كان الواقدي يجتهد في جمع الأحاديث. وقد بلغ ما جمعه منها على ما يرويه على بن المديني عشرين ألف حديث [(١)] . ويروى ابن سيد الناس عن يحيى بن معين: أغرب الواقدي على رسول الله ﷺ في عشرين ألف حديث.
وقد روينا عنه من تتبعه آثار مواضع الوقائع، وسؤاله من أبناء الصحابة والشهداء ومواليهم عن أحوال سلفهم، ما يقتضى انفرادا بالروايات، وأخبارا لا تدخل تحت الحصر [(٢)] .
ويقول ابن النديم: إنه كان عنده غلامان يعملان ليلا ونهارا في نسخ الكتب.
وقد ترك عند وفاته ستمائة قمطر من الكتب يحتاج كل منها إلى رجلين لحمله [(٣)] .
وواضح أن الواقدي قد صرف عنايته للعلوم الإسلامية بعامة، وللتاريخ منها بخاصة. يقول إبراهيم الحربي: إنه كان أعلم الناس بأمر الإسلام. قال: فأما فى الجاهلية فلم يعلم فيها شيئا [(٤)] .
ويتجلى هذا في وصف كاتبه وتلميذه ابن سعد وغيره له. يقول ابن سعد:
وكان عالما بالمغازى، والسيرة، والفتوح، واختلاف الناس في الحديث، والأحكام، واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه، وقد فسر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدّث بها [(٥)] .
أما المصادر التي ذكرت كتبه، فإننا نورد كتبه هنا حسبما جاءت في الفهرست لابن النديم [(٦)]، مع المقارنة بغيره من المصادر:
١- كتاب التاريخ والمغازي والمبعث.
٢- كتاب أخبار مكة
_________________
(١) [(١)] تاريخ بغداد، ج ٣، ص ١٣. [(٢)] عيون الأثر، ج ١، ص ٢٠. [(٣)] الفهرست، ص ١٤٤. [(٤)] سير أعلام النبلاء، ج ٧، ورقة ١١٧ (ب) . [(٥)] الطبقات، ج ٥، ص ٣١٤. [(٦)] الفهرست، ص ١٤٤.
[ المقدمة / ١٠ ]
٣- كتاب الطبقات.
٤- كتاب فتوح الشام.
٥- كتاب فتوح العراق.
٦- كتاب الجمل.
٧- كتاب مقتل الحسين.
٨- كتاب السيرة.
٩- كتاب أزواج النبي.
١٠- كتاب الردّة والدّار.
١١- كتاب حرب الأوس والخزرج.
١٢- كتاب صفيّن.
١٣- كتاب وفاة النبي.
١٤- كتاب أمر الحبشة والفيل.
١٥- كتاب المناكح.
١٦- كتاب السقيفة وبيعة أبى بكر.
١٧- كتاب ذكر القرآن.
١٨- كتاب سيرة أبى بكر ووفاته.
١٩- كتاب مراعى قريش والأنصار في القطائع، ووضع عمر الدواوين، وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها.
٢٠- كتاب الرغيب في علم القرآن وغلط الرجال.
٢١- كتاب مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين.
٢٢- كتاب ضرب الدنانير والدراهم.
٢٣- كتاب تاريخ الفقهاء.
٢٤- كتاب الآداب.
[ المقدمة / ١١ ]
٢٥- كتاب التاريخ الكبير.
٢٦- كتاب غلط الحديث.
٢٧- كتاب السنة والجماعة، وذم الهوى، وترك الخوارج في الفتن.
٢٨- كتاب الاختلاف.
ويتفق هذا مع ما أورده ياقوت في كتابه معجم الأدباء [(١)]، مع الاختلاف الآتي:
١- الكتاب رقم ٦ يذكره باسم «كتاب يوم الجمل» .
٢- الكتاب رقم ١٩ لم يذكر فيه العبارة الأخيرة، وهي «وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها» .
٣- الكتاب رقم ٢٠ يذكره باسم «كتاب الترغيب في علم القرآن» .
٤- الكتاب رقم ٢١ يذكره على أنه كتابان، أحدهما «مولد الحسن والحسين» والآخر «مقتل الحسين» .
٥- الكتاب رقم ٢٢ يذكره باسم «السنة والجماعة وذم الهوى» .
وكذلك أورد الصفدي أسماء كتبه مع الاختلاف الآتي [(٢)]:
١- لم يذكر الصفدي الكتابين رقم ٨ وهو «كتاب السيرة»، ورقم ١٢ وهو «كتاب صفين» .
٢- الكتاب رقم ١١ أورده باسم «حروب الأوس والخزرج» .
٣- الكتاب رقم ١٨ أورده باسم «ذكر الأذان» .
٤- الكتاب رقم ١٩ لم يذكر فيه العبارة الأخيرة وهي «وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها» كما لم يفعل ياقوت.
_________________
(١) [(١)] معجم الأدباء، ج ١٨، ص ٢٨١. [(٢)] الوافي بالوفيات، ج ٤، ص ٢٣٩.
[ المقدمة / ١٢ ]
٥- الكتاب رقم ٢٠ أورده باسم «كتاب الترغيب في علم المغازي وغلط الرجال» ٦- الكتاب رقم ٢١ ذكره باسم «كتاب مولد الحسن والحسين ومقتله» .
٧- الكتاب رقم ٢٢ ذكره باسم «كتاب ضرب الدنانير» .
٨- الكتاب رقم ٢٨ ذكره باسم «كتاب اختلاف أهل المدينة والكوفة في أبواب الفقه» .
وقد أورد صاحب كشف الظنون- فيما يذكره عنه صاحب هدية العارفين- هذه الكتب جميعا مع فارق بسيط جدا في بعض الأسماء ولم يزد عليها سوى كتاب واحد هو «تفسير القرآن» [(١)] ولعله هو الذي ذكره ابن النديم باسم «كتاب ذكر القرآن» .
ومن مجموع تصانيف الواقدي هذه كتابان لا نشك في نسبتهما إليه هما «كتاب المغازي»، و«كتاب الردّة»، على أن نقولا من كتبه الأخرى وجدت فى التآليف المتأخرة.
وإذا تأملنا عنوان الكتاب الأوّل كما يذكره ابن النديم وهو «كتاب التاريخ والمغازي والمبعث» يبدو لنا لأوّل وهلة أن «كتاب المغازي» جزء من كتاب ضخم يتضمن التاريخ والمغازي والمبعث، على نسق سيرة ابن إسحاق.
فابن سعد ينقل أحيانا عن الواقدي أخبارا تتعلق بما كان قبل البعثة [(٢)] .
أما الطبري فيعتمد على الواقدي في ذكر بعض الأخبار كغزو الأحباش لليمن مثلا، ووفاة عبد الله بن عبد المطلب [(٣)] .
وحين يتحدّث ابن كثير عن التبايعة لا يعتمد على الواقدي، ولكنه ينقل عن ابن إسحاق، وحين ينقل ابن كثير عن الواقدي أخبارا تتعلق بما قبل البعثة،
_________________
(١) [(١)] هدية العارفين، ج ٢، ص ١٠. [(٢)] الطبقات، ج ١ (١)، ص ٢٢، ص ٣٦، ص ٣٧، ص ٣٩، ص ٤٠، ص ٤١ إلخ. [(٣)] تاريخ، ج ١، ص ٩٤٢، ص ٩٨٠.
[ المقدمة / ١٣ ]
نراه ينقل عنه الأخبار التي تتعلق بقرب ظهور النبي [(١)] وولادته [(٢)] .
ويمكن القول أن ما نقله ابن سعد، والطبري، عن الواقدي من أخبار الجاهلية، إنما هو من «كتاب التاريخ والمغازي والمبعث»، وأن هذه الأقسام الثلاثة، تشبه المبتدأ والمبعث والمغازي من سيرة ابن إسحاق، وهذا الاستنتاج يصبح أقلّ قبولا حين نرى الأخبار الضئيلة في الجاهلية قبل الإسلام المنسوبة إلى الواقدي.
وقد رأينا ابن سعد، والطبري، وابن كثير ينقلون كثيرا عن الواقدي عند ذكر المغازي، فإذا كانت المغازي جزءا من كتاب كبير فإنه كان من المنتظر من هؤلاء المؤرخين أن ينقلوا من القسمين الآخرين من الكتاب، وهما التاريخ والمبعث.
ومن المهم في هذا الصدد أن نذكر أن الطبري حين يورد أخبار الجاهلية وما قبل الإسلام فإنه يرويها عن ابن سعد عن الواقدي، وحين يأتى إلى ذكر المغازي فإنه ينقل مباشرة عن الواقدي. وهذا يدلّ على أن الطبري اعتمد على كتاب المغازي، ولم يفعل ذلك بالنسبة لأخبار الجاهلية وما قبل البعثة.
ويستدل من تسمية الكتاب «كتاب التاريخ والمغازي والمبعث» كما ورد في ابن النديم وغيره، أنه ليس كتابا واحدا، ولكنه ثلاثة كتب، هي: «كتاب المغازي»، والكتابان الآخران ربما كانا أقساما من «كتاب التاريخ الكبير»، أو «كتاب السيرة» .
وتبدو المشكلة عينها حين نتأمل عنوان كتابه «الردة والدار» فإن حروب الردّة ومقتل عثمان يثيران السؤال، إذ أنه ليس من المنطق أن يكونا جزءا من كتاب واحد، فبينهما من الزمن نحو ربع قرن! وإذا فمن المعقول أننا أمام كتابين، ولسنا أمام كتاب واحد. ويؤيد ذلك ما جاء في المصادر الأخرى، فقد ذكره السهيلي [(٣)] باسم «كتاب الردة» فقط، وكذلك فعل ابن خير الإشبيلى في
_________________
(١) [(١)] البداية والنهاية، ج ٢، ص ٢٤٠. [(٢)] البداية والنهاية، ج ٢، ص ٢٦٤. [(٣)] الروض الأنف، ج ٢، ص ١٣٢.
[ المقدمة / ١٤ ]
فهرسته [(١)] . ويصفه اليافعي فى مرآة الجنان فيقول: ومنها- أى من كتب الواقدي- «كتاب الردة»، ذكر فيه ارتداد العرب بَعْدَ وَفَاةِ النّبِيّ ﷺ، ومحاربة الصحابة بطلحة بن خويلد الأسدى، والأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب [(٢)] . وكذلك ذكره حاجي خليفة بهذا الاسم [(٣)] .
وأخيرا، يذكر بروكلمان أن هناك نسخة مخطوطة لهذا الكتاب عنوانها «كتاب الردة» وهي محفوظة فى مكتبة خدا بخش فى بانكيبور بالهند [(٤)] . وقد اطلعنا عليها فوجدناها ليست خالصة للواقدي وإنما هي أخبار فى الردة نقل بعضها عن الواقدي وابن إسحاق.
وواضح أن ما نقله ابن سعد والطبري من أخبار الأحداث التي تلت وفاة النبي إنما كانت من كتاب الردّة للواقدي. وكذلك معظم ما ذكره ابن حبيش فى كتابه الغزوات [(٥)] .