فإنه مما علم من الإسلام بالضرورة أن علم القرآن لم يكن سرًا تتوارثه سلالة معينة، ولم يكن لعلي اختصاص بهذا دون سائر صحابة رسول الله ﷺ، وأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطليعة الأولى الذين حازوا شرف تلقي هذا القرآن عن رسول البشرية محمد بن عبد الله ونقله إلى الأجيال كافة.. ولكن الشيعة تخالف هذا الأصل وتعتقد أن الله سبحانه قد اختص أئمتهم الاثني عشرية بعلم القرآن كله، وأنهم اختصوا بتأويله، وأن من طلب علم القرآن من غيرهم فقد ضل.
وتذكر بعض مصادر أهل السنة بأن بداية هذه المقالة، وجذورها الأولى ترجع لابن سبأ فهو القائل: "بأن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" (١) . وقد استفاض ذكر هذه المقالة في كتب الاثني عشرية بألوان الأخبار وصنوف الروايات:
١- جاء في أصول الكافي في خبر طويل عن أبي عبد الله قال: "إن الناس يكفيهم القرآن ولو وجدوا له مفسرًا، وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - فسره لرجل واحد، وفسر للأمة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب (٢) .
٢- وجاء في طائفة من مصادر الشيعة المعتمدة لديهم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: "إن الله أنزل علي القرآن وهو الذي من خالفه ضل، ومن يبتغي علمه عند غير علي هلك" (٣) .
٣- وزعمت أيضًا كتب الشيعة أن أبا جعفر قال: يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر - ﵁ -: "بلغني أنك تفسر
_________________
(١) الجوزجاني/ أحوال الرجال ص: ٣٨
(٢) أصول الكافي: ١/٢٥، وسائل الشيعة: ١٨/١٣١
(٣) وسائل الشيعة: ١٨/١٣٨، وانظر: بحار الأنوار: ٧/٣٠٢، ١٩/٢٣، الطبري (الرافضي) / بشارة المصطفى ص: ١٦، أمالي الصدوق ص: ٤٠
[ ١ / ١٣٣ ]
القرآن؟ فقال له قتادة: نعم - إلى أن قال:- ويحك يا قتادة إنما يعرف القرآن من خوطب به" (١) .
٤- وفي تفسير فرات: ".. إنما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا" (٢) .
ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًا، ولو ذهبت أنقل ما بين يدي منها لاستغرق مجلدًا.
ففي الكافي مجموعة من الأبواب كل باب يتضمن طائفة من أخبارهم في هذا الموضوع مثل:
باب "أن الأئمة - ﵃ - ولاة أمر الله وخزتة علمه" (٣) .
باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة (٤) .
باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة (٥) .
باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة (٦) .
باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم (٧) .
أما صاحب البحار فقد ضرب بسهم وافر - كعادته - في هذا المضار، ومن أبوابه في ذلك:
_________________
(١) الكافي، كتاب الروضة: ١٢/٤١٥، رقم (٤٨٥) (المطبوع مع شرح جامع للمازنداني)، وسائل الشيعة: ١٨/١٣٦، تفسير الصافي: ١/٢١-٢٢، البرهان في تفسير القرآن: ١/١٨، بحار الأنوار: ٢٤/٢٣٧-٢٣٨
(٢) تفسير فرات ص:٩١، وسائل الشيعة: ١٨/١٤٩
(٣) أصول الكافي: ١/١٩٢
(٤) المصدر السابق: ١/٢١٠
(٥) المصدر السابق: ١/٢١٢
(٦) المصدر السابق: ١/٢١٣
(٧) المصدر السابق: ١/٢١٣
[ ١ / ١٣٤ ]
باب أنهم أهل علم القرآن، وذكر في هذا الباب (٥٤) رواية (١) .
وباب أنهم خزان الله على علمه وفيه (١٤) رواية (٢) .
كما ذكر أيضًا طائفة من روايات هذا الموضوع ضمن:
"باب أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض" (٣) .
وباب أنهم لا يحجب عنهم شيء (٤) .
وفي وسائل الشيعة للحر العاملي "باب عدم جواز استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من كلام الأئمة - ﵃ - فيه ثمانون حديثًا من أحاديثهم" (٥) .
