هي الدراسة المنهجية لمجموعةٍ ما "أو مجموعات" من أفراد على فترات زمنية طويلة، وبعبارة أخرى: فإنه في الدراسة الطولية يكون لدينا أكثر من قياس لسلوك نفس الأفراد؛ وحيث إن سلوك المجموعة الواحدة "أو المجموعات" يجرى تقييمها في أوقات مختلفة، فإن الدراسة الممتدة "الطولية" تقدّم نتائج حول اتجاهات النمو. إن التناسق والتباين في أنماط النمو على مرِّ الزمن يمكن تحديده، مثال
ذلك: إننا نستطيع دراسة النمو في الأداء في اختبارات الذكاء كما فعل "تيرمان" حين تتبع نمو مجموعة من الأطفال الموهوبين على مدى ١٨ سنة، أو القدرة على حل المشاكل، أو السمات الجسمية، كما فعل ذلك "جيزل" حين تتبع نمو الأطفال من الميلاد إلى الخامسة ثم العاشرة، ومقارنة اتجاهات النمو "التغير في السن" بالفروق البسيطة في السن. وبالنسبة للأبعاد الأربعة الواردة بالجدول رقم "٣"، فإن الدراسة الطولية الممتدة تكون دائمًا دراسة "تغير في السن"، وقد تقع عند أيٍّ من أقطاب الأبعاد الثلاثة الباقية.
وللدراسة الطولية عدة مزايا أخرى، فهي لا يمكن استخدامها لفحص العوامل التي تؤثر على السلوك على مدى فترة فترات زمنية طويلة فقط، وبعبارة أخرى: فإن الدراسة الممتدة تعتبر مثالية لبحث تأثيرات العوامل الثقافية التي تحتاج لمرور وقت قبل التمكُّن من معرفة آثارها على السلوك، وثانيًا: إن الدراسة الطولية توضح أيضًا الاستمراريات والعموميات في السلوك على مر الزمن، فهي تكون بالغة الأهمية إذا أراد الباحث اكتشاف ما إذا كانت الخصائص من قبيل الذكاء، أو العدوانية أو الاتكالية أو المشكلات السلوكية ثابتة ومستقرة عبر الفترات الطويلة من الزمن؛ إذ أنها قابلة للتقلب والتذبذب.
ولاستخدام الدراسات الطولية بعض القصور والعراقيل، فهي كثيرة التكاليف، وتحتاج لزمن طويل، وعدد كبير من العاملين. والباحث قد لا يتيسر له سوى فترة
[ ١ / ١٧٠ ]
زمنية محدودة للتفرُّغ لدراسة ممتدة، وكذلك قدر محدود من المال لمتابعة أفراد المجموعة وإجراء عمليات الاختبار ومواصلتها، والمحافظة على اهتمام الأفراد.
هذا، وقد يكون إرهاق العينة مشكلة شديدة في الدراسات الطولية الممتدة، وخاصة عندما تتضمن أفرادًا متقدمين في السن، كما أن الأفراد قد يفقدون الاهتمام، أو يتحرَّكون وينتقلون إلى مكان آخر أو يموتون، ونتيجة لذلك، ففي كل مرة من مرات الاختبار يتعامل الفرد مع عينة مختلفة، وبالتالي فإن عمومية النتائج قد تتعرض للشك. وثَمَّة عيب آخر وهو أنَّ الدراسات الممتدة "الطولية" يصعب تكرارها؛ وحيث إن الإعادة هي إحدى طرق التأكد من أنَّ النتائج التي يتم التوصُّل إليها يمكن الاعتماد عليها، وهذا السبب بالغ الخطورة، وأخيرًا فإن إدخال إجراءات اختبار جديدة في دراسة ممتدة قائمة لكونه عادة يكون صعبًا. مثال: إننا لا نستطيع إجراء دراسة ممتدة "طويلة" عن نمو معامل الذكاء "iq" inteligence quotient باستخدام اختبار ذكاء ستانفورد بينيه stanford binet مثلًا، ثم الانتقال إلى معيار الذكاء للكبار الخاص بوكسلر wecksler، ذلك لأنَّ الاختبارين لا يقيسان الذكاء بطريقة واحدة، ولذلك فإن النقط التي يتمّ الحصول عليها من اختبار الذكاء لا يمكن مقارنتها من اختبار إلى اختبار آخر.
