ومنها فتح مدينة القسطنطينية - قبل خروج الدجَّال - على يدي المسلمين، والذي تدلُّ عليه الأحاديث أن لهذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجَّهون إلى مدينة القسطنطينية، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: "سمعتُم بمدينة جانبٌ منها في البرّ وجانبٌ منها في البحر؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله. قال:. "لا تقوم السّاعة حتّى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها- قال ثور (^٣) (أحد رواة
_________________
(١) "فتح الباري" (٦/ ٢٧٨).
(٢) مدينة الروم، ويقال لها قسطنطينية، وهي معروفة الآن بـ (اسطنبول) أو (استنبول)، من مدن تركيا، وكانت تعرف قديمًا باسم (بيزنطة)، ثمّ لما ملك قسطنطين الأكبر ملك الروم بنى عليها سورًا، وسماها قسطنطينية، وجعلها عاصمة ملكه، ولها خليج من جهة البحر يطيف بها من وجهين ممّا يلي الشرق والشمال، وجانباها الغربي والجنوبي في البرّ. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨) لياقوت الحموي.
(٣) هو ثور بن زيد الديلي مولاهم المدني، الثقة، توفي سنة (١٣٥ هـ) ﵀. انظر: "صحيح مسلم" (١٨/ ٤٣ - نووي)، و"تهذيب التهذيب" (٢/ ٣١ - ٣٢).
[ ٢١٤ ]
الحديث): لا أعلمه إِلَّا قال:- الّذي في البحر، ثمّ يقولوا الثّانية: لا إله إِلَّا الله والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثمّ يقولوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبرة فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدَّجَّال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون" (^١).
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: "يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق"، والروم من بني إسحاق؛ لأنّهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉ (^٢)، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟!
قال القاضي عياض: "كذا هو في جميع أصول"صحيح مسلم": من بني إسحاق".
ثمّ قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسماعيل"، وهو الّذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب" (^٣).
وذهب الحافظ ابن كثير إلى أن هذا الحديث "يدلُّ على أن الروم يسلِمون في آخر الزّمان، ولعلَّ فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم؛ كما نطق به الحديث المتقدَّم؛ أنّه يغزوها سبعون ألفًا من بني
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٣ - ٤٤ - مع شرح النووي).
(٢) انظز: "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ٥٨)، تحقيق د. طه زيني.
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٤٣ - ٤٤).
[ ٢١٥ ]
إسحاق".
واستشهد على ذلك بأنّهم مدحوا في حديث المستورد القرشي، فقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله - ﷺ -. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربع: إنهم لأحلم النَّاس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأَوشَكَهُم كرَّة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك (^١).
قلتُ: ويدلُّ أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزّمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين: "خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا" (^٢)، فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سُبي منهم؛ لأنّهم أسلموا، فيرفض المسلمون ذلك، ويبيِّنون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا، لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممَّن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: "وهذا موجودٌ في زماننا، بل معظم عساكر الإِسلام في بلاِد الشّام ومصر سُبوا ثمّ هم اليوم بحمد الله يَسبُون الكفار، وقد سَبَوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا، ولله الحمد
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم" (١٨/ ٢١ - مع شرح النووي).
[ ٢١٦ ]
على إظهار الإِسلام وإعزازه" (^١).
ويؤِّيد كون هذا الجيش الّذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم، ويسلم بعضهم، ويكون مَنْ أسلم مع جيش المسلمين الّذي يفتح القسطنطينية، والله أعلم.
وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن، وقد روى التّرمذيّ عن أنس بن مالك أنّه قال: "فتح القسطنطينية مع قيام السّاعة".
ثمّ قال التّرمذيّ: "قال محمود - أي: ابن غيلان شيخ التّرمذيّ -: لهذا حديثٌ غريبٌ، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تُفتَح عند خروج الدَّجَّال، والقسطنطينية قد فُتِحت في زمان بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -" (^٢).
والصّحيح أن القسطنطينية لم تفْتَح في عصر الصّحابة؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتمَّ لهم فتحُها، ثمّ حاصرها مسلمةُ بن عبد الملك، ولم تُفْتَح أيضًا، ولكنَّه صالح أهلها على بناء مسجد بها (^٣).
وفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ثمّ هي الآن تحت أيدي الكفار، وستفتح فتحًا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق - ﷺ -.
قال أحمد شاكر: "فتح القسطنطينية المبشَّر به في الحديث سيكون
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (١٨/ ٢١).
(٢) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في علامات خروج الدجال، (٦/ ٤٩٨).
(٣) انظر: "النهاية في الفتن والملاحم" (١/ ٦٢)، تحقيق د. طه زيني.
[ ٢١٧ ]
في مستقبل قريبٍ أو بعيدٍ يعلمه الله -﷿-، وهو الفتح الصّحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الّذي أعرضوا عنه، وأمّا فتح الترك الّذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنّه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثمّ هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنّها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإِسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإِسلامي لها إن شاء الله كما بشَّر به رسول الله - ﷺ -" (^١).