يكاد لا يخلو كتاب من كتب الماتريدية والأشعرية المؤلفة في علم العقيدة من أثر علم الكلام والمنطق والفلسفة، فقد ألف الإمام أبو منصور الماتريدي ﵀ كتابه "كتاب التوحيد"، وذكر فيه القدمات الكلامية الطويلة حيث يشعر القارئ أنه يقرأ
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: كتاب المسايرة مع شرحها المسامرة للكمال ابن أبي شريف، والمسايرة للكمال ابن الهمام، مع حاشية زين الدين قاسم على المسايرة، مطبعة الساعادة مصر، ط/٢، ١٣٤٧ م، من أول الكتاب إلى ص: ٢٤٩ ذكر عقليات ثم بدأ في السمعيات، وكتاب العقائد النسفية مع شرحها للتفتازاني طبعة الإمدادية الهند من أول الكتاب إلى ص: ٩٧ ذكر عقليات ثم بعد ذلك بدأ في سمعيات.
[ ٧١ ]
كتاب فلسفة ومنطق وكلام، وكما وضع تفسيرا بعنوان "تأويلات أهل السنة" وهو أيضا مليئ بالمصطلحات الكلامية وتعطيل كثير من الصفات وتأويل النصوص.
وسموا علم التوحيد بعلم الكلام خلافا لما جرى عليه السلف وأئمتهم من تسميته بعلم السنة والشريعة والاعتقاد والتوحيد.
قال التفتازاني (^١): "فإن مبنى علم الشرائع والأحكام وأساس قواعد الإسلام هو علم التوحيد والصفات الموسوم بـ "الكلام" المنجي من غياهب الشكوك وظلمات الأوهام" اهـ (^٢).
وأما الأشاعرة فقد تبلغ مقدماتهم الفلسفية والكلامية أكثر من ثلثي الكتب قبل أن يدخل المؤلف في موضوع كتابه (^٣).
ومن ناحية أخرى حرص كثير منهم على نسبة أعلام الصحابة والسلف إلى علم الكلام، فذكر عبد القاهر البغدادي (^٤) عليا بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵄، وعمر بن عبد العزيز، وزيد بن علي بن الحسين، الحسن البصري،
_________________
(١) التفتازاني (٧١٢ هـ - ٧٩١ هـ): هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني ولد بتفتازان إحدى قرى نس، تتلمذ على الإيجي، ومن أهم كتبه: المقاصد في علم الكلام، والتهذيب في المنطق. (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر تحقيق محمد سيد جاد الحق دار الكتب الحديثة ٤/ ٣٥٠، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد دار إحياء التراث العربي بيروت ٦/ ٣١، البدر الطابع بمحاسن من بعد القرن السابع للشوكاني دار المعرفة بيروت ٢/ ٣٠٣).
(٢) شرح العقائد النسفية للتفتازاني طبعة قريمي يوسف ضياء، ١٣٢٦ هـ ص: ٢ - ٣، و٥ - ٦.
(٣) ينظر على سبيل المثال: التمهيد للباقلاني تحقيق الشيخ عماد الدين حيدر مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م ص: ١٧ وما بعده، وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي دار الكتب العلمية بيروت ط / ١، ١٣٤٦ هـ -١٩٢٨ م ص: ١٢ وما بعده.
(٤) عبد القاهر البغدادي (ت: ٤٢٩): هو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، الشافعي الأشعري الأصولي، وهو أكبر تلاميذ أبي إسحاق الإسفرائيني (سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/ ٥٧٢).
[ ٧٢ ]
والزهري، والشعبي، وجعفر الصادق، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف ﵏، وزعم بأنهم كانوا من متكلمين (^١).
ودافع القشيري (^٢) عن علم الكلام، ورأى أن القول بأنه بدعة صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم (^٣).
فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ولهذا يوجد في كلام هذا (الرازي) وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي (^٤) وذويه، ويوجد في كلام هذا (الرازي) وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري، وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه، ويوجد في كلام ابن كلاب (^٥) من النفي الذي قارب فيه المعتزلة
_________________
(١) ينظر أصول الدين للبغدادي ص: ٣٠٧ - ٣١٠.
(٢) القشيري (ت: ٥١٤ هـ): هو الشيخ الإمام، المفسر العلامة، أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام شيخ الصوفية أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، النحوي المتكلم كان أحد الأذكياء، لازم إمام الحرمين، حصل على طريقة المذهب والخلاف، وعظم قدره، واشتهر ذكره، وحج، فوعظ ببغداد، وبالغ التعصب للأشاعرة، والغض من الحنابلة (سير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/ ٤٢٤ - ٤٢٦).
(٣) ينظر الشكاية للقشيري ٤٣ - ٤٩.
(٤) أبو المعالي (٥٠٥ - ٥٧٨): شيخ الشافعية رأى أبا نصر القشيري، ودرس بالمدرسة النظامية في نيسابور نيابة عن الجويني، كما درس في دمشق وحلَب (سير أعلام النبلاء للذهبي ٢١/ ١٠٦).
(٥) ابن كلاب: هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، وربما وافقهم. وصفه ابن حزم في الفصل بأنه شيخ قديم للأشعرية، توفي بعد الأربعين ومائتين بقليل (سير أعلام النبلاء للذهبي ١١/ ١٧٤، والفصل في الملل لابن حزم ٥/ ٧٧).
[ ٧٣ ]
ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة، وإذا كان الغلط شبرا صار في الأتباع ذراعا ثم باعا حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة" اهـ (^١)