكْنِفٍ الْحَارِثِيّ- مِنْ حَارِثَةِ الْأَنْصَارِ- قَالَ: لَمّا جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ كَانَ فِيهَا إبِلٌ وَمَتَاعٌ وَأَنْطَاعٌ وَثِيَابٌ، فَقَسَمَهَا الْوَالِي [(٢)] فَجَعَلَ يُصِيبُ الرّجُلَ الْبَعِيرُ وَرِثّةٌ [(٣)] مَعَهُ، وَآخَرَ بَعِيرَانِ، وآخر أنطاع. وكانت السّهمان على ثلاثمائة
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «حتى وقعت إلى ورأيته»، وما أثبتناه عن سائر النسخ. [(٢)] فى ت: «الموالي» . [(٣)] الرثة: متاع البيت. (النهاية، ج ٢، ص ٦٨) .
[ ١ / ١٠٠ ]
وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَالرّجَالُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالْخَيْلُ فَرَسَانِ لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ. وَثَمَانِيَةُ نَفَرٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ، فَكُلّهُمْ مُسْتَحِقّ فِي بَدْرٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ، خَلّفَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيّةَ، وَمَاتَتْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَسّسَانِ الْعِيرَ، بَلَغَا الْحَوْرَاءَ- الْحَوْرَاءُ وَرَاءَ ذِي الْمَرْوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا لَيْلَتَانِ عَلَى السّاحِلِ، وَبَيْنَ ذِي الْمَرْوَةِ وَالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا. وَمِنْ الْأَنْصَارِ:
أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، خَلّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، خَلّفَهُ عَلَى قُبَاءٍ [(١)] وَأَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، أَمَرَهُ بِأَمْرِهِ فى بنى عمرو ابن عَوْفٍ، وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ- فَهَؤُلَاءِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، وَقَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الْقِتَالِ بِبَدْرٍ: لَئِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِدَهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، لَقَدْ كَانَ فِيهَا رَاغِبًا.
وَذَلِكَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمّا أَخَذَ رسول الله ﷺ في الْجِهَادِ، كَانَ يَأْتِي دُورَ الْأَنْصَارِ يَحُضّهُمْ عَلَى الخروج، فنهش فى بعض تلك الأماكن ومنعه ذَلِكَ مِنْ الْخُرُوجِ، فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ. وَضَرَبَ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ السّاعِدِيّ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، وَكَانَ تَجَهّزَ إلَى بَدْرٍ فَمَرِضَ بِالْمَدِينَةِ فَمَاتَ خِلَافَهُ [(٢)] وَأَوْصَى إلَى النّبِيّ ﷺ. وَضَرَبَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَضَرَبَ لِرَجُلٍ آخَرَ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لَيْسَ بِمُجْتَمَعٍ عَلَيْهِمْ كَاجْتِمَاعِهِمْ على الثمانية.
_________________
(١) [(١)] قباء: قرية بعوالي المدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٥٧) . [(٢)] فى ح: «خلاف رَسُولِ اللهِ ﷺ» .
[ ١ / ١٠١ ]
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ لِقَتْلَى بَدْرٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا قُتِلُوا بِبَدْرٍ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ طَلْحَةَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ قَالَ: أَخَذْنَا سَهْمَ أَبِي الّذِي ضَرَبَ له رسول الله ﷺ حِينَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ، وَحَمَلَهُ إلَيْنَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بن رفاعة، عن عبد الله بن مكنف، قَالَ: سَمِعْت السّائِبَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُخْبِرُ أن رسول الله ﷺ أَسْهَمَ لِمُبَشّرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَقَدِمَ بِسَهْمِهِ عَلَيْنَا مَعْنُ بْنُ عَدِيّ.
وَكَانَتْ الْإِبِلُ الّتِي أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ بَعِيرًا، وَكَانَ مَعَهُمْ أَدَمٌ كَثِيرٌ حَمَلُوهُ لِلتّجَارَةِ، فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ. وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ فِيمَا أَصَابُوا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا لَنَا لَا نَرَى الْقَطِيفَةَ؟ مَا نَرَى رَسُولَ اللهِ إلّا أَخَذَهَا. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [(١)] إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رسول الله ﷺ فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ فُلَانًا غَلّ قَطِيفَةً. فسأل رسول الله ﷺ الرّجُلَ، فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللهِ! فقال الدالّ: يا رسول الله، احفروا ها هنا. فأمر رسول الله ﷺ، فَحَفَرُوا [(٢)] هُنَاكَ فَاسْتُخْرِجَتْ الْقَطِيفَةُ.
فَقَالَ قَائِلٌ:
يَا رَسُولَ الله، اسْتَغْفِرْ لِفُلَانٍ! مَرّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا. فقال رسول الله ﷺ: دَعُونَا مِنْ آتِي جُرْمٍ [(٣)] !
وَكَانَتْ الْخَيْلُ فَرَسَيْنِ، فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ يُقَالُ لَهَا سَبْحَةُ، وَفَرَسٌ لِلزّبَيْرِ، وَيُقَالُ لِمَرْثَدٍ. فَكَانَ الْمِقْدَادُ يَقُولُ:
ضَرَبَ لِي رسول الله ﷺ يومئذ بسهم ولفرسى بسهم. وقائل
_________________
(١) [(١)] سورة ٣ آل عمران ١٦١. [(٢)] فى ب، ت: «فحفر هناك» . [(٣)] هكذا فى الأصل، وفى ب، ت: «من أبى خر» .
[ ١ / ١٠٢ ]
يَقُولُ: ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَئِذٍ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ بِسَهْمٍ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي عَبْسٍ، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلٍ، قَالَ: رَجَعَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ بِفَرَسٍ قَدْ غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ لِزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، صَارَ فِي سَهْمِهِ. وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ خُيُولِهِمْ عَشَرَةَ أَفْرَاسٍ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سِلَاحًا وَظَهْرًا. وكان جمل أبى جهل يَوْمَئِذٍ فِيهَا، فَغَنِمَهُ النّبِيّ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ فِي إبِلِهِ وَيَغْزُو عَلَيْهِ حَتّى سَاقَهُ فِي هَدْيِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَسَأَلَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ الْجَمَلَ بِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَقَالَ:
لَوْلَا أَنَا سَمّيْنَاهُ فِي الْهَدْيِ لَفَعَلْنَا. وَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ صَفِيّ [(١)] مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عَبّاسٍ، وَمُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَا: تَنَفّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لِمُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، وَكَانَ رسول الله ﷺ قد غَزَا إلَى بَدْرٍ بِسَيْفٍ وَهَبَهُ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يُقَالُ لَهُ الْعَضْبُ، وَدِرْعِهِ ذَاتِ الْفُضُولِ. فَسَمِعْت ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْت صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا مَعَهُ سَيْفٌ. وَكَانَ أَوّلُ سَيْفٍ تَقَلّدَهُ سَيْفَ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ يُحَدّثُ فِيمَا حَدّثَنِي بِهِ عبد المهيمن بن عبّاس ابن سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، وَكَانَ إذا ذكر أرقم بن أبى الأرقم
_________________
(١) [(١)] الصفي: ما اختاره الرئيس لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٥٢) .
[ ١ / ١٠٣ ]
قَالَ: مَا يَوْمِي [(١)] مِنْهُ بِوَاحِدٍ! فَيُقَالُ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمّا أَخَذُوا مِنْ الْأَنْفَالِ. قَالَ:
فَرَدَدْت سَيْفَ ابْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيّ، وَاسْمُ السّيْفِ الْمَرْزُبَانُ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ، وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ يَرُدّهُ إلَيّ. فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِ [فِيهِ]، وَكَانَ النّبِيّ ﷺ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا يُسْأَلُهُ، فَأَعْطَاهُ [(٢)] السّيْفَ. وَخَرَجَ بُنَيّ لِي يَفَعَةٌ، فَاحْتَمَلَتْهُ الْغُولُ فَذَهَبَتْ بِهِ مُتَوَرّكَةً [(٣)] ظَهْرًا. فَقِيلَ لِأَبِي أُسَيْدٍ:
وَكَانَتْ الْغِيلَانُ ذَلِكَ الزّمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنّهَا قَدْ هَلَكَتْ، فَلَقِيَ ابْنِي ابْنَ الْأَرْقَمِ، فَبَهَشَ [(٤)] إلَيْهِ ابْنِي وَبَكَى مُسْتَجِيرًا بِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟
فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَتْ الْغُولُ: أَنَا حَاضِنَتُهُ. فَلَهَا عَنْهُ، وَالصّبِيّ يُكَذّبُهَا، فَلَمْ يُعَرّجْ عَلَيْهِ [(٥)] . وَخَرَجَ مِنْ دَارِي فَرَسٌ لِي فَقَطَعَ رَسَنَهُ، فَلَقِيَهُ بِالْغَابَةِ [(٦)] فَرَكِبَهُ حَتّى إذَا دَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ أَفْلَتْ مِنْهُ، فَتَعَذّرَ إلَيّ أَنّهُ أَفْلَتْ مِنّي، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى السّاعَةِ.
حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ [بْنُ مُحَمّدٍ] [(٧)]، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللهِ ﷺ سيف العاص ابن منبّه يوم بدر فأعطانيه، ونزلت فىّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [(٨)] .
قالوا: وَأَحْذَى [(٩)] رَسُولُ اللهِ ﷺ مماليك حضروا بدرا ولم
_________________
(١) [(١)] فى ت: «ما بؤسى منه» . [(٢)] أى أرقم بن أبى الأرقم. [(٣)] فى ت: «فتوركته» . [(٤)] بهش إليه: أسرع إليه. (النهاية، ج ١، ص ١٠١) . [(٥)] فى ح: «فلم يعرج عليه حتى الساعة» . [(٦)] الغابة: على بريد من المدينة طريق الشام كما ذكر ابن سعد. (الطبقات، ج ٢، ص ٥٨) . [(٧)] الزيادة عن ب، ت. [(٨)] سورة ٨ الأنفال ١. [(٩)] فى الأصل، ح: «فأخذ»، وما أثبتناه عن سائر النسخ. وأحذاء من الغنيمة: أعطاه. (الصحاح، ص ٢٣١١) .
[ ١ / ١٠٤ ]
يُسْهِمْ لَهُمْ، ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ: غُلَامٌ لِحَاطِبِ بْنِ أبى بلتعة، وغلام لعبد الرحمن ابن عوف، وَغُلَامٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَاسْتُعْمِلَ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ ﷺ عَلَى الْأَسْرَى، فَأَحْذَوْهُ [(١)] مِنْ كُلّ أَسِيرٍ مَا لَوْ كَانَ حُرّا مَا أَصَابَهُ فِي الْمَقْسَمِ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَمَيْت يَوْمَ بَدْرٍ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقَطَعْت نَسَاهُ [(٢)]، فَأَتْبَعْت أَثَرَ الدّمِ حَتّى وَجَدْته قَدْ أَخَذَهُ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ، وَهُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ.
فَقُلْت: أَسِيرِي، رَمَيْته! فَقَالَ مَالِكٌ: أَسِيرِي، أَخَذْته! فَأَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا جميعا. فأفلت سهيل بالرّوحاء من مالك ابن الدّخْشُمِ، فَصَاحَ فِي النّاسِ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ!
فَوَجَدَهُ النّبِيّ ﷺ فَلَمْ يَقْتُلْهُ.
فَحَدّثَنِي عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَصَابَ أَبُو بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَسِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ مَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، مِنْ بَنِي سَعْدِ ابن لَيْثٍ. فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَحُضّ عَلَى قَتْلِ الْأَسْرَى، لَا يَرَى أَحَدًا فِي يَدَيْهِ أَسِيرًا إلّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرّقَ النّاسُ. فَلَقِيَهُ مَعْبَدٌ، وَهُوَ أَسِيرٌ مَعَ أَبِي بُرْدَةَ، فَقَالَ: أَتَرَوْنَ يَا عُمَرُ أَنّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمْ؟ كَلّا وَاللّاتِ وَالْعُزّى! فَقَالَ عُمَرُ: عِبَادَ اللهِ الْمُسْلِمِينَ! أَتَكَلّمُ وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَيُقَالُ إنّ أَبَا بُرْدَةَ قَتَلَهُ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سعد، قال:
_________________
(١) [(١)] فى ح: «فأخذوا» . [(٢)] النسا: عرق من الورك إلى الكعب. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ٣٩٥) .
[ ١ / ١٠٥ ]
قال رسول الله ﷺ: لَا تُخْبِرُوا سَعْدًا بِقَتْلِ أَخِيهِ [(١)]، فَيَقْتُلَ كُلّ أَسِيرٍ فِي أَيْدِيكُمْ.
فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْهَيْثَمِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ أَخِيهِ فَيَقْتُلَهُ. وَلَمّا أُتِيَ بِالْأَسْرَى كَرِهَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَبَا عَمْرٍو، كَأَنّهُ شَقّ عليك الأسرى اين يُؤْسَرُوا. قَالَ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ الْتَقَيْنَا فِيهَا وَالْمُشْرِكُونَ، فَأَحْبَبْت أَنْ يُذِلّهُمْ اللهُ وَأَنْ يُثْخَنَ فِيهِمْ الْقَتْلُ.
وَكَانَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ أَسَرَهُ الْمِقْدَادُ يَوْمَئِذٍ، فَلَمّا خرج رسول الله ﷺ مِنْ بَدْرٍ- وَكَانَ بِالْأُثَيْلِ [(٢)]- عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَسْرَى فَنَظَرَ إلَى النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَبَدّهُ [(٣)] الْبَصَرَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ:
مُحَمّدٌ وَاَللهِ قَاتِلِي، لَقَدْ نَظَرَ إلَيّ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا الْمَوْتُ! فَقَالَ لرجل إلَى جَنْبِهِ:
وَاَللهِ مَا هَذَا مِنْك إلّا رُعْبٌ. فَقَالَ النّضْرُ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: يَا مُصْعَبُ، أَنْتَ أَقْرَبُ مَنْ هَا هُنَا بِي رَحِمًا. كَلّمْ صَاحِبَك أَنْ يَجْعَلَنِي كَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي، هُوَ وَاَللهِ قَاتِلِي إنْ لَمْ تَفْعَلْ. قَالَ مُصْعَبٌ: إنّك كُنْت تَقُولُ فِي كِتَابِ اللهِ كَذَا وَكَذَا، [وَتَقُولُ فِي نَبِيّهِ كَذَا وَكَذَا] [(٤)] . قَالَ: يَا مُصْعَبُ فَلْيَجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَصْحَابِي، إنْ قُتِلُوا قُتِلْت، وَإِنْ مَنّ عَلَيْهِمْ مَنّ عَلَيّ. قَالَ مُصْعَبٌ: إنّك كُنْت تُعَذّبُ أَصْحَابَهُ. قَالَ: أَمَا وَاَللهِ، لَوْ أَسَرَتْك قُرَيْشٌ مَا قُتِلْتَ أَبَدًا وَأَنَا حَيّ. قَالَ مُصْعَبٌ: وَاَللهِ، انى لاراك صادقا، ولكن
_________________
(١) [(١)] يعنى عميرا. [(٢)] الأثيل: موضع بين بدر والصفراء. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٤٢) . [(٣)] اى إعطاء بدته من النظر، اى حظه. (النهاية، ج ١، ص ٥٦) . [(٤)] الزيادة عن ب، ت، ح.
[ ١ / ١٠٦ ]
[لَسْت] [(١)] مِثْلَك قَطَعَ الْإِسْلَامُ الْعُهُودَ! فَقَالَ الْمِقْدَادُ: أَسِيرِي!
قَالَ النّبِيّ ﷺ: اضْرِبْ عُنُقَهُ، اللهُمّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِك! فَقَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ صَبْرًا بِالسّيْفِ بِالْأُثَيْلِ.
وَلَمّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، انْزِعْ ثَنِيّتَيْهِ! يُدْلَعُ [(٢)] لِسَانُهُ فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا أَبَدًا! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلَ اللهُ بِي وَإِنْ كُنْت نَبِيّا، وَلَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ. فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو حِينَ جَاءَهُ وَفَاةُ النّبِيّ ﷺ بِخُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِمَكّةَ- كَأَنّهُ كَانَ يَسْمَعُهَا. قَالَ عُمَرُ حِينَ بَلَغَهُ كَلَامُ سُهَيْلٍ: أَشْهَدُ إنّك لَرَسُولُ اللهِ! يُرِيدُ حَيْثُ قَالَ النّبِيّ ﷺ «لَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ» .
وَكَانَ عَلِيّ ﵇ يُحَدّثُ يَقُولُ: أَتَى جِبْرِيلُ إلَى النّبِيّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَخَيّرَهُ فِي الْأَسْرَى أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ يُخَيّرُكُمْ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أَنْ نَضْرِبَ رِقَابَهُمْ، أَوْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدْيَةَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ. قَالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الْفِدْيَةَ وَنَسْتَعِينُ بِهَا، وَيُسْتَشْهَدُ مِنّا فَنَدْخُلُ الْجَنّةَ. فَقَبِلَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ بِأُحُدٍ.
قَالُوا: وَلَمّا حُبِسَ الْأَسْرَى بِبَدْرٍ- اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ اقْتَرَعُوا عَلَيْهِمْ- طَمِعُوا [(٣)] فى الحياة فَقَالُوا لَوْ بَعَثْنَا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنّهُ أوصل قريش لارحامنا، ولا نعلم آثَرُ عِنْدَ مُحَمّدٍ مِنْهُ! فَبَعَثُوا إلَى أَبِي بكر،
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ح. [(٢)] ادلع: اخرج. (لسان العرب، ج ٨، ص ٩٠) . [(٣)] فى ب: «طمعا» .
[ ١ / ١٠٧ ]
فَأَتَاهُمْ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إنّ فِينَا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ وَالْإِخْوَانَ وَالْعُمُومَةَ وَبَنِي الْعَمّ، وَأَبْعَدُنَا قريب. كلّم صاحبك فليمنّ علينا أو يُفَادِنَا. فَقَالَ: نَعَمْ إنْ شَاءَ اللهُ، لَا آلُوكُمْ خَيْرًا! ثُمّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالُوا: وَابْعَثُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ فَإِنّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، فَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكُمْ، لَعَلّهُ يَكُفّ عَنْكُمْ. فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ فَجَاءَهُمْ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَنْ آلُوكُمْ شَرّا! ثُمّ انْصَرَفَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَالنّاسَ حَوْلَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُلَيّنُهُ وَيَفْثَؤُهُ [(١)] وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي! قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ، وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ، فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ مَنّ اللهُ عَلَيْك، أَوْ فَادِهِمْ يَسْتَنْقِذْهُمْ اللهُ بِك مِنْ النّارِ فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذْت قُوّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَعَلّ اللهَ يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْك! ثُمّ قَامَ فَتَنَحّى نَاحِيَةً، وسكت رسول الله ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَعْدَاءُ اللهِ، كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك! اضْرِبْ رِقَابَهُمْ، هُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ وَأَئِمّةُ الضّلَالَةِ، يُوَطّئُ اللهُ ﷿ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ بِهِمْ أَهْلَ الشّرْكِ! فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ إلَى مَقْعَدِهِ الْأَوّلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي! قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ، وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ، فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ أَوْ فَادِهِمْ، هُمْ عِتْرَتُك [(٢)] وَقَوْمُك، لَا تَكُنْ أَوّلَ مَنْ يَسْتَأْصِلُهُمْ، يَهْدِيهِمْ اللهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُهْلِكَهُمْ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَتَنَحّى نَاحِيَةً، فَقَامَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَنْتَظِرُ بِهِمْ؟ اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، يُوَطّئُ اللهُ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ أَهْلَ الشرك، هم أعداء
_________________
(١) [(١)] فى ح: «ويغشاه» . وفثأت الرجل إذا سكنت غضبه. (الصحاح، ص ٦٢) . [(٢)] فى ح: «هم عشيرتك» . وعترة الرجل: أخص أقاربه. (النهاية، ج ٣، ص ٦٥) .
[ ١ / ١٠٨ ]
اللهِ، كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك! يَا رَسُولَ اللهِ، اشْفِ صُدُورَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ قَدَرُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنّا مَا أَقَالُونَاهَا أَبَدًا! فَسَكَتَ رَسُولُ الله ﷺ فلم يجبه، فَقَامَ نَاحِيَةً فَجَلَسَ، وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ فَكَلّمَهُ مِثْلَ كَلَامِهِ الّذِي كَلّمَهُ بِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ فَتَنَحّى نَاحِيَةً، ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَكَلّمَهُ كَلَامَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ قُبّتَهُ فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً، ثُمّ خَرَجَ وَالنّاسُ يَخُوضُونَ فِي شَأْنِهِمْ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ: الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ! وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ! فَلَمّا خرج رسول الله ﷺ قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِبَيْكُمْ هَذَيْنِ؟ دَعُوهُمَا فَإِنّ لَهُمَا مَثَلًا، مَثَلُ أَبِي بَكْرٍ كَمَثَلِ مِيكَائِيلَ يَنْزِلُ بِرِضَاءِ اللهِ وَعَفْوِهِ عَنْ عِبَادِهِ، وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ إبْرَاهِيمَ، كَانَ أَلْيَنَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْعَسَلِ، أَوْقَدَ لَهُ قَوْمُهُ النار وطرحود فِيهَا، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ: أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [(١)] . وَقَالَ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(٢)] وَمَثَلُهُ مَثَلُ عِيسَى إذْ يَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [(٣)] . وَمَثَلُ عُمَرَ فِي الْمَلَائِكَةِ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالسّخْطَةِ مِنْ اللهِ وَالنّقْمَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ، وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ نُوحٍ، كَانَ أَشَدّ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ إذْ يَقُولُ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [(٤)] فَدَعَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً أَغْرَقَ اللهُ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا، وَمَثَلِ مُوسَى إذْ يَقُولُ:
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [(٥)]، وَإِنّ بِكُمْ عَيْلَةً، فَلَا يَفُوتَنّكُمْ رجل من هؤلاء إلّا بفداء أو
_________________
(١) [(١)] سورة ٢١ الأنبياء ٦٧ [(٢)] سورة ١٤ إبراهيم ٣٦ [(٣)] سورة ٥ المائدة ١١٨ [(٤)] سورة ٧١ نوح ٢٦ [(٥)] سورة ١٠ يونس ٨٨
[ ١ / ١٠٩ ]
ضَرْبَةِ عُنُقٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ [- قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: هَذَا وَهْمٌ، سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، مَا شَهِدَ بَدْرًا، إنّمَا هُوَ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ سَهْلٌ-] [(١)]، فَإِنّي رَأَيْته يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِمَكّةَ.
فَسَكَتَ النّبِيّ ﷺ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ قَطّ كَانَتْ أَشَدّ عَلَيّ مِنْ تِلْكَ السّاعَةِ، فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ أَتَخَوّفُ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيّ الْحِجَارَةُ، لِتَقَدّمِي بَيْنَ يَدَيْ اللهِ وَرَسُولِهِ بِالْكَلَامِ.
فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ فَقَالَ: إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ! قَالَ:
فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ أَقَرّ لَعَيْنَيّ مِنْهَا، إذْ قَالَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إنّ اللهَ ﷿ لَيُشَدّدُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَشَدّ مِنْ الْحِجَارَةِ، وَإِنّهُ لَيُلَيّنُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ الزّبْدِ. وَقَبِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ يَوْمَ بَدْرٍ مَا نَجَا مِنْهُ إلّا عُمَرُ.
كَانَ يَقُولُ:
اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ: اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ.
فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قال: قال رسول الله ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: لَو كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ حَيّا لَوَهَبْت لَهُ هَؤُلَاءِ النّتْنَى.
وَكَانَتْ لِمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ عِنْدَ النّبِيّ ﷺ إجَارَةٌ [(٢)] حِينَ رَجَعَ مِنْ الطّائِفِ.
فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: أَمّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَسْرَى يوم بدر أبا عزّة عمرو ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرٍ الْجُمَحِيّ، وَكَانَ شَاعِرًا، فأعتقه رسول الله صلّى الله
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت. [(٢)] فى ح: «يد أجاره» .
[ ١ / ١١٠ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: لِي خَمْسُ بَنَاتٍ لَيْسَ لَهُنّ شَيْءٌ، فَتَصَدّقْ بِي عَلَيْهِنّ يَا مُحَمّدُ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ أَبُو عَزّةَ: أُعْطِيك مَوْثِقًا لَا أُقَاتِلُك وَلَا أُكْثِرُ عَلَيْك أَبَدًا. فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ جَاءَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَنَا! فَقَالَ: إنّي قَدْ أَعْطَيْت مُحَمّدًا مَوْثِقًا أَلّا أُقَاتِلَهُ وَلَا أُكْثِرَ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَقَدْ مَنّ عَلَيّ وَلَمْ يَمُنّ عَلَى غَيْرِي حَتّى قَتَلَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ. فَضَمِنَ صَفْوَانُ أَنْ يَجْعَلَ بَنَاتَه مَعَ بَنَاتِهِ إنْ قُتِلَ، وَإِنْ عَاشَ أَعْطَاهُ مَالًا كَثِيرًا لَا يَأْكُلُهُ عِيَالُهُ.
فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ يَدْعُو الْعَرَبَ وَيَحْشُرُهَا، ثُمّ خَرَجَ مَعَ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُسِرَ وَلَمْ يُوسَرْ غَيْرُهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، إنّمَا خَرَجْت [(١)] مُكْرَهًا، وَلِي بَنَاتٌ فَامْنُنْ عَلَيّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ مَا أَعْطَيْتنِي مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ؟ لَا وَاَللهِ، لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ تَقُولُ «سَخِرْت بِمُحَمّدٍ مَرّتَيْنِ» !
حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: قَالَ النّبِيّ ﷺ: إن المؤمن لا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ، يَا عَاصِمُ بْنَ ثَابِتٍ، قَدّمْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ! فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
قَالُوا: وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْقُلُبِ أَنْ تُغَوّرَ، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فِيهَا كُلّهُمْ إلّا أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ، فَإِنّهُ كَانَ مُسَمّنًا انْتَفَخَ مِنْ يَوْمِهِ، فَلَمّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ تَزَايَلَ لَحْمُهُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: اُتْرُكُوهُ! وَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عُتْبَةَ يُجَرّ إلَى الْقَلِيبِ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا، فِي وَجْهِهِ أثر الجدرىّ، فتغيّر وجه ابنه
_________________
(١) [(١)] فى ب، ت: «أخرجت» بالبناء للمفعول.
[ ١ / ١١١ ]
أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ ﷺ: يَا أَبَا حُذَيْفَةَ كَأَنّك سَاءَك مَا أَصَابَ أَبَاك. قَالَ: لَا وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَكِنّي رَأَيْت لِأَبِي عَقْلًا وَشَرَفًا، كُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ اللهُ [(١)] إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمّا أَخْطَأَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْت مَا أَصَابَهُ غَاظَنِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ أَبْقَى فِي الْعَشِيرَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ كَارِهًا لِوَجْهِهِ، وَلَكِنْ الْحَيْنُ وَمَصَارِعُ السّوءِ! قال رسول الله ﷺ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ [خَدّ] [(٢)] أَبِي جَهْلٍ الْأَسْفَلَ، وَصَرَعَهُ وَشَفَانَا مِنْهُ! فَلَمّا تَوَافَوْا [(٣)] فِي الْقَلِيبِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُصَرّعُونَ، وَأَبُو بكر يُخْبِرُهُ بِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْمَدُ اللهَ وَيَشْكُرُهُ وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْجَزَ مَا وَعَدَنِي، فَقَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ.
قَالَ: ثُمّ وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ، فَنَادَاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا: يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ فَإِنّي قَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا. بِئْسَ الْقَوْمُ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ، كَذّبْتُمُونِي وَصَدّقَنِي النّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، تُنَادِي قَوْمًا قَدْ مَاتُوا! قَالَ رسول الله ﷺ: قد عَلِمُوا أَنّ مَا وَعَدَهُمْ رَبّهُمْ حَقّ! قَالُوا: وَكَانَ انْهِزَامُ الْقَوْمِ وَتَوَلّيهِمْ حِينَ زَالَتْ الشّمْسُ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَدْرٍ وَأَمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ بِقَبْضِ الْغَنَائِمِ وَحَمْلِهَا، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يُعِينُوهُ،
_________________
(١) [(١)] فى ح: «أن يهديه ذلك» . [(٢)] الزيادة عن ب، ت، ح. [(٣)] فى الأصل: «تواروا»، وما أثبتناه عن سائر النسخ.
[ ١ / ١١٢ ]
فَصَلّى الْعَصْرَ بِبَدْرٍ ثُمّ رَاحَ فَمَرّ بِالْأُثَيْلِ [- الْأُثَيْلُ وَادٍ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدْرٍ مِيلَانِ، فَكَأَنّهُ بَاتَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ بَدْرٍ-] [(١)] قَبْلَ غُرُوبِ الشّمْسِ فَنَزَلَ بِهِ، وَبَاتَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ جِرَاحٌ، وَلَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ رَجُلٌ اللّيْلَةَ يَحْفَظُنَا؟ فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. قَالَ: اجْلِسْ. ثُمّ عَادَ النّبِيّ [(٢)] ﷺ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. قَالَ النّبِيّ ﷺ: اجْلِسْ. ثُمّ مَكَثَ سَاعَةً، ثُمّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبُو سَبُعٍ [(٣)] . ثُمّ مَكَثَ سَاعَةً وَقَالَ:
قُومُوا ثَلَاثَتُكُمْ. فَقَامَ ذَكْوَانُ بْنُ عبد قيس وَحْدَهُ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: فَأَيْنَ صَاحِبَاك؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا الّذِي أَجَبْتُك اللّيْلَةَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَحَفِظَك اللهُ! فَكَانَ يَحْرُسُ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ اللّيْلَةَ، حَتّى كَانَ آخِرَ اللّيْلِ، فَارْتَحَلَ. قَالَ [(٤)]: وَيُقَالُ صَلّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْأُثَيْلِ فَلَمّا صَلّى رَكْعَةً تَبَسّمَ، فَلَمّا سَلّمَ سُئِلَ عَنْ تَبَسّمِهِ، فَقَالَ: مَرّ بِي مِيكَائِيلُ وَعَلَى جَنَاحِهِ النّقْعُ، فَتَبَسّمَ إلَيّ وَقَالَ «إنّي كُنْت فِي طَلَبِ القوم» . وأتاه جبرئيل حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ، عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى مَعْقُودِ النّاصِيَةِ، قَدْ عَصَمَ ثَنِيّتَهُ الْغُبَارُ، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، إنّ رَبّي بَعَثَنِي إلَيْك وَأَمَرَنِي أَلّا أُفَارِقَك حَتّى تَرْضَى، هَلْ رَضِيت؟. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ.
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْأَسْرَى، حَتّى إذَا كَانَ بِعِرْقِ
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت. [(٢)] فى ح: «ثم أعاد القول الثانية» . [(٣)] فى ح: «أبو سبيع» بصيغة التصغير. [(٤)] أى قال الواقدي.
[ ١ / ١١٣ ]
الظّبْيَةِ أَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ أَسَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ، فَجَعَلَ عُقْبَةُ يَقُولُ: يَا وَيْلِي، عَلَامَ أُقْتَلُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مِنْ بَيْنِ مَنْ هاهنا؟ فقال رسول الله ﷺ: لِعَدَاوَتِك لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَالَ: يَا مُحَمّدُ، مَنّك أَفْضَلُ، فَاجْعَلْنِي كَرَجُلٍ مِنْ قَوْمِي، إنْ قَتَلْتهمْ قَتَلْتنِي وَإِنْ مَنَنْت عَلَيْهِمْ مَنَنْت عَلَيّ، وَإِنْ أَخَذْت مِنْهُمْ الْفِدَاءَ كُنْت كَأَحَدِهِمْ، يَا مُحَمّدُ، مَنْ لِلصّبْيَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: النّارُ، قَدّمْهُ يَا عَاصِمُ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ! فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِئْسَ الرّجُلُ كُنْت وَاَللهِ مَا عَلِمْت، كَافِرًا بِاَللهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ، مُؤْذِيًا لِنَبِيّهِ، فَأَحْمَدُ اللهَ الّذِي هُوَ قَتَلَك وَأَقَرّ عَيْنِي مِنْك! وَلَمّا نَزَلُوا سَيّرَ- شِعْبٌ بِالصّفْرَاءِ- قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَنَائِمَ بِهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ. حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّهِ.
وقدم رسول الله ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ مِنْ الْأُثَيْلِ، فَجَاءُوا يَوْمَ الْأَحَدِ شَدّ الضّحَى [(١)]، وَفَارَقَ عَبْدُ اللهِ زَيْدًا بِالْعَقِيقِ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللهِ يُنَادِي عَلَى رَاحِلَتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ! قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الْحَجّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَقُتِلَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ. قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ: فَقُمْت إلَيْهِ فَنَحَوْته فَقُلْت: أَحَقّا مَا تَقُولُ، يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ قَالَ: إي وَاَللهِ، وَغَدًا يَقْدَمُ رَسُولُ اللهِ إنْ شَاءَ اللهُ وَمَعَهُ الْأَسْرَى مُقَرّنِينَ [(٢)] . ثُمّ اتّبَعَ دور الأنصار
_________________
(١) [(١)] شد الضحى: ارتفاعه. (أساس البلاغة، ص ٤٨٣) . [(٢)] فى ت: «مقرونين» .
[ ١ / ١١٤ ]
بِالْعَالِيَةِ- الْعَالِيَةُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ، مَنَازِلُهُمْ بِهَا- فَبَشّرَهُمْ دَارًا دَارًا، وَالصّبْيَانُ يَشْتَدّونَ مَعَهُ وَيَقُولُونَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ! حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةِ النّبِيّ ﷺ الْقَصْوَاءِ يُبَشّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمّا جَاءَ الْمُصَلّى صَاحَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الْحَجّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ.
فَجَعَلَ النّاسُ لَا يُصَدّقُونَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا! [(١)] حَتّى غَاظَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَخَافُوا. وَقَدِمَ زَيْدٌ حِينَ سَوّوْا عَلَى رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ التّرَابَ بِالْبَقِيعِ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَمَنْ مَعَهُ.
وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: قَدْ تَفَرّقَ أَصْحَابُكُمْ تَفَرّقًا لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْهُ أَبَدًا، وَقَدْ قُتِلَ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مُحَمّدٌ، هَذِهِ نَاقَتُهُ نَعْرِفُهَا، وَهَذَا زَيْدٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنْ الرّعْبِ، وَجَاءَ فَلّا. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: يُكَذّبُ اللهُ قَوْلَك! وَقَالَتْ يَهُودُ: مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا! قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجِئْت حَتّى خَلَوْت بِأَبِي، فَقُلْت: يَا أَبَهْ، أَحَقّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إي وَاَللهِ حَقّا يَا بُنَيّ! فَقَوِيَتْ فِي نَفْسِي، فَرَجَعْت إلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ فَقُلْت: أَنْتَ الْمُرْجِفُ بِرَسُولِ اللهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ، لَيُقَدّمَنّكَ رَسُولُ اللهِ إذَا قَدِمَ فَلَيَضْرِبَنّ عُنُقَك! فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمّدٍ، إنّمَا هُوَ شَيْءٌ سَمِعْت النّاسَ يَقُولُونَهُ.
فَقَدِمَ بِالْأَسْرَى وَعَلَيْهِمْ شُقْرَانُ، وَهُمْ تِسْعَةٌ وأربعون رجلا الذين أحصوا
_________________
(١) [(١)] الفل: القوم المنهزمون، ويقع على الواحد والاثنين والجميع. (النهاية، ج ٣، ص ٢١٥) .
[ ١ / ١١٥ ]
- وَهُمْ سَبْعُونَ فِي الْأَصْلِ، مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، لَا شَكّ فِيهِ. وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ ﷺ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يُعْتِقْهُ يَوْمَئِذٍ، وَلَقِيَهُ النّاسُ يُهَنّئُونَهُ بِالرّوْحَاءِ بِفَتْحِ اللهِ. فَلَقِيَهُ وُجُوهُ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ: مَا الّذِي تُهَنّئُونَنَا به؟ فو الله مَا قَتَلْنَا إلّا عَجَائِزَ صُلْعًا.
فَتَبَسّمَ النّبِيّ ﷺ وَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ، لَوْ رَأَيْتهمْ لَهِبْتهمْ، وَلَوْ أَمَرُوك لَأَطَعْتهمْ، وَلَوْ رَأَيْت فِعَالَك مَعَ فِعَالِهِمْ لَاحْتَقَرْته، وَبِئْسَ الْقَوْمُ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ لِنَبِيّهِمْ فَقَالَ سَلَمَةُ: أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، إنّك يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ تَزَلْ عَنّي مُعْرِضًا مُنْذُ كُنّا بِالرّوْحَاءِ فِي بَدْأَتِنَا. فقال رسول الله ﷺ: أَمّا مَا قُلْت لِلْأَعْرَابِيّ «وَقَعْت عَلَى نَاقَتِك فَهِيَ حُبْلَى مِنْك»، فَفَحّشْت وَقُلْت مَا لَا عِلْمَ لَك بِهِ! وَأَمّا مَا قُلْت فِي الْقَوْمِ، فَإِنّك عَمَدْت إلَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللهِ تُزَهّدُهَا.
فَاعْتَذَرَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَبِلَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْذِرَتَهُ، فَكَانَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: وَلَقِيَهُ أَبُو هِنْدٍ الْبَيَاضِيّ مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَمَعَهُ حَمِيتٌ [(١)] مَمْلُوءٌ حَيْسًا [(٢)]، فقال رسول الله ﷺ: إنّمَا أَبُو هِنْدٍ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَنْكِحُوهُ! وَأَنْكِحُوا إلَيْه.
وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: وَلَقِيَهُ أسيد ابن حُضَيْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي ظَفّرَك وَأَقَرّ عَيْنَك! وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ تَخَلّفِي عَنْ بَدْرٍ وَأَنَا أظنّ أنّك تلقى عدوّا، ولكنى
_________________
(١) [(١)] قال ابن هشام: الحميت: الزق. (السيرة النبوية، ج ٢، ص ٢٩٨) . [(٢)] الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٢٠٩) .
[ ١ / ١١٦ ]
ظَنَنْت أَنّهَا الْعِيرُ، وَلَوْ ظَنَنْت أَنّهُ عَدُوّ مَا تَخَلّفْت. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: صَدَقْت.
وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُوحٍ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، قَالَ: لَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِتُرْبَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى سَلَامَتِك وَمَا ظَفّرَك! كُنْت يَا رَسُولَ اللهِ لَيَالِيَ خَرَجْت مَوْرُودًا [(١)]، فَلَمْ يُفَارِقْنِي حَتّى كَانَ بِالْأَمْسِ فَأَقْبَلْت إلَيْك. فَقَالَ: آجَرَك الله!
وَكَانَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لَمّا كَانَ بِشَنُوكَةَ [(٢)] [- شَنُوكَةُ فِيمَا بَيْنَ السّقْيَا وَمَلَل-] [(٣)] كَانَ مَعَ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ [الّذِي أَسَرَهُ] [(٤)] فَقَالَ: خَلّ سَبِيلِي لِلْغَائِطِ. فَقَامَ بِهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: إنّي أَحْتَشِمُ فَاسْتَأْخِرْ عَنّي! فَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ، وَمَضَى سُهَيْلٌ عَلَى وَجْهِهِ، انْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ [(٥)] وَمَضَى، فَلَمّا أَبْطَأَ سُهَيْلٌ عَلَى مَالِكٍ أَقْبَلَ فَصَاحَ فِي النّاسِ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ. وَخَرَجَ النّبِيّ ﷺ فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ: مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ! فَوَجَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ دَفَنَ نَفْسَهُ بَيْن [(٦)] سَمُرَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ، ثُمّ قَرَنَهُ إلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَرْكَبْ خُطْوَةً حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ.
فَحَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عن جابر بن
_________________
(١) [(١)] قال الجوهري: الورد يوم الحمى، إذا أخذت صاحبها لوقت، تقول: وردته الحمى فهو مورود. (الصحاح: ص ٥٤٦) . [(٢)] فى الأصل: «بسوكة»، وفى ح: «بتنوكة» . وما أثبتناه عن ب، والبكري. (معجم ما استعجم، ص ٨١٥) . [(٣)] الزيادة عن ب، ت، ح. [(٤)] الزيادة عن ح. [(٥)] القران: الحبل. (النهاية، ج ٣، ص ٢٤٨) . [(٦)] فى ب، ت: «فَوَجَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نفسه بين سمرات»، وفى ح: «أخفى نفسه بين شجرات» . والسمر، بضم الميم، اسم شجر. (القاموس المحيط، ج ٢، ص ٥١) .
[ ١ / ١١٧ ]
عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَرَسُولُ اللهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسُهَيْلٌ مَجْنُوبٌ، وَيَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ، فَلَمّا نَظَرَ أُسَامَةُ إلَى سُهَيْلٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَبُو يَزِيدَ! قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الّذِي كَانَ يُطْعِمُ بِمَكّةَ الْخُبْزَ.
وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن يحيى بن عبد الله، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قال:
قدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدِمَ بِالْأَسْرَى حِينَ قَدِمَ بِهِمْ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ فِي مَنَاحِتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ [(١)]، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ. قَالَتْ سَوْدَةُ: فَأَتَيْنَا فَقِيلَ لَنَا: هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى قَدْ أُتِيَ بِهِمْ. فَخَرَجْت إلَى بَيْتِي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ، وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عنقه فى ناحية البيت، فو الله إنْ مَلَكْت [(٢)] حِينَ رَأَيْته مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت: أَبَا يَزِيدَ، أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ! ألا متّم كراما؟ فو الله ما راعني إلّا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْبَيْتِ:
يَا سَوْدَةُ، أَعَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ؟
فَقُلْت: يَا نَبِيّ اللهِ، وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ نَبِيّا مَا مَلَكْت نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت مَا قُلْت.
فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ قَالَ: حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ قَالَ: دَخَلَ خَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي مَنْزِلِ أُمّ سَلَمَةَ، وَأُمّ سَلَمَةَ فِي مَنَاحَةِ آلِ عَفْرَاءَ، فَقِيلَ لَهَا: أُتِيَ بِالْأَسْرَى.
فَخَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تُكَلّمْهُمْ حَتّى رَجَعَتْ، فَتَجِدُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله
_________________
(١) [(١)] وهما ابنا عفراء، قتلا يوم بدر. [(٢)] فى ح: «ما ملكت نفسي» .
[ ١ / ١١٨ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ بَنِي عَمّي طَلَبُوا أَنْ يُدْخَلَ بِهِمْ عَلَيّ فَأُضِيفَهُمْ، وَأَدْهُنَ رُءُوسَهُمْ، وَأَلُمّ مِنْ شَعَثِهِمْ، وَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتّى أَسْتَأْمِرَك. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَسْت أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ! فَافْعَلِي مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَكِ.
فَحَدّثَنِي محمد بن عبد الله، عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا.
فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ:
كُنْت مَعَ رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَزَاهُمْ اللهُ خَيْرًا، كُنّا إذَا تَعَشّيْنَا أَوْ تَغَدّيْنَا آثَرُونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ، وَالْخُبْزُ مَعَهُمْ قَلِيلٌ وَالتّمْرُ زَادُهُمْ، حَتّى إنّ الرّجُلَ لَتَقَعُ فِي يَدِهِ الْكِسْرَةُ فَيَدْفَعُهَا إلَيّ. وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ: وَكَانُوا يَحْمِلُونَنَا وَيَمْشُونَ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ: قَدِمَ بِالْأَسْرَى قَبْلَ مَقْدَمِ النّبِيّ ﷺ بِيَوْمٍ. وَيُقَالُ قَدِمُوا فِي آخِرِ النّهَارِ مِنْ الْيَوْمِ الّذِي قَدِمَ فِيهِ.
قَالُوا: وَلَمّا تَوَجّهَ الْمُشْرِكُونَ إلَى بَدْرٍ كَانَ فِتْيَانٌ مِمّنْ تَخَلّفَ عَنْهُمْ سُمّارًا، يَسْمُرُونَ بِذِي طُوًى فِي الْقَمَرِ حَتّى يَذْهَبَ اللّيْلُ، يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَتَحَدّثُونَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ لَيْلَةً إلَى أَنْ سَمِعُوا [(١)] صَوْتًا قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ، رَافِعًا صَوْتَهُ يَتَغَنّى:
أَزَارَ [(٢)] الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا مُصِيبَةً سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
أَرَنّتْ لَهَا صُمّ [(٣)] الْجِبَالِ وَأَفْزَعَتْ قبائل ما بين الوتير [(٤)] وخيبرا
_________________
(١) [(١)] هكذا فى كل النسخ، وقد يكون «إذ سمعوا» أفصح. [(٢)] فى ح: «أزاد» . [(٣)] صم الجبال: صخر الجبال. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٤٠) . [(٤)] الوتير: موضع فى ديار خزاعة. (معجم ما استعجم، ص ٨٣٦) .
[ ١ / ١١٩ ]
أَجَازَتْ جِبَالَ الْأَخْشَبَيْنِ [(١)] وَجُرّدَتْ حَرَائِرُ يَضْرِبْنَ التّرَائِبَ [(٢)] حسّرا
أنشدنيه عبد اللهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ. فَاسْتَمَعُوا لِلصّوْتِ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا، فَخَرَجُوا فَزِعِينَ حَتّى جَازُوا الْحِجْرَ [(٣)] فَوَجَدُوا مَشْيَخَةً مِنْهُمْ جِلّةً سُمّارًا، فَأَخْبَرُوهُمْ الْخَبَرَ فَقَالُوا لَهُمْ: إنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقّا، إنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يُسَمّوْنَ الْحَنِيفِيّةَ- وَمَا يَعْرِفُونَ اسْمَ الْحَنِيفِيّةِ يَوْمَئِذٍ. فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْفِتْيَانِ الّذِينَ كَانُوا بِذِي طُوًى إلّا وُعِكَ، فَمَا مَكَثُوا إلّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتّى قَدِمَ الْحَيْسُمَانُ بن حابس الخزاعىّ بخبر أَهْلِ بَدْر وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَهُوَ يُخْبِرُهُمْ قَتْلَ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَابْنَيْ الْحَجّاجِ، وَأَبِي الْبَخْتَرِيّ، وَزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
قَالَ: وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ جَالِسٌ [(٤)] يَقُول: لَا يَعْقِلُ هَذَا شَيْئًا مِمّا يَتَكَلّمُ بِهِ، سَلُوهُ عَنّي [(٥)] ! فَقَالُوا: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، لَك بِهِ عِلْمٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَاكَ فِي الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْت أَبَاهُ وَأَخَاهُ مَقْتُولَيْنِ [(٦)] . قَالَ:
وَرَأَيْت سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أُسِرَ، وَالنّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ. قَالُوا: وَمَا يُدْرِيك؟
قَالَ: رَأَيْتهمَا مَقْرُونَيْنِ فِي الْحِبَالِ.
قَالُوا: بَلَغَ النّجَاشِيّ مَقْتَلُ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ وَمَا ظَفّرَ اللهُ بِهِ نَبِيّهُ، فَخَرَجَ فِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، ثُمّ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمّ دَعَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ: أَيّكُمْ يَعْرِفُ بَدْرًا؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ النّجَاشِيّ: أَنَا عَارِفٌ بها، قد
_________________
(١) [(١)] الأخشبان: جبلا مكّة، أبو قبيس والأحمر. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٦١) . [(٢)] الترائب: عظام الصدر. (الصحاح، ص ٩١) . [(٣)] الحجر: حجر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المدار بالبيت جانب الشمال. (الصحاح، ص ٦٢٣) . [(٤)] فى الطبري عن الواقدي: «قاعد فى الحجر» . (تاريخ الرسل والملوك، ص ١٣٣٨) . [(٥)] فى الطبري عن الواقدي: «والله إن يعقل هذا فسلوه عنى» . (تاريخ الرسل والملوك، ص ١٣٣٨) . [(٦)] فى الطبري عن الواقدي: «حين قتلا» . (تاريخ الرسل والملوك، ص ١٣٣٨) .
[ ١ / ١٢٠ ]
رَعَيْت الْغَنَمَ فِي جَوَانِبِهَا، هِيَ مِنْ السّاحِلِ عَلَى بَعْضِ نَهَارٍ، وَلَكِنّي أَرَدْت أَنْ أَتَثَبّتَ مِنْكُمْ، قَدْ نَصَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِبَدْرٍ، فَأَحْمَدُ [(١)] اللهَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ بَطَارِقَتُهُ: أَصْلَحَ اللهُ الْمَلِكَ! إنّ هَذَا لَشَيْءٌ لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، تَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ وَتَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ! فَقَالَ: إنّي مِنْ قَوْمٍ إذَا أَحْدَثَ اللهُ لَهُمْ نِعْمَةً ازْدَادُوا بِهَا تَوَاضُعًا. وَيُقَالُ إنّهُ قَالَ: إنّ عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ كَانَ إذَا حَدَثَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ازْدَادَ بِهَا تَوَاضُعًا.
وَلَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ إلَى مَكّةَ قَامَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حرب فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تَبْكُوا عَلَى قَتْلَاكُمْ، وَلَا تَنُحْ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ، وَلَا يَبْكِهِمْ شَاعِرٌ، وَأَظْهِرُوا الْجَلَدَ وَالْعَزَاءَ، فَإِنّكُمْ إذَا نُحْتُمْ عَلَيْهِمْ وَبَكَيْتُمُوهُمْ بِالشّعْرِ أَذْهَبَ ذَلِكَ غَيْظَكُمْ، فَأَكَلَكُمْ ذَلِكَ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنّهُ إنْ بَلَغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ شَمِتُوا بِكُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمُ الْمُصِيبَتَيْنِ شَمَاتَتَهُمْ، وَلَعَلّكُمْ تُدْرِكُونَ ثَأْرَكُمْ، وَالدّهْنُ وَالنّسَاءُ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى أَغْزُوَ مُحَمّدًا. فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ شَهْرًا لَا يَبْكِيهِمْ شَاعِرٌ وَلَا تَنُوحُ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ.
فَلَمّا قَدِمَ بِالْأَسْرَى أَذَلّ اللهُ بِذَلِكَ رِقَابَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، وَلَمْ يَبْقَ بالمدينة يَهُودِيّ وَلَا مُنَافِقٌ إلّا خَضَدَ [(٢)] عُنُقَهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ نَبْتَلٍ: لَيْتَ أَنّا كُنّا خَرَجْنَا مَعَهُ حَتّى نُصِيبَ مَعَهُ غَنِيمَةً! وَفَرّقَ اللهُ فِي صُبْحِهَا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَقَالَتْ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهَا: هُوَ الّذِي نَجِدُهُ مَنْعُوتًا، وَاَللهِ لَا تُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ إلّا ظَهَرَتْ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ:
بَطْنُ الْأَرْضِ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا، هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ النّاسِ وَسَادَاتُهُمْ، وَمُلُوكُ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَالْأَمْنِ، قَدْ أُصِيبُوا. فَخَرَجَ إلَى مَكّةَ فنزل على أبى
_________________
(١) [(١)] فى ح: «فاحمدوا» . [(٢)] كذا فى الأصل وب، وفى ت: «خضع» . وخضد عنقه: ثناه. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٩١) .
