معنى هذا الحديث، الذي يدل عليه ظاهره: أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله، وتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى، طاعةً وامتثالًا، فلا يصغي بسمعه ولا يرى ببصره إلا إلى ما يرضي الله تعالى، ويكون هو المقصود بهذه الأعضاء والقوى.
وليس ظاهره أن الله تعالى يكون نفس الحدقة والشحمة والعصب والقدم، كما هو قول أهل الحلول (^١).
قال ابن تيمية: "الحديث حق كما أخبر النبي -ﷺ-، فإن ولي الله لكمال محبته لله، وطاعته لله، يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما يبغضه الحق أبغضه، ويبقى في سمعه وبصره من النور ما يميز به بين الحق والباطل، كما قال النبي -ﷺ- في الحديث المتفق على صحته: (اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا) (^٢) " (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩١)، و(٢/ ٢٢٥، ٣٧٢)، و(١٧/ ١٣٤)، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٤٥).
(٢) البخاري (٥/ ٢٣٢٧) ح (٥٩٥٧)، ومسلم (٦/ ٢٩٠) ح (٧٦٣) من حديث ابن عباس -﵁-.
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٧٣)، وانظر للاستزادة مما قيل في معناه: الجواب الكافي =
[ ٢٦٨ ]
وقال الشيخ محمد العثيمين -رحمه الله تعالى-: معنى هذا الحديث "هو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصًا، وبالله تعالى استعانةً، وفي الله تعالى شرعًا واتباعًا، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة" (^١).
وقد احتج أهل الحلول والاتحاد بهذا الحديث على صحة ما ذهبوا إليه، فقالوا: إن هذا يوجب أن يكون عين الحق عين أعضائه.
ولكن حجتهم هذه داحضة، وقولهم الذي ذهبوا إليه باطل مردود، مناقض للعقل والشرع، ولذلك قال الشوكاني: "قول الاتحادية يقضي عقل كل عاقل ببطلانه، ولا يحتاج إلى نصب الحجة معهم" (^٢).
ومع هذا فإن الحديث حجة عليهم، مبطل لمذهبهم من عدة وجوه، منها:
١ - أنه قال: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فأثبت ثلاثة: وليًا، وعدوًا يعادي وليه، وميَّز بين نفسه وبين وليه، وعدو وليه.
٢ - أنه قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)، ففرق بين العبد المتقرب، والرب المتقرب إليه.
٣ - ومثله قوله: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).
٤ - وقال أيضًا: (ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه)، فجعل
_________________
(١) = لابن القيم (٣١٧ - ٣١)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٧)، وفتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٤٤)، وقطر الولي (٤٢٨ - ٤٣٥).
(٢) القواعد المثلى (٦٩)، وانظر: شرحه لرياض الصالحين (١/ ٤٤٩)، و(٢/ ١٩٢)، والتعليقات على الأربعين النووية، له أيضًا (١١٨).
(٣) قطر الولي (٤٣٨).
[ ٢٦٩ ]
العبد سائلًا مستعيذًا، والرب مسؤلًا مستعاذًا به، وهذا يناقض الحلول والاتحاد (^١).
٥ - أنه قال: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته).
قال ابن تيمية: "هذا تصريح بأنه عبده، ليس الرب جزءًا منه، ولا صفةً له، وأنه يُقبض ويموت، ومعلوم أن الله حي لا يموت، فضلًا عن أن يكون بعضًا، أو صفة لمن يموت، فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله، لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة" (^٢).
* * *
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٣٧١)، والاستغاثة في الرد على البكري (١/ ٢١٦ - ٢٢٠) ثلاثتها لابن تيمية، وقطر الولي للشوكاني (٤٣٧ - ٤٣٨).
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (١/ ٣٠٠).
[ ٢٧٠ ]