يختلف هذا الكتاب في مضمونه عن الكتب السابقة، وإن كان يشابهها
_________________
(١) قد اختصره القاضي أبو الوليد ابن رشد (الجد) (ت: ٥٢٠ هـ)، وذلك بحذف أسانيد الأحاديث، وتقليل طرقها، واختصار كثير من ألفاظه من غير أن يخل بشيء من معانيه، كما أنه هذبه ورتبه فضم كل نوع إلى نوعه وألحق كل شكل بشكله. [انظر: المعتصر من المختصر (١/ ٣)] واختصر (مختصر ابن رشد): القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتاب سماه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار)، وهو مطبوع متداول. كما قام الباحث خالد بن محمود الرباط بترتيب الأصل -مشكل الآثار- فقسمه إلى خمسة وعشرين كتابًا مرتبًا إياها على الموضوعات الفقهية، فابتدأه بكتاب الإيمان ثم الطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة وهكذا، وختمه بكتاب الفتن ثم القيامة والجنة والنار، وقد جمع تحت كل كتاب ما يتعلق به من الأحاديث، وسماه: "تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار"، وهو مطبوع في عشر مجلدات. تنبيه: نسب أبو المحاسن يوسف بن موسى صاحب (المعتصر) كتاب (مختصر مشكل الآثار) للقاضي أبي الوليد الباجي (ت: ٤٧٤ هـ)، وهو الموجود على غلاف (المعتصر) بناءً على هذه النسبة، ولكن -بعد التحري والتثبت- تبيَّن لي أنه ﵀ قد وهم في هذه النسبة لأن المختصر ليس لأبي الوليد الباجي، وإنما هو للقاضي أبي الوليد ابن رشد (الجد) -كما تقدم- كما ذكر ذلك عدد كبير من أهل العلم كالذهبي في السير (١٩/ ٥٠٢)، وابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٨٤)، وغيرهما، ولم أجد من نسب هذا الاختصار إلى أبي الوليد الباجي غير أبي المحاسن يوسف بن موسى في كتابه (المعتصر) فلعل سبب الوهم هو اشتراكهما في الكنية والعمل فكلاهما يقال له: (القاضي أبو الوليد)، والله تعالى أعلم.
(٢) فتح المغيث (٣/ ٧١).
(٣) وهو مخطوط وعندي منه نسخة، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود (٢/ ٥١٦ - ٥٢٥).
(٤) هو أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري، صحب أبا الحسن الأشعري =
[ ٣٩ ]
في التسمية، فهو يتميز عنها بكونه يبحث في مجال العقيدة، وفي نصوص الأسماء والصفات على وجه الخصوص، لكن مؤلفه بناه على مذهب الأشاعرة (^١)، حيث يقوم بتأويل كثير من نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها المراد منها، مدَّعيًا أن ظاهرها التجسيم والتشبيه، كما فعل في صفة الضحك (^٢) والعجب (^٣) والفرح (^٤) والنزول والمجيء والإتيان (^٥) وغيرها من الصفات.
_________________
(١) = بالبصرة، وأخذ عنه وتخرج به واقتبس منه، وكان من المبرِّزين في علم الكلام، والمشاركين في أصناف العلوم، له عدة تصانيف، أشهرها: تأويل الأحاديث المشكلة، توفي في حدود سنة ثلاثمئة وثمانين (٣٨٠ هـ). [انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر (١٩٥)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٦٦)، والوافي بالوفيات للصفدي (٢٢/ ١٤٣)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٢٧)].
(٢) الأشاعرة: هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري علي بن إسماعيل -الإمام المعروف- في مذهبه بعد رجوعه عن الاعتزال، وقبل إعلانه الرجوع إلى مذهب السلف كما في كتابيه: مقالات الإسلاميين والإبانه. وهم في الجملة: لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا، لدلالة العقل عليها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والكلام والإرادة والسمع والبصر، على أن حقيقة قولهم في صفة الكلام لا يعد إثباتًا، ويقولون: إن الإيمان هو التصديق، ومذهبهم في القدر يؤول إلى الجبر. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥): "الأشعرية: الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام، جبرية في باب القدر، وأما في الصفات فليسوا جهمية محضة، بل فيهم نوع من التجهم". [انظر: الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٩٤ - ١٠٣)، وأصول الدين (٩٠)، والفرق بين الفرق (٢٩٣)، وما بعدها، كلاهما للبغدادي، ومجموع الفتاوى (٤/ ٧٢)، و(٥/ ٥٥٦)، و(٦/ ٥٢ - ٥٥)، والمواعظ والآثار بذكر الخطط والآثار -المعروف بالخطط المقريزية- (٢/ ٣٥٨)، ومقدمة الشيخ حماد الأنصاري لكتاب الإبانة، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود].
(٣) انظر: (لوحة ٣١/ ب).
(٤) انظر: (لوحة ٣٥/ أ - ب).
(٥) انظر: (لوحة ٤٢/ أ).
(٦) انظر: (لوحة ٥٠/ أ - ب).
[ ٤٠ ]
وقد يثبت الصفة مع التفويض الكامل لها، كما فعل في اليدين (^١).
وفي بداية كتابه غمز أهل الحديث ونال منهم، حيث وصفهم بقلة "عنايتهم بمعرفة مصادر الكلام وموارده، وظاهره وباطنه، ومجازه وحقيقته واستعارته، وما يجوز إطلاقه في القديم وما لا يجوز إطلاقه"، ثم قال: "قد قنع الواحد منهم من العلم برسمه، ومن الحديث بجمعه واسمه " (^٢).
ويبين سبب تأليفه هذا الكتاب بقوله: "أما بعد فإنك كتبت إلي شكوى ما فشا بالناحية من معتقد الفرقة المنتسبة إلى الحديث المنتحلة للأثر، حتى مالوا إلى قوم من ضعفة المسلمين بمعاهدتهم بالتلبيس والتمويه " (^٣).
ومما تحسن الإشارة إليه أن الطبري قد أورد في كتابه هذا كثيرًا من الآيات الموهمة للتشبيه -على زعمه- ولم يقصره على الأحاديث، ولذلك نقل منه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤) ﵀ وسماه: "مشكل الآيات" (¬٥).