دلَّت ظواهر بعض النصوص على أن القدر يمكن أن يقع فيه تغيير وتبديل أو محو وإثبات، كقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٢)، وقوله -ﷺ-: "من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره فليَصِلْ رَحمه" (^٣).
فهذان النصَّان وما يماثلهما تُشْكِل مع ما سبق من أن القدر لا يتغير وأن القلم قد جفَّ بما هو كائن.
وقد أورد القرطبي والمازري بعض صور الجمع بين هذه النصوص واتفقا على أن ما في علم الله ﷾ ثابت لا يتغير ولا يتبدل.
قال القرطبي في شرحه للحديث السابق: "معنى التأخير هنا في الأجل -وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص-: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ والذي في علم الله ثابت لا تبديل فيه، كما قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو علم الله
_________________
(١) منهاج السنة (٤٦٣/ ١، ٤٦٤).
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ح (٥٩٨٥) (١٠/ ٤٢٩). ومسلم في كتاب البر والصلة والأداب باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ح (٢٥٥٧) (١٦/ ٣٥٠).
[ ٢٣٠ ]
الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، وحكي معناه عن عمر -﵁- في الآية" (^١).
وأطال المازري -على غير عادته- في هذه المسألة، وذكر عدة صور للجمع بين النصوص، فقال: قد أُثبت في هذا الحديث أن الأجل لا يزاد فيه، ولا ينقص، وقد قال في حديث آخر: إن صلة الرحم تزيد في العمر، فكيف الجمع بين الحديثين؟
قلنا: أول ما يجب أن تعلم أن الأجل عبارة عن الوقت الذي قدر موت الإنسان فيه، والباري سبحانه يعلمه، فما علمه الباري من الآجال لا يتبدل ولا يتغير، فالزيادة في الأجل الذي علمه الله ﷾ لا تصح. وإن كان في غير الأجل الذي عند الله تعالى في غيبه، فهذا غير ممتنع، وقال الحذاق من أهل العلم: ما وقع من الظواهر في الزيادة في العمر والنقصان منه، فيحمل على ما عند ملك الموت، أو من وكله الباري بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة، فإنه سبحانه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ لملك الموت فينقص منه أو يزيد فيه، على حسب ما شاء الله حتى يقع الموت على حسب ما علم الله تعالى في الأزل، وقد قال ﷿: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^٢) وهذا تنبيهٌ إلى ما قلناه، وإن كان قيل في الآية: محو الليل بالنهار، والنهار بالليل، وقيل: محو الأحكام المنسوخة بالناسخة لها. وقيل: معنى ذلك أن الله علم أن يعمره مائة عام؛ لأنه يَصِلُ رَحِمَهُ، وعلم أنه لو لم يصل رحمه لعمَّره ثمانين، والباري سبحانه موصوف بأنه يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا أمثل ما ذكرنا من التأويلات،
_________________
(١) المفهم (٦/ ٥٢٨) وانظر أيضًا (٦/ ٦٥٤).
(٢) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
[ ٢٣١ ]
أو ما قلناه من أن الزيادة والنقصان يرجعان إلى المَلَك" (^١).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة وذكر أن فيها خلافًا بين الأشعرية والحنفية "الماتريدية" حيث قال: "قد اشتهر الخلاف في ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسَّك الأشاعرة بمثل هذا الحديث (^٢)، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^٣) وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة الموكلين بالآدمي، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله" (^٤).
ونرى القرطبي والمازري لم يخرجا عما ذكره العلماء في هذه المسألة من صور الجمع بين هذه الأحاديث حيث ذكر العلماء أن الله قدَّر السبب والمسبب، فقدَّر أن هذا يصل رحمه فيزيد الله في عمره بهذا السبب، ولو لم يصل لما زاد.
وقال آخرون: الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة، فالمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله من نهاية العمر لا يتغير، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يحمل قول عمر -﵁-
_________________
(١) المعلم (٣/ ١٨٤) بتصرف.
(٢) وهو حديث ابن مسعود ﵁ في خلق الجنين وما يؤمر به الملك من كتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. أخرجه البخاري في كتاب القدر باب (١) ح (٦٥٩٤) (١١/ ٤٨٦) ومسلم في كتابه القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ح (٢٦٤٣) (١٦/ ٤٢٩).
(٣) سورة الرعد، الآية: ٣٩.
(٤) فتح الباري (١١/ ٤٩٧).
[ ٢٣٢ ]
الذي أشار إليه القرطبي وهو قوله: "اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب" (^١).
ومن العلماء من قال: إن الزيادة والنقصان على سبيل المجاز، فيحمل على البركة في العمر والسعة في الرزق، والزيادة في العمل ونحوها (^٢).
وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا القول فقال: "يُقال لهؤلاء تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدَّرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء -ثم بيَّن شيخ الإسلام المذهب الصحيح في ذلك فقال: - والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وَصَلَ رَحِمَهُ زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يُوجب النقص نقص من ذلك المكتوب والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلَّا ما علَّمهم الله. والله يعلم الأشياء قبل كونها، وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات" (^٣).
وقال أيضًا: "الأجل أجلان: (أجلٌ مطلق) يعلمه الله (^٤)، و(أجل مقيد)، وبهذا يتبين معنى قوله -ﷺ-: "من سرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، وأن
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ٤٠١) وقد ذكر هذا القول عن ابن مسعود وغير واحد من الصحابة.
(٢) وقد ذكر القرطبي هذا القول، وقال به أيضا ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢٣٨) والنووي في شرحه لصحيح مسلم (١٦/ ٣٤٩) والقاضي عياض في إكمال المعلم (٨/ ٢١) وغيرهم.
(٣) الفتاوى (١٤/ ٤٩٠).
(٤) أي يعلمه الله وحده.
[ ٢٣٣ ]
يُنْسَأ له في أثرِه فليصل رحمه" (^١) فإن الله أمر الملك أن يكتب أجلًا، وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر" (^٢).
ولكن ما في اللوح المحفوظ هل يتغير ويتبدل؟
أشار شيخ الإسلام إلى ذلك وذكر أن الخلاف فيها على قولين لكنه لم يرجِّح (^٣).
والقرطبي يرى أن المحو والإثبات يكونان فيما في اللوح المحفوظ كما يتبين من قوله السابق، فالتغير الذي نفاه هو ما في علم الله سبحانه، وهذا أمرٌ متفق عليه.
والراجح في هذه المسألة أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير ولا يتبدل، وإنما التغير والتبدل يكون في الصحف التي في أيدي الملائكة. فقد نقل ابن الجوزي عن الزَّجَّاج في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ قال المفسرون: وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث".
ثم قال ابن الجوزي: "وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب لا يغير منه شيء" (^٤).
وقال الشيخ السعدي عند تفسيره للآية السابقة: "يمحو الله ما يشاء
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٣٠).
(٢) الفتاوى (٨/ ٥١٧).
(٣) المرجع السابق (١٤/ ٤٩٢).
(٤) زاد المسير (٤/ ٢٥٩).
[ ٢٣٤ ]
من الأقدار، ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببًا لمحق بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ" (^١).
وقد رجَّح هذا القول أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: "المحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى، فلا محو فيه البتة، ويقال له: القضاء المبرم، ويقال للأول: القضاء المعلق" (^٢).
وقال به السفاريني في لوامع الأنوار (^٣). وهو مفهوم كثير من العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة.