ومن الفتن الّتي وقعت بين الصّحابة ﵃ غير حرب الجمل ما أشار إليه النّبيّ - ﷺ - بقوله: "لا تقوم السّاعة حتّى تقتتلَ فئتانِ عظيمتان، يكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة".
رواه البخاريّ ومسلم (^٢).
فالفئتان هما طائفة عليٍّ ومَن معه، وطائفة معاوية ومَن معه، على ما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (^٣).
أخرج البزَّار بسند جيِّد عن زيد بن وَهْب؛ قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة الّتي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها؛ فإنها على الحق (^٤).
_________________
(١) "منهاج السنة" (٢/ ١٨٥).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب (بدون)، (١٣/ ٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ١٨/ ١٢ - ١٣ - مع شرح النووي).
(٣) (١٣/ ٨٥).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٨٥).
[ ١٠٢ ]
وقد وقعت الحرب بين الطائفتين في الموقعة المشهور بـ (صفِّين) (^١) في ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، وكان بين الفريقين أكثر من سبعين زحفًا، قُتِل فيها نحو سبعين ألفًا من الفريقين (^٢).
وما حصل من قتال بين عليٍّ ومُعاوية لم يكن يريده واحدٌ منهما، بل كان في الجيشين من أهل الأهواء متغلَّبون يحرِّضون على القتال، الأمر الّذي أدَّى إلى نُشوب تلك المعارك الطاحنة، وخروج الأمر من يد عليٍّ ومُعاوية ﵄.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا مُعاوية، وكان علىٌّ ومُعاوية ﵄ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها.
وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي (^٣)، وهاشم بن عتبة
_________________
(١) (صفين): موضع على شاطىء الفرات من الجانب الغربي، بقرب الرقة، آخر تخوم العراق وأول أرض الشّام. انظر: "معجم البلدان" (٣/ ٤١٤)، وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب على "العواصم" (ص ١٦٢).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٦)، و"معجم البلدان" (٣/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٣) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي الكوفي المعروف بالأشتر، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر وعلي، وكان من أصحاب علي ﵁، شهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وقيل: إنّه شهد اليرموك، وكان رئيس قومه، وكان ممَّن يسعى في الفتنة والتأليب على عثمان، ولَاّه على مصر، وتوفي وهو في طريقه إليها سنة (٣٧ هـ).=
[ ١٠٣ ]
المرقال (^١) وعبد الرّحمن بن خالد بن الوليد (^٢) وأبي الأعور السلمي (^٣) ونحوهم من المحرِّضين على القتال، قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلّيٍّ، وقوم ينفرون عنه، ثمّ قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى.
وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية، لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم؛ كما قال الزّهريُّ: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، فأجمعوا أن كلّ دمٍ أو مال أو فرج أُصيب بتأويل القرآن؛ فإنّه هدرٌ، أنزلوهم
_________________
(١) = انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (١٠/ ١١ - ١٢)، و"الأعلام" (٥/ ٢٥٩).
(٢) هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص الزّهريُّ: يُعرف بـ (المرقال)، كان من أمراء علي يوم صفين، ولد في حياة النّبيّ - ﷺ -، قيل: إنّه من الصّحابة، وقُتِل يوم صفين، وكان موصوفًا بالشجاعة انظر ترجمته في: "سير أعلام النُّبَلاء" (٣/ ٤٨٦)، و"شذرات الذهب" (١/ ٤٦)، و"الأعلام" (٨/ ٦٦).
(٣) عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، كان أحد الأجواد، وكان حامل لواء معاوية يوم صفين، توفي سنة (٤٦ هـ) ﵀. انظر: "شذرات الذهب" (١/ ٥٥).
(٤) هو عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد الذكواني السلمي، مشهور بكنيته. نقل ابن حجر عن عبّاس الدوري أن يحيى بن معين قال: "أبو الأعور السلمي، رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وكان مع معاوية". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "إن أبا الأعور أدرك الجاهلية ولا صحبة له، وقد غزا قبرص سنة ست وعشرين، وكانت له مواقف بصفين مع معاوية". انظر: "الإِصابة" (٢/ ٥٤٠ - ٥٤١)، وحاشية "المنتقى من منهاج الاعتدال" (ص ٢٦٤) للإِمام الذهبي تحقيق وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب.
[ ١٠٤ ]
منزلة الجاهلية" (^١).