عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يكثر الهَرْجُ". قالوا: وما الهَرْجُ يا رسول الله؟ قال: "القتلُ، القتلُ".
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ١٢٢ - ١٢٣) باختصار.
(٢) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٧٧)، تحقيق د. طه زيني.
[ ١٥٢ ]
رواه مسلمٌ (^١).
وفي رواية للبخاري عن عبد الله بن مسعود: "بين يدي السّاعة أيَّامُ الهَرْجِ؛ يَزول فيها العلم، ويظهر فيها الجَهْل". قال أبو موسى: والهرج: القتل؛ بلسان الحبشة (^٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ كما قال: "إن بين يدي السّاعة الهَرْجُ". قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل". قالوا: أكثر ممّا نقتل؛ إنا نقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفًا. قال: "إنّه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا". قالوا: ومعنا عقولُنا يومئذ. قال: إنّه لَيُنْزَع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان، ويخلف له هباء من النَّاس؛ يحسب أكثرهم أنّه على شيء، وليسوا على شيء" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لا تذهبُ الدُّنيا حتّى يأتي على النَّاس يومٌ لا يَدْري القاتلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المقتولُ فيم قُتِلَ؟ ". فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهَرْجُ،
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووىِ).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٤ - مع الفتح).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ٤١٤ - بهامشه منتخب كنزل العمال)، و"سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة، (٢/ ١٣٠٩) (ح ٣٩٥٩)، و"شرح السنة"، باب أشراط السّاعة، (١٥/ ٢٨ - ٢٩) (ح ٤٢٣٤). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ١٩٣) (ح ٢٠٤٣).
[ ١٥٣ ]
القاتل والمقتول في النّار" (^١).
وما أخبر به - ﷺ - في هذه الأحاديث قد وقع بعضٌ منه، فحدث القتال بين المسلمين في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل عثمان ﵁، ثمّ صارت الحروب تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، ودون أن تعرف أسباب أكثر تلك الحروب.
وإنَّ ما حصل في القرون الأخيرة من الحروب المدمِّرة بين الأمم، والتي ذهب ضحيَّتها الألوف، وانتشرت الفتن بين النَّاس بسبب ذلك، حتّى صار الواحد يقتل الآخر، ولا يعرف الباعث له على ذلك.
وكذلك، فإن انتشار الأسلحة الفتَّاكة الّتي تدمِّر الشعوب والأمم له دورٌ كبيرٌ في كثرة القتل، حتّى صار الإِنسان لا قيمة له؛ يُذْبَحُ كما تُذْبَحُ الشاة، وذلك بسبب الانحلال، وطيش العقول، فعند وقوع الفتن يقتل القاتل، ولا يدري لماذا قُتِل، وفيم قُتِل، بل إننا نرى بعض النَّاس يقتل غيره لأسباب تافهة، وذلك عند اضطراب النَّاس، ويصدق على ذلك قوله - ﷺ -: "إنّه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان"، نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن؛ ماظهرمنها وما بطن.
وقد جاء أن لهذه الأمة أمة مرحومةٌ، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، وأن الله تعالى جعل عذابها في الدُّنيا الفتن والزلازل والقتل، ففي الحديث عن صدقة بن المثنَّى: حدّثنا رباح بن الحارث عن أبي بُردة؛ قال: بيَّنَّا أنا
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٥ - مع شرح النووي).
[ ١٥٤ ]
واقفٌ في السوق في إمارة زياد إذ ضربتُ بإحدى يدي على الأخرى تعجُّبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله - ﷺ -: ممّا تعجبُ يا أبا بُردة؟ قلتُ: أعجب من قومٍ دينُهم واحدٌ، ونبيُهم واحدٌ، ودعوتُهم واحدٌ؛، وحجُّهم واحدٌ، وغزوهم واحدٌ؛ يستحلُّ بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب! فإني سمعتُ والدي أخبرني أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذابٌ، إنّما عذابها في القتل والزلازل والفتن" (^١).
وفي رواية عن أبي موسى: "إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذابٌ، إنّما عذابُها في الدُّنيا: القتل، والبلابل، والزلازل" (¬٢).