إن الجمع بين التخطيطات الطولية "الممتدة" وذات الفئات المختلفة "المستعرضة" تستخدم للتغلب على بعض المشاكل الكامنة في كلٍّ من التخطيطات الطولية الممتدة، وذات الفئات المختلفة "الطريقة المستعرضة" التي تجعلها في بعض الأحيان غير صالحة لتقييم ظواهر النمو، وفي التخطيط الطولي الممتد التقليدي نجد أن التأثيرات الناجمة عن السن تختلط بتلك الناجمة عن زمن الولادة، وهو ما يسمَّى بالفيلق "schae، ١٩٦٥" وبعبارة أخرى: حيث إن أعمار افراد المجموعة تختلف في نفس الوقت "وقت الاختبار"، فلا بُدَّ أنهم ولدوا في سنين مختلفة؛ وحيث إنهم ولدوا في سنين مختلفة، فقد يسلكون بطرق ولكنها لا تتعلق بالسن في حد ذاته، إن ما قد يظهر في النتائج كان اختلاف سن، وقد يكون في الواقع اختلاف في وقت الميلاد، والتأثيران يختلطان "يلتبسان تمامًا".
وأحيانًا لا نستطيع الحكم منطقيًّا بأن أحدهما وليس الآخر هو الذي أدى لنتائج التجربة، وربما تحدث هذه الظاهرة بوضوح تامٍّ عندما يؤثِّر عامل ثقافي ذو دلالة على النمو، كما في حالة الأفراد الذين من مستويات سن مختلفة، الذين ولدوا قبل أو بعد الحرب العالمية الثانية. إن أفرادًا في سن الأربعين قد يعطون نتائج مختلفة عن أفراد في سن العشرين، بصرف النظر عن فارق السن بين المجموعتين، ذلك لأن الذين في سن الأربعين قد عاصروا حربًا عالمية، الأمر الذي قد يجعلهم يؤدون أداء مختلفًا عن أداء أفراد المجموعة الأصغر سنًّا.
وفي الدراسة الطولية الممتدَّة يلتبس الأمر تمامًا بين قياس السن والزمن "schate ١٩٦٥"، وبعبارة أخرى فإن سنَّ أفراد التجربة يتعلّق مباشرة بالوقت الذي يؤخذ فيه القياس، وإذا تدخلت أحداثًا ثقافية ذات دلالة بين اختبار وآخر، فإن تغيرات السن التي تلاحظ قد تعكس أو لا تعكس فروقًا بسبب الوقت المعين للمقياس "أي: الأحداث الثقافية التي تدخلت". ومرة ثانية لنعتبر أفراد الأربعينات حيث إنهم ولدوا في عام ١٩٣٩ مثلًا، فإنهم عاصروا حربًا عالمية، وحربين محدودتين تورطت فيها الولايات المتحدة١، ولنا أن نتوقع أن قياسًا ممتدًا لاتجاهات أفراد هذه المجموعة نحو الحرب قد تعكس التورط الجاري في الحرب بعيدًا عن عمليات النضج النفسي، يعكسها بصفة عامَّة سن الفرد، وكما هو الحال في اللبس في حالة الدراسة الطولية الممتدة، فإنه من النادر أن نستطيع منطقيًّا فصل هذا اللبس. ولفظة اللبس بالمعنى الذي نستخدمه هنا يعني أنه من المتعذَّر علينا أن نحدد ما إذا كانت فروق السن أو تغيرات السن "حقيقية"، أو إذا كانت راجعة إلى تداخل أحداث ثقافية، أما إذا لم تتداخل أحداث ثقافية ذات دلالة، فإن التخطيطات التقليدية لن تشكل أي صعوبة.
_________________
(١) ١ بالنسبة للأبحاث التي أجريت في الولايات المتحدة.
[ ١ / ١٧١ ]