قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه منفعة العصب منها ما هو إلى آخر الفصل.
الشرح قوله: منها ما هو بالذات ومنها ما هو بالعرض، يريد بالتي بالذات ما تكون مقصودة من خلقة العصب أو لًا. وبالتي بالعرض ما خلقه العصب لا لأجلها بل لشيء آخر فاتفق أن أفاد ذلك النفع وخلقة الأعصاب إنما هي لأجل إفادة الأعضاء الحس والحركة. وإنما كان كذلك لأن الدماغ كما عرف مبدأ لقوة الحس والحركة إما بذاته كما هو مذهب الأطباء أو بتوسط القلب كما هو مذهب كثير من الفلاسفة وكيف كان فإن الروح إنما يمكن من صدور أفعال الحس والحركة عنها بعد أن تحصل في الدماغ وإنما يمكن استفادة الأعضاء منها ذلك بعد نفوذها إليها من الدماغ. فلا بد من آلة تصلح لنفوذها فيها، وهذه الآلة لا بد وأن تكون لينة ليكون مع كونها عسرة الانقطاع سهلة الانعطاف والانثناء بحسب ما يوجبه وضع الأعضاء. ولا بد وأن تكون مستحصفة الظاهر لتمنع من تحلل ما ينفذ فيها من الروح ولا بد وأن تكون متخلخلة الباطن ليتسع لجرم الروح، ولا بد وأن تكون باردة المزاج لتكون على مزاج العضو المصلح لمزاج الروح النافذة فيها وهو الدماغ، فلا يعرض للروح تغير عن المزاج الذي به تصلح لصدور أفعال الحس والحركة، ولا بد وأن تكون إلى يبوسة، وإلا لم تكن أرضيتها كبيرة فلم يمكن بأن تكون عسرة الانقطاع ولا بد وأن تكون هذه اليبوسة يسيرة، وذلك لأمرين: أحدهما: لئلا يفسد مزاج الروح لأنها تكون حينئذٍ خارجة عن مزاج الدماغ خروجًا كبيرًا.
وثانيهما: ليمكن أن تكون سهلة الانعطاف والانثناء. وهذه الآلة هي الأعصاب فإذا المقصود بالذات من خلقة الأعصاب أن تكون آلة لنفوذ هذه القوى من الدماغ إلى الأعضاء المستفيدة منه أفعالها.
وأما كونها مقوية للبدن واللحم فذلك بما اتفق منها لأنها لقوة جرمها وعسر انقطاعها، إذا انبثت في اللحم جعلته كذلك لأنها عسرة أي جعلته عسر الانفصال بسبب عسر انفصال ما هو منبث فيه، وإذا صار اللحم كذلك صار ظاهر البدن كذلك أيضًا لأنه ظاهر لحمي.
قوله: ومن ذلك الإشعار بما يعرض من الآفات للأعضاء وهذه المنفعة هي منفعة إفادة الدماغ للحس، وذلك لأن هذه الإفادة تكون تارة بأن يجعل العضو نفسه حاسًا بذاته، وتارة بأن يجعل ما يحيط به كذلك. فيكون له حس بالعرض فلذلك لا يصلح عند هذه المنفعة من المنافع التي بالعرض.
قوله: على عناية عظيمة تختص بما ينزل من الدماغ إلى الأحشاء بالعصب ها هنا ثلاث مسائل: إحداها: لم اختص العصب الدماغي بالنزول إلى الأحشاء مع أن النخاعي إليها أقرب؟ وثانيتها: لم اختصت الأحشاء بالعصب الدماغي مع أن حاجة الأعضاء الظاهرة إلى قوة الحس أكثر لأنها هي الملاقية للمؤذيات الواردة على البدن؟.
وثالثتها: لم اختصت الأعصاب الواردة إلى الأحشاء بزيادة الوقاية مع أن أعصاب الأعضاء الظاهرة ملاقية لما يرد من المؤذيات فكان وجوب التحرس عليها أولى؟ الجواب: أما المسألة الأولى فإن الأعصاب الدماغية لما كانت شديدة اللين كانت شديدة القبول للتضرر بالواردات المؤذية، فكان الأولى بها البعد عن ظاهر البدن لثقل ما يرد إليها من المؤذي.
وأما أعضاء الرأس والوجه فلما كانت بمرصد من الحس، وكان العصب النخاعي لو سلك إليها لا فتقر إلى تعريج كبير جعلت أعضاؤها دماغية.
[ ٨٦ ]
وأما المسألة الثانية: فقد أجاب الشيخ عنها، وذلك لأن هذه الأعصاب لما كانت مع لينها تحتاج إلى قطع مسافة بعيدة احتيج إلى توثيقها وخاصة في المواضع المذكورة ولا كذلك باقي الأعصاب فإنها إما صلبة كالنخاعية أو لينة. ولكنها لا تحتاج إلى مسافة بعيدة كالدماغية التي في الوجه والرأس.
قوله: فما كان المنفعة فيه إفادة الحس أبعد من منبعثه على الاستقامة يريد بذلك أن شأنه يكون كذلك إذا لم يكن هناك سبب آخر يوجب خروجه عن الاستقامة كما في الأعصاب الآتية إلى العينين.
قوله: بل كلما كانت ألين كانت لقوة الحس أشد تأذية ينبغي أن يقال: كان الحس أتم وأكمل، وذلك لأن العصب اللين أشد انفعالًا عن الملاقيات وأسرع انفعالًا، فإذا كان كذلك كان إدراك القوة لانفعاله أسرع وأكثر. وهذا فيما يكون الحس فيه بالملاقاة.
وأما ما ليس كذلك كحس البصر فإنه لا يكون كذلك وأما أن زيادة اللين تقتضي أن يكون تأذية القوة أشد أو أكثر فليس بلازم. والله ولي التوفيق.