[ ١ / ١٢١ ]
وَدَاعَةَ بْنِ ضُبَيْرَةَ، فَجَعَلَ يُرْسِلُ هِجَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَرِثَاءَ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَرْسَلَ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ، يَقُولُ:
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ [(١)]
قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِ لَا تَبْعَدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ
ويقول أقوام أذل بسخطهم [(٢)] إن ابن أشرف ظَلّ كَعْبًا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتّلُوا ظَلّتْ تَسِيخُ بِأَهْلِهَا [(٣)] وَتُصَدّعُ
نُبّئْت أَنّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِهِمْ فِي النّاسِ يَبْنِي الصّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنّمَا يَسْعَى عَلَى الْحَسَبِ الْقَدِيمُ الْأَرْوَعُ [(٤)]
قَالَ الْوَاقِدِيّ: أَمْلَاهَا عَلَيّ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ أَبِي الزّنَادِ، قَالُوا: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ فَأَخْبَرَهُ بِمَنْزِلِهِ عِنْدَ أَبِي وَدَاعَةَ، فَجَعَلَ يَهْجُو مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ حَتّى رَجَعَ كَعْبٌ إلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمّا أَرْسَلَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَخَذَهَا الناس معه وَأَظْهَرُوا الْمَرَاثِيَ وَجَعَلَ مَنْ لَقِيَ مِنْ الصّبْيَانِ وَالْجَوَارِي يُنْشِدُونَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ بِمَكّةَ، ثُمّ إنّهُمْ رَثَوْا بِهَا، فَنَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا شَهْرًا، وَلَمْ تَبْقَ دَارٌ بِمَكّةَ إلّا فِيهَا نَوْحٌ، وَجَزّ النّسَاءُ شَعْرَ الرّءُوسِ، وَكَانَ يُؤْتَى بِرَاحِلَةِ الرّجُلِ مِنْهُمْ أَوْ بِفَرَسِهِ فَتُوقَفُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَنُوحُونَ حَوْلَهَا، وَخَرَجْنَ إلَى السّكَكِ فَسَتَرْنَ السّتُورَ [(٥)] فِي الْأَزِقّةِ وَقَطَعْنَ الطّرُقَ فَخَرَجْنَ يَنُحْنَ، وَصَدّقُوا رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَجُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ.
وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَقَدْ كَمِدَ على من قتل من
_________________
(١) [(١)] فى ح: «يستهل ويدمع» . [(٢)] فى ح: «بعزهم» . [(٣)] ساخت الأرض بهم: انخسفت. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٦٢) . [(٤)] الأروع: الذي يروع لحسنه وجماله. (شرح أبى ذر، ص ٢١٢) . [(٥)] يريد أن النساء يضعن الستور على الطرق ويقطعنها ليجعلن مكانا للنوح.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَلَدِهِ، كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى وَلَدِهِ، وَتَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَكَانَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ: احْمِلْ مَعِي خَمْرًا وَاسْلُكْ بِي الْفَجّ الّذِي سَلَكَ أَبُو حُكَيْمَةَ. فَيَأْتِي بِهِ عَلَى الطّرِيقِ عِنْدَ فَجّ، فَيَجْلِسُ فَيَسْقِيهِ حَتّى يَنْتَشِيَ، ثُمّ يَبْكِي عَلَى أَبِي حُكَيْمَةَ وَإِخْوَتِهِ، ثُمّ يَحْثِي التّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُول لِغُلَامِهِ:
وَيْحَك! اُكْتُمْ عَلَيّ أَنْ تَعْلَمَ بِي قُرَيْشٌ، فَإِنّي أَرَاهَا لَمْ تُجْمِعْ الْبُكَاءَ عَلَى قَتْلَاهَا.
فَحَدّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ رَجَعُوا إلَى مَكّةَ وَقُتِلَ أَهْلُ بَدْرٍ: لَا تَبْكُوا عَلَى قَتْلَاكُمْ فَيَبْلُغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِكُمْ، وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ فَيَأْرَبَ [(١)] بِكُمْ الْقَوْمُ، أَلَا فَأَمْسِكُوا عَنْ الْبُكَاءِ! قَالَتْ: وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ- زَمْعَةُ، وَعُقَيْلٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ زَمْعَةَ- فَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى قَتْلَاهُ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟ لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حُكَيْمَةَ- يَعْنِي زَمْعَةَ- فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ! فَذَهَبَ الْغُلَامُ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ: إنّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرِهَا قَدْ أَضَلّتْهُ. فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ:
تُبَكّي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ وَيَمْنَعُهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ عَلَى بَدْرٍ تَصَاغَرَتْ الْخُدُودُ [(٢)]
فَبَكّي إنْ بَكَيْت عَلَى عَقِيلٍ وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
_________________
(١) [(١)] فيأرب: فيشتد. (شرح أبى ذر، ص ١٦٣) . أى يشتدون فى طلب الفداء. [(٢)] كذا فى الأصل، وب، ت. وفى البلاذري عن الواقدي: «تصاغرت الجدود» . (أنساب الأشراف، ج ١، ص ١٤٩) . وفى ابن إسحاق: «تقاصرت الجدود» . والجدود: جمع جد [بفتح الجيم] وهو هنا السعد والبخت. (شرح أبى ذر، ص ١٦٣) .
[ ١ / ١٢٣ ]
وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسَمِي [(١)] جَمِيعًا وَمَا لِأَبِي حُكَيْمَةَ مِنْ نَدِيدِ [(٢)]
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
أَلَا قَدْ سَادَ بعدهم رجال ولولا يوم بدر لَمْ يَسُودُوا
أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزّنَادِ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يُنْشِدُ: تَصَاغَرَتْ الْخُدُودُ.
وَلَا يُنْكِرُ الْجُدُودُ.
قَالُوا: وَمَشَى نِسَاءُ قُرَيْشٍ إلَى هِنْدِ بنت عتبة فقأن: أَلَا تَبْكِينَ عَلَى أَبِيك وَأَخِيك وَعَمّك وَأَهْلِ بَيْتِك؟ فَقَالَتْ: حَلْقَى [(٣)]، أَنَا أَبْكِيهِمْ فَيَبْلُغُ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِنَا، وَنِسَاءُ بَنِي الْخَزْرَجِ! لَا وَاَللهِ، حَتّى أَثْأَرَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ، وَالدّهْنُ عَلَيّ حَرَامٌ إنْ دَخَلَ رَأْسِي حَتّى نَغْزُوَ مُحَمّدًا. وَاَللهِ، لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الْحُزْنَ يُذْهِبُ مِنْ قَلْبِي بَكَيْت، وَلَكِنْ لَا يُذْهِبُهُ إلّا أَنْ أَرَى ثَأْرِي بِعَيْنِي مِنْ قَتَلَةِ الْأَحِبّةِ. فَمَكَثَتْ عَلَى حَالِهَا لَا تَقْرَبُ الدّهْنَ، وَمَا قَرِبَتْ فِرَاشَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ يَوْمِ حَلَفَتْ حَتّى كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ.
وَبَلَغَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ، وَهُوَ فِي أَهْلِهِ، وَقَدْ كَانَ شَهِدَ مَعَهُمْ بَدْرًا، أَنّ قُرَيْشًا بَكَتْ عَلَى قَتْلَاهَا، فَقَدِمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ خَفّتْ أَحْلَامُكُمْ، وَسَفِهَ رَأْيُكُمْ، وَأَطَعْتُمْ نِسَاءَكُمْ، وَمِثْلُ قَتْلَاكُمْ يُبْكَى عَلَيْهِمْ؟
هُمْ أَجَلّ مِنْ الْبُكَاءِ، مَعَ أَنّ ذَلِكَ يُذْهِبُ غَيْظَكُمْ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ الْغَيْظُ عَنْكُمْ إلّا أَنْ تُدْرِكُوا ثَأْرَكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ. فَسَمِعَ أبو سفيان بن حرب كَلَامَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ، غُلِبْت وَاَللهِ! مَا نَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى قَتِيلٍ لَهَا إلَى الْيَوْمِ، وَلَا بَكَاهُنّ شاعر إلّا
_________________
(١) [(١)] لا تسمى: أراد «لا تسأمى» فنقل حركة الهمزة إلى السين ثم حذف الهمزة (شرح أبى ذر، ص ١٦٣) . [(٢)] النديد: الشبيه والمثل. (شرح أبى ذر، ص ١٦٣) . [(٣)] حلقى: أى حلقها الله، يعنى أصابها وجع فى حلقها خاصة. (النهاية، ج ١، ص ٢٥١) .
[ ١ / ١٢٤ ]
نَهَيْته، حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَإِنّي لَأَنّا الْمَوْتُورُ الثّائِرُ، قُتِلَ ابْنِي حَنْظَلَةُ وَسَادَةُ أَهْلِ هَذَا الْوَادِي، أَصْبَحَ هَذَا الْوَادِي مُقْشَعِرّا لِفَقْدِهِمْ.
فَحَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمّدٍ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ إلَى مَكّةَ وَقُتِلَ صَنَادِيدُهُمْ وأشرافهم، أقبل عمير ابن وَهْبِ بْنِ عُمَيْرِ الْجُمَحِيّ حَتّى جَلَسَ إلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: قَبّحَ اللهُ الْعَيْشَ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ. قَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ: أَجَلْ وَاَللهِ، مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ، وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَا أَجِدُ لَهُ قَضَاءً، وَعِيَالٌ لَا أَدَعُ لَهُمْ شَيْئًا، لَرَحَلْت إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ إنْ مَلَأْت عَيْنَيّ مِنْهُ. فَإِنّهُ بَلَغَنِي أَنّهُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، فَإِنّ لِي عِنْدَهُمْ عِلّةً، أَقُولُ: قَدِمْت عَلَى ابْنِي هَذَا الْأَسِيرِ. فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيّةَ، وَهَلْ نَرَاك فَاعِلًا؟ قَالَ: إي وَرَبّ هَذِهِ الْبَنِيّةِ! قَالَ صَفْوَانُ: فَعَلَيّ دَيْنُك، وَعِيَالُك أُسْوَةُ عِيَالِي، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنّهُ لَيْسَ بِمَكّةَ رَجُلٌ أَشَدّ تَوَسّعًا عَلَى عِيَالِهِ مِنّي.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: قَدْ عَرَفْت بِذَلِكَ يَا أَبَا وَهْبٍ. قَالَ صَفْوَانُ: فَإِنّ عِيَالَك مَعَ عِيَالِي، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ، وَدَيْنُك عَلَيّ. فَحَمَلَهُ صَفْوَانُ عَلَى بَعِيرٍ وَجَهّزَهُ، وَأَجْرَى عَلَى عِيَالِهِ مِثْلَ مَا يُجْرِي عَلَى عِيَالِ نَفْسِهِ. وَأَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ فَشُحِذَ [(١)] وَسُمّ، ثُمّ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ لِصَفْوَانَ: اُكْتُمْ عَلَيّ أَيّامًا حَتّى أَقْدَمَهَا. وَخَرَجَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ صَفْوَانُ، وَقَدِمَ عُمَيْرٌ فَنَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، وَأَخَذَ السّيْفَ فَتَقَلّدَهُ. ثُمّ عَمَدَ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَحَدّثُونَ وَيَذْكُرُونَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ فى بدر، فرأى عميرا وعليه السيف،
_________________
(١) [(١)] شحذ السيف: أحده. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٥٤) .
[ ١ / ١٢٥ ]
فَفَزِعَ عُمَرُ مِنْهُ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: دُونَكُمْ الْكَلْبَ! هَذَا عَدُوّ اللهِ الّذِي حَرّشَ بَيْنَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَزَرْنَا لِلْقَوْمِ، وَصَعّدَ فِينَا وَصَوّبَ، يُخْبِرُ قُرَيْشًا أَنّهُ لَا عَدَدَ لَنَا وَلَا كَمِينَ. فَقَامُوا إلَيْهِ فَأَخَذُوهُ،
فَانْطَلَقَ عُمَرُ ﵁ إلَى النّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ، قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ السّلَاحُ، وَهُوَ الْغَادِرُ الْخَبِيثُ الّذِي لَا نَأْمَنُهُ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ: أَدْخِلْهُ علىّ! فخرج عمر فأخذ بخمالة سَيْفِهِ فَقَبَضَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى قَائِمَةَ السّيْفِ، ثُمّ أَدْخَلَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ:
يَا عُمَرُ، تَأَخّرْ عَنْهُ! فَلَمّا دَنَا عُمَيْرٌ مِنْ النّبِيّ ﷺ قَالَ: أَنْعِمْ صَبَاحًا! قَالَ النّبِيّ ﷺ: قَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ عَنْ تَحِيّتِك وَجَعَلَ تَحِيّتَنَا «السّلَامَ»، وَهِيَ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ. قَالَ عُمَيْرٌ: إنّ عَهْدَك بِهَا لَحَدِيثٌ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَدْ أَبْدَلَنَا اللهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَمَا أَقْدَمَك يَا عُمَيْرُ؟ قَالَ: قَدِمْت فِي أَسِيرِي عِنْدَكُمْ تُقَارِبُونَنَا فِيهِ، فَإِنّكُمْ الْعَشِيرَةُ وَالْأَهْلُ. قَالَ النّبِيّ ﷺ: فَمَا بَالُ السّيْفِ؟
قَالَ: قَبّحَهَا اللهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أَغْنَتْ مِنْ شَيْءٍ؟ وَإِنّمَا نَسِيته حِينَ نَزَلَتْ وَهُوَ فِي رَقَبَتِي، وَلَعَمْرِي إنّ لِي لَهَمّا غَيْرَهُ! فَقَالَ له رسول الله ﷺ: اُصْدُقْ، مَا أَقْدَمَك؟ قَالَ: مَا قَدِمْت إلّا فِي أَسِيرِي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَمَا شَرَطْت لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ؟
فَفَزِعَ عُمَيْرٌ فَقَالَ: مَاذَا شَرَطْت لَهُ؟ قَالَ: تَحَمّلْت لَهُ بِقَتْلِي عَلَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَك وَيَعُولَ عِيَالَك، وَاَللهُ حَائِلٌ بَيْنِي وَبَيْنَك [(١)] . قَالَ عُمَيْرٌ: أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ وَأَنّك صَادِقٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا الله! كنّا يا رسول الله نكذّبك
_________________
(١) [(١)] فى ب، ت: «بينك وبين ذلك» .
[ ١ / ١٢٦ ]
بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيك مِنْ السّمَاءِ. وَإِنّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ كَمَا قُلْت، فَلَمْ يَطّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَمَرْته أَنْ يَكْتُمَ عَنّي لَيَالِيَ مَسِيرِي فَأَطْلَعَك اللهُ عَلَيْهِ، فَآمَنْت بِاَللهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدْت أَنّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ، الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ! وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْهُ حِينَ طَلَعَ، وَهُوَ السّاعَةَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ بَعْضِ وَلَدِي. فَقَالَ النّبِيّ ﷺ:
عَلّمُوا أَخَاكُمْ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي كُنْت جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللهِ، فَلَهُ الْحَمْدُ أَنْ هَدَانِي، فَائْذَنْ لِي فَأَلْحَقُ قُرَيْشًا فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَعَلّ اللهَ يَهْدِيهِمْ وَيَسْتَنْقِذُهُمْ مِنْ الْهَلَكَةِ.
فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَلَحِقَ بِمَكّةَ، فَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْ عُمَيْرٍ كُلّ رَاكِبٍ يَقْدَمُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَقُولُ: هَلْ حَدَثَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ حَدَثٍ؟ وَيَقُولُ لِقُرَيْشٍ:
أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ. فَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْ عُمَيْرٍ فَقَالَ: أَسْلَمَ. فَلَعَنَهُ صَفْوَانُ وَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكّةَ وَقَالُوا: صَبَأَ عُمَيْرٌ! فَحَلَفَ صَفْوَانُ أَلّا يُكَلّمَهُ أَبَدًا وَلَا يَنْفَعَهُ، وَطَرَحَ عِيَالَهُ. وَقَدِمَ عُمَيْرٌ عَلَيْهِمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَخَبّرَهُمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ، قَالَ:
لَمّا قَدِمَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ نَزَلَ فِي أَهْلِهِ وَلَمْ يَقْرَبْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَدَعَا إلَيْهِ، فَبَلَغَ صَفْوَانَ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْت حِينَ لَمْ يَبْدَأْ بِي قَبْلَ مَنْزِلِهِ، وَإِنّمَا رَحَلَ مِنْ عِنْدِي، أَنّهُ قَدْ [(١)] ارْتَكَسَ، وَلَا أُكَلّمُهُ مِنْ رَأْسِي أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ وَلَا عِيَالَهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. فَوَقَفَ عَلَيْهِ عُمَيْرٌ، وَهُوَ فى
_________________
(١) [(١)] فى ح: «وقد كان رجل أخبرنى أنه ارتكس» .
[ ١ / ١٢٧ ]
الْحِجْرِ، فَقَالَ: أَبَا وَهْبٍ! فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَنْتَ سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، أَرَأَيْت الّذِي كُنّا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ حَجَرٍ وَالذّبْحِ لَهُ، أَهَذَا دِينٌ؟
أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَلَمْ يُجِبْهُ صفوان بكلمة.