وفي الفصول المهمة في أصول الأئمة "باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة" (٦) .
وفي تفسير الصافي يخصص إحدى مقدمات تفسيره لهذه القضية وهي: "المقدمة الثانية في نُبَذْ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو عند أهل البيت - ﵃ -" (٧) .
أما صاحب مقدمة البرهان فيقول: "الفصل الخامس في بيان ما يدل على أن علم تأويل القرآن بل كله عند أهل البيت - ﵈ -" (٨) . ويذكر في هذا الفصل طائفة من أخبارهم في هذه المسألة، ثم يقول: "أقول: والأخبار في
_________________
(١) البحار: ٢٣/١٨٨-٢٠٥
(٢) المصدر السابق: ٢٦/١٠٥
(٣) المصدر السابق: ٢٦/١٠٩
(٤) المصدر السابق: ٢٦/١٣٧
(٥) وسائل الشيعة: ١٨/١٢٩-١٥٢
(٦) الحر العاملي/ الفصول المهمة ص: ١٧٣
(٧) تفسير الصافي: ١/١٩
(٨) مقدمة البرهان: ص١٥
[ ١ / ١٣٥ ]
هذا الباب أكثر من أن تحصى" (١) .
ولو ذهبنا نستقصي الكتب الشيعية التي تعرضت لهذا لطال بنا المقام؛ لأن هذا من أصولهم، قال أحد آياتهم (٢): "اعلم أن علم القرآن مخزون عند أهل البيت وهو مما قضت به ضرورة المذهب" (٣) .
ومن العجب أنهم بدعواهم أن علم القرآن عند الأئمة نسبوا إلى الأئمة علم كل شئ، فيقول أبو عبد الله - كما يزعمون -: "إني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين، وأعلم ما في الجنة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون، ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه فقال: علمت ذلك من كتاب الله أن الله يقول: فيه تبيان كل شيء" (٤) .
لاحظ أن هذا النص الذي يزعم صاحبه - ونبرئ جعفرًا منه، فإمامته ودينه ينفيان ذلك عنه - العلم بكل شيء يجهل أقرب الأشياء لديه.. حيث إن القرآن ليس فيه (تبيان كل شيء) وإنما هذا تحريف لقول تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥) . وهو يزعم أن هذه آية من القرآن، ففضحه الله بذلك.. وهذا برهان أن هذه النصوص من وضع ملحد اندسَّ في صفوف المسلمين للكيد للإسلام وأهله.
مناقشة هذه المقالة ونقدها:
أ- مناقشة النصوص:
كما يلاحظ القارئ أنه لا يسمح المقام بجمع نصوصهم في هذه المسألة لكثرتها، إذ جمعها ونقدها يستغرق صحفات كثيرة.. وحسبنا أننا ذكرنا بعض
_________________
(١) المصدر السابق: ص١٦
(٢) وهو حسين البروجردي من شيوخهم المعاصرين
(٣) تفسير الصراط المستقيم
(٤) البحار: ٢٦/١١١
(٥) النحل، آية: ٨٩
[ ١ / ١٣٦ ]
الأمثلة عليها، إذ كلها تحوم حول معنى واحد، هو اختصاص الأئمة الاثني عشرية بعلم القرآن، وأنه مخزون عندهم، وبه يعلمون كل شيء..
وسنتوقف عند كل نص عرضناه لنناقشه ونحلله.. ثم نعود لأصل المقالة وننقدها:
النص الأول: (الذي يقول بأن الرسول لم يبين القرآن إلا لعلي )
الله سبحانه يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) . وكتب الشيعة تقول - كما سلف -: ليست من وظيفة الرسول بيان القرآن للناس، وإنما مهمته بيان "شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب" أما بيان القرآن للناس وتفسيره فهو رسالة علي لا محمد (٢) .
وكلام الاثني عشرية هنا يذكر بكلام فرقة من فرقة الغلاة وهم الغرابية التي قالت: إن محمدًا ﷺ كان أشبه بعلي من الغراب بالغراب، وأن الله ﷿ بعث جبريل ﵇ بالوحي إلى علي فