حركة الإنسان وسكنته علامة على عقله ومفتاح لمعرفة قلبه.
وعائشة أم المؤمنين ابنة الصديق ﵄ خير من يعرف خلق النبي - ﷺ -، وأدق من يصف حاله ﵊ فهي القريبة منه في النوم واليقظة والمرض والصحة، والغضب والرضا.
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «لم يكن رسول
الله - ﷺ - فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخابًا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح» (١).
وهذا خلق نبي الأمة الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﵊ يصف لنا سبطه الحسين ﵁ بعضًا من هديه - ﷺ - حيث قال: سألت أبي عن سير النبي - ﷺ - في جلسائه، فقال: «كان النبي - ﷺ - دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ غليظ ولا صخاب، ولا عياب، ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا
_________________
(١) رواه أحمد.
[ ٢٣ ]
له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه» (١)، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام» (٢).
تأمل في سجايا وخصال نبي هذه الأمة واحدة تلو الأخرى .. وأمسك منها بطرف وجاهد نفسك للأخذ منها بسهم فإنها جماع الخير!
وكان من هديه - ﷺ - تعليم جلسائه أمور دينهم .. ومن ذلك
أنه - ﷺ - قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار» (٣).
ومنه قوله ﵊: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٤).
وقوله - ﷺ -: «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٥).
_________________
(١) أي: أعينوه.
(٢) رواه الترمذي.
(٣) رواه البخاري.
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه الترمذي وأبو داود.
[ ٢٤ ]
وقوله ﵊: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (١).
وعنه - ﷺ -: أنه قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (٢).
وقال - ﷺ -: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة» (٣).
وعن عمر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» (٤). والإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح.
وعن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٥).
وعلى هذا فلا تجوز الصلاة في المساجد التي فيها قبر أو قبور.
_________________
(١) رواه أبو داود.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه مسلم.
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه مسلم.
[ ٢٥ ]