الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الشؤم شؤمان:
أحدهما محرم: وهو ما كان يعتقده أهل الجاهلية فيما يتطيرون به، ومن سماته:
١ - أنه يكون قبل إقدامهم على الشىء، وقد يكون بعده لكن عند حصول أدنى ضرر منه.
٢ - أنَّهم يعتقدون في المتطير منه أنه مؤثر بذاته وأنه سبب في جلب النفع ودفع الضر، وبالتالي فإنه يصدهم عما همُّوا به ويردهم عمَّا قصدوه ولذلك جعل النبي -ﷺ- الطيرة من الشرك كما في حديث ابن مسعود: "الطيرة شرك .. " (^١).
وسبب كونِها من الشرك أنهم اعتقدوا ما ليس سببًا لا شرعيًّا ولا قدريًّا سببًا قي جلب النفع ودفع الضر، وهذا شرك أصغر.
فإن اعتقدوا أن التطير سبب مؤثر بذاته مستقل بالنفع والضر عن مشيئة الله وإرادته فهو شرك أكبر (^٢).
قال في عون المعبود: ""الطيرة شرك" أي لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا، فإذا عملوا بموجبها فكأنّهم أشركوا بالله في ذلك ويسمى شركًا خفيًّا.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٠٩).
(٢) انظر: القول السديد للسعدى ص ١٨، والقول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ١٥٩).
[ ١٢٦ ]
ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًّا.
وقال القاضى: إنما سماها شركًا لأنَّهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببًا مؤثرًا في حصول المكروه وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفى فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد" (^٣).
وقال النووي مبينًا سبب كون الطيرة من الشرك: "لأنَّهم جعلوا لها -أي الطيرة- أثرًا في الفعل والايجاد" (^٤).
ومن شواهد تطير أهل الجاهلية ما جاء في أشعارهم ومن ذلك: -
١ - قول النابغة الذبياني:
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك خبرنا الغداف الأسود (^٥)
٢ - وقول عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع (^٦)
٣ - وقول علقمة:
ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لابد مشؤم (^٧)
وثانيهما: الشؤم المثبت في حديث رسول الله -ﷺ- وهو ما يجده الإنسان في نفسه من الكراهة لهذه الأشياء عند حصول الضرر منها أو فيها، ومن سماته:
١ - أنه لا يكون إلا بعد وقوع الضرر وتكرره من الشىء المتشائم منه
_________________
(١) عون المعبود (١٠/ ٢٨٨).
(٢) مسلم بشرح النووي (١٤/ ٤٧١).
(٣) ديوان النابغة ص (١٠٥)، وانظر الحيوان للجاحظ (٣/ ٤٤٢).
(٤) ديوان عنترة ص (١٠٣)، وانظر الحيوان للجاحظ (٣/ ٤٤٢).
(٥) ديوان علقمة ص (٦٧)، وانظر الحيوان للجاحظ (٣/ ٤٤٩).
[ ١٢٧ ]
فإذا تضرر الإنسان من شىء أبيح له تركه، بل قد يجب ذلك.
٢ - أنه يكون لصفة مذمومة موجودة في الشىء، بخلاف التطير الممنوع فإنه يكون لسبب خارج عن الشيء غالبًا، كمن ترك السفر لا لشيء في السفر وإنما لأنه رأى طيرًا فتشاءم منه فهذا الترك ممنوع وأما الأول فمباح.
٣ - أن الأثر المترتب على التشاؤم من هذه الأشياء هو تركها ومفارقتها مع اعتقاد أن الله تعالى هو الخالق الفعَّال لما يريد بيده النفع والضر سبحانه، وأن هذه الأشياء ليس لها بنفسها تأثير، وإنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله تعالى فيها من الخير والشر، ويدل على هذا قوله -ﷺ- في الحديث: "الشؤم في ثلاث" لأن "في" للظرفية كما هو معلوم.
كما يدل عليه أيضًا حديث أنس ﵁ قال: قال رجل (^٨): يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ذروها ذميمة" (^٩).
فإنه -ﷺ- أمرهم بالتحول عنها لِما رأى فيهم من الكراهة لها ووقوع الضرر وتكرره فيها مما نتج عنه استثقالهم لها، فأمرهم -ﷺ- بالتحول ليزول ما في نفوسهم من الكراهة، لا لأجل أَنَّها سبب في ذلك.
_________________
(١) وفي بعض الروايات "امرأة"، كما عند مالك.
(٢) أخرجه أبو داود (عون ١٠/ ٣٠٠)، ح (٣٩١٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٩١٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤٠٧)، ح (١٩٢٦) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٦٨) وقال: هذا محفوظ من وجوه منها حديث أنس. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٤٣)، ح (٣٣٢٢)، وكذلك حسن إسناده شعيب الأرنووط في تحقيقه لشرح السنة (١٢/ ١٧٩).
[ ١٢٨ ]
قال ابن قتيبة: "وإنما أمرهم بالتحول منها لأنَّهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، فأمرهم بالتحول، وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه وإن كان لا سبب له فِى ذلك، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به" (^١٠).
وهذا التفصيل هو معنى كلام الخطابي وابن رجب وابن القيم عليهم رحمة الله، وقد سبق ذكر كلامهم وقد يدل عليه كلام مالك ﵀.