* قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
* وقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
* وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩].
قلوب كافرة سوداءُ مظلمةٌ، ظُلُماتُها بعضُها فوقَ بعضٍ لا انكشافَ لها، مخيفة لا أَمْنَ فيها، مَضْيَعَةٌ لا خيرَ فيها، ضالةٌ ضلالُها لا رجوعَ منه، أعمالُهم سَراب ضائع يلتمعُ التماعًا كاذبًا، فيتبعُه صاحبُه الظاميء، وهو يتوقَّعُ الرّيَّ غافلًا عما ينتظره هناك، يَصِلُ فلا يَجدُ ماء يَرويه، إنما يجدُ ما يُرعبه وُيقطّعُ أوصالَه، وُيورِّثه الخَبَال، ﴿وَالَّذِينَ كَفَروا أَعْمَالُهُمْ كسَرَابٍ
[ ١ / ١٧٨ ]
بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
وجد الله عنده .. الله الذي كَفَر به، وجَحَده، وخاصَمَه، وعادى رسولَه، وآذاه، واستهزأ به.
هذه القلوبُ الكالحة، والأنفسُ الصَّلْدةُ اليابسة بِسُمِّها الزُّعاف لا تحملُ للاسلام ونبيّه - ﷺ - إلاَّ التحقيرَ والاستهزاءَ والسُّخريةَ وخَلْقَ أجواءِ الرِّيبة والاتهاماتِ والحقدِ على رسول الله - ﷺ -، منهم رُوَّاد حركة التغريب، وكبارُ مخططيها، وأبرز دعاتها، الذين حَملوا لواءَ العمل في ميادين التبشير "التنصير والاستشراق"، والكتابات السوداء عن الإسلام ونبيِّه العظيمﷺ -.
إن النور الذي أتى به السراجُ المنيرُ - ﷺ - لا يقفُ له إلاَّ قلبٌ غيرُ مطموس، ولا تصمُدُ لهُ إلاَّ روحٌ غيرُ معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامح اللئيم.
° حَمَلة السُّمومِ والحقدِ الواضحِ -لا الدفين- الذي تطفحُ به مواقفُهم وكتاباتُهم: مكر أولىك هو يَبور .. ويبقى رسولُ الله - ﷺ - بنوره وبهائِه وأصالته وجذورِه القوية وكلماتِه الطيِّبة وعقيدتِه الشافعية النقية، تزولُ الدنيا بأسرها، ولا يزولُ الإسلام وتعاليمُ نبيِّه - ﷺ - من صدورِ مُتَبعيه ما بَقِيَت الدنيا.
° شانئو محمد - ﷺ - مِن العبيد والأقزام وأذنابِ الغريب من الدَّجاجلة الذين يطعنون في شريعتهﷺ - وصلاحيتها لكل زمانٍ ومكان، ويمكرون أقبحَ المكر بسُنتَّه ورجالها، ويطعنون في أكبرِ دواوينِ السُّنة وحَمَلَةِ الحديث
[ ١ / ١٧٩ ]
ممَن لا تساوي دنياهم قُلامةَ ظفرهم.
نابتةٌ من الزنادقة الملحِدين في آياتِ الله، أو الصادِّين عن دين الله، قد سَلَكوا في الدعوة إلى الكفر والإلحاد شِعَابًا جُدُدًا، وللتشكيك في الدين طرائِقَ قِدَدًا؛ يزعمون للعِلم معنًى، إنْ لم يكن بعضُه في العلم، فأكثره في الجهل.
جاؤونا في أسماء العلماء، ولكن بأفعالِ أهل الجهل، وكانوا في العلم كالنبات الذي خَبُث، وإنَّك لن تجدَ سيماهم إلاَّ في أخلاقهم، فتعَرَّفهم بهذه الأخلاق، فستُنكِرْهم جميعًا، ولتعلَمَنَّ عليهم كل سُوءٍ، ولترينَهم حَشَوا أجسامهم طينًا وحماةً، في زَعْم كَذِبٍ يُسمي لك الطينَ "طِيبًا"، والحَمأة "مِسْكًا"!، ولَتَجِدَنَّ أحدهم وما في السِّفْلَةِ أسفلُ منه شهواتٍ ونزعات، وإنه مع ذلك ليُزَوَّرُ لك ويُلَبِّسُ عليك، فما فيه من لونٍ عندك يَعيبه إلاَّ هو عندَه تحتَ لوْنٍ يَزينه، ولا رزيلة تُقبِّحه إلاَّ هي في معنى فضيلةٍ تجملِه، فخذْ منه الكَذِبَ في فلسفةِ المنفَعة، والتسفُّلَ في شعاعة الغريزة، والوقاحةَ في زَعْم الحُرِيَّة، والخطأَ في عِلَّة الرأي، والإلحادَ في حُجَّة العلم، وفسادَ الطبيعة في دعوى الرجوع إلى الطبيعة .. وبالجملة: خذْ فِعالَهم فسَمِّهَا غيرَ أسمائها، وانحَلْها غيرَ صفاتِها، واكذبْ بالألفاظ على المعاني، وقُلْ: علماءُ ومُصلِحون، وأنت تعني ما شئت إلاَّ حقيقةَ العلم والإصلاح!!.
° أيتها الحصاة، ما يَسخرُ منكِ الساخرُ بأكثر من أن يَجلُوَكِ على الناس في عُلبةِ جوهرة.
يذهبُ أين ذهب، وشُعلةُ الجحيم العلميَّة تدورُ في رأسه تهفو من هنا وهناك، لا يَصلحُ إلاَّ على إفسادِ الحياة، ولا يقوَى إلاَّ على إِضعافِ القوي،
[ ١ / ١٨٠ ]
ولا يَعيشُ إلاَّ على غِذاءٍ من الموت، كأنَّه كان مِن قبلُ دودةً في قبر، ثم نَفَخَه الله إنسانًا، يجعله فيما يبلو به من الخلْق، ويضربُ الحياةَ به ضَرْبَ انحلالٍ وبِلى وتَعَفُّن.
ومَن تراهُ قد سَخِر به القَدَرُ أشدَّ سخرية قط، فضَغْطة في قالبٍ من قوالبِ الحياة المصنوعة، فإذا هو في تصاريفِ الدنيا كاتب مُرشد متنصِّح، يَنْفث دُخانَ قلبه الأسود، ويعملُ كما تعملُ الأعاصير على إهداء الوجوه والأعين والأنفاس صُحُفًا مُنَشرَّةً مِن غُبار الأرض، إنْ لمْ تكنُ مَرَضًا فأذًى، وإن لم تكن أذًى فضِيق، وإن لم تكن ضِيقًا فلن تكون شيئًا مما يُساغ أَوْ يُقبَل أوْ يُحَبُّ، على أنك ترى أصحابَنا لا يتحاملون على شيءٍ ما يتحاملون على القرآن الكريم، فهم يخصُّونه بمكاره العلم كُلِّها ويَجفَون عنه أشدَّ جفاء" (^١).
° شانئو محمد - ﷺ - هم شانئو القرآن الكريم الذي نزل على قلبه، فأراد المُجرمون أن يَحصُروه في المساجد تلاوةً، وهجروه تحاكمًا، وأنِفوا من تشريعه، وأرادوا فَصْلَ الدين عن دنيا الناس وسياستهم .. وهم واللهِ الجهالُ الذين لا يعلمون قَدْرَ كلام الله الذي سمَّاه الله "نورًا"، وسمَّاه "رُوحًا"، وسمَّاه "شفاء"، و"فضلًا"، و"رحمة" .. كلامُ الله الذي "يجري في الخواطر كما تصعدُ في الشجرِ قَطَراتُ الماء، ويتَصل بالرُّوح، فإنما يَمدُّ لها بسببٍ إلى السماء، وإنه لسِحْر؛ إذْ هو ألحاظٌ لم تَعْهَدْ كلْم أحداقَها، وثمراتٌ لم تَنبُتْ في قلم أوْراقُها، ونورٌ عليه رَوْنقُ الماء، فكأنما اشتعلت به الغيومُ، وماء يتلألأ كالنور، فكأنما عُصِر من النُّجوم.
_________________
(١) "إعجاز القرآن" للرافعي (٩ - ١٢) - دار الكتاب العربي.
[ ١ / ١٨١ ]
هَلْ رَأوا إلاَّ كلامًا تضيء ألفاظُه كالمصابيح، فعَصَفوا عليه بأفواههم كما تَعَصِفُ الريح، يُريدون أن يُطفؤوا نورَ الله، وأين سراج النجم من نفخةٍ ترتفعُ إليه؛ كأنما تذهب تطفيه؟! ونور القمر من كف يَحسب صاحبها أنها في حجْمِه، فيرفعها كأنما يخفيه؟! وهيهات هيهات؛ دون ذلك دَرْج الشمس -وهي أمُّ الحياة- في كفَنٍ، وإنزالُها بالأيدي -وهي روح النار- في قبرٍ من كهوفِ الزمن .. لا جَرَمَ أن القرآنَ سِرّ السماء؛ فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العربُ في طغيانهم يَعمهون، وظَلَّت آياتُه تلْقَفُ ما يأفِكون، فوقع الحقّ وبطل ما كانوا يعملون" (^١).
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ٥]:
ما أفظعَ عملَ وأقبحَ موقفَ المجرمين الأقزام الذين يَتحدَّوْن اللهَ ورسوله .. ويقفون عند الحدِّ المواجِهِ لحدِّهما!! وما أقبحَ مصيرَ أولئك المتبجِّحين!! فلهم القهر والذُّلُ في الداريْن، والتاريخ خيرُ شاهد .. وكلام الملوك ملوك الكلام.
* ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠ - ٢١]:
هذا وعدُ اللهِ الصادق الذي كان ولابد أن يكونَ، على الرَّغم مما قد يبدو أحيانًا من الظاهر الذي يُخالِفُ هذا الوعدَ الصادق.
_________________
(١) "إعجاز القرآن" للرافعي (ص ٣١).
[ ١ / ١٨٢ ]
وبعد صراع طويل مع الكفر والشِّرك والإلحاد استقرَّ الإيمانُ بالله في هذه الأرض، ودانت له البشريةُ بعد كلِّ ما وقف في طريقه من عَقَبات الشِّرك والوثنيَّة.
وإذا كانت هناك فتراتٌ عاد فيها الإلحادُ أو الشركُ إلى الظهور في بعضِ بقاع الأرض، فإن الإيمانَ بالله ظلَّ هو المسيطرَ بصفةٍ عامة، فضلًا على أن فتراتِ الإِلحادِ والوثنيةِ والكفر بمحمدٍ رسول الله خاتم النبيين ﷺ إلى زوالٍ مؤكَّد؛ لأنها غيرُ صالحةٍ للبقاء، والبشريةُ تهتدي في كل يوم إلى أدلةٍ جديدة إلى صِدقِ رسالة محمدٍ ﷺ الخاتمة، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] .. ويَهرعُ الناسُ في كلِّ مكان من أرجاء البسيطة .. إلى الدخول في الإسلام .. ولا يمرُّ يومٌ إلاَّ ويسلمُ العشراتُ بل والمئات .. فقد كَتب اللهُ على أعدائه وأعداءِ رسوله ﷺ الذّلَةَ والهزيمة، وكتب لنفسه ولرسوله الغَلَبةَ والتمكين .. والمؤمنُ يتعاملُ مع وعد الله على أنه الحقيقةُ الواقعة، فإذا كان الواقعُ الصغيرُ في جِيلٍ محدود، أو في رُقعةٍ محدودة يخالفُ تلك الحقيقةَ، فهذا الواقعُ هو الباطلُ الزائل، الذي يُوجَد في الأرض لحكمةٍ خاصة، لعلَّها استِجاشةُ الإيمانِ وإهاجتُه لتحقيق وعدِ الله في وقته المرسوم.
وعَبْرَ التاريخ .. وعَبْرَ تاريخ الإسلام هل استطاعت الحروبُ التي شَنَّها أعداؤه هل استطاع القتلُ والتشريدُ والتنكيلُ وأنواعُ النكايات، واغتصابُ النساء، وبَقْرُ بطونِ المسلمات، وذَبحُ الأجنَّة .. هل استطاع أن يقتلعَ جذورَ الإيمان بالله ورسوله من قلوب المسلمين؟! حين ينظرُ الإنسانُ
[ ١ / ١٨٣ ]
إلى هذا الواقع في المدى المتطاوِلِ يجدُ مِصداقَ قولِ الله، يجده في الواقع ذاتِه بدون حاجةٍ إلى الانتظارِ الطويل!!.
لا يخالجُ المؤمنَ شكٌّ في أن وَعْدَ الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بدَّ أن تظهرَ في الوجود، وأنَّ الذين يُحادُّون اللهَ ورسولَه هم الأذلون، وأنَّ اللهَ ورسولَه همِ الغالبون، وأن هذا هو الكائنُ والذي لا بدَّ أن يكون، ولْتَكُنِ الظواهر غير هذا ما تكون.
* قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
* وقال تعالي: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].
° قال الإمام ابن جرير الطبري: "يريد هؤلاء القائلون لمحمدٍ ﷺ: "هذا ساحرٌ مبين"، يريدون ليُبطِلوا الحقَّ الذي بَعث اللهُ به محمدًا - ﷺ - بأفواههم، يعني: بقولهم: "إنه ساحر، وما جاء به سحر"، ﴿وَاللهُ مُتِمُ نُورِهِ﴾، والله مُعلِن الحقَّ، ومُظهِر دينَه، وناصرٌ محمدًا ﷺ على مَن عاداه، فذلك إتمام نوره، وغنِي بالنور في هذا الموضع "الإسلام"، وكان ابن زيد يقول: عُنِي به القرآن" (^١).
° وقال العلاَّمة ابن كثير: "يريد هؤلاء الكفار من المشركين، وأهل الكتاب ﴿أَن يُطْفِئُوا نورَ اللهِ﴾ أي: الذي بُعث به رسول الله - ﷺ - من الهدى
_________________
(١) "جامع البيان" لابن جرير (١١/ ٨٨) طبع مصطفى الحلبي.
[ ١ / ١٨٤ ]
ودينِ الحق بمجرد افترائهم، فمَثَلهم كمَن يريد أن يُطفيء نورَ الشمس أو القمر بنفخة، وهذا لا سبيلَ إليه؛ فكذلك ما أُرسِل به رسولُ الله - ﷺ - لا بد أن يتمَّ ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلًا لهم فيما أرادوه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .. ﴿لِيظْهِرَة عَلَى الدِّينِ كلِّهِ﴾، أي: على سائر الأديان" (^١).
° قال ابن كثير: "يحاولون أن يردُّوا الحق بالباطل، ومَثَلُهم في ذلك كمَثَل مَن يُريد أن يُطفيء شعاعَ الشمس بفِيه، وكما أن هذا مستحيل، فذلك مستحيل" (^٢).
كم صدُّوا عن سبيله صدًّا، ومَن ذا يُدافعُ السيل إذا هَدَر؟ واعترضوه بالألسِنة ردًّا، ولَعَمْرِي مَن يَردّ على الله القَدَر؟ وتخاطروا له بسُفهائهم كما تخاطرت الفحول بأذنابِ (^٣) البقر، وفتحوا عليه من الحوادث كلَّ شِدْقٍ فيه مِن كلّ داهيةٍ ناب، فما كان إلاَّ نورُ الشمسِ لا يزالُ الجاهل يَطمعُ في سَرابه، ثم لا يضعُ منه قَطرةً في سِقائه، وُيلقي الصبيُّ غِطَاءَه ليخفيه بحجابه، ثم لا يزالُ النور ينبسِطُ على غِطائه.
° كم أبرقوا وأرعَدوا حتى سأل بهم وبصاحبهم السيَّل، وأثاروا من الباطل في بيضاءَ ليلُها كنهارها (^٤) ليجعلوا نهارَها كالليل، فما كان لهمِ إلاَّ كما قال الله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ الآية [الأنبياء: ١٨].
_________________
(١) "تفسير ابن كثير".
(٢) "تفسير ابن كثير".
(٣) إذا تصاولت الفحول من الإبل تخاطرت بأذنابها كأنها يهدد بعضها بعضًا.
(٤) أي: هذه الملة السمحة.
[ ١ / ١٨٥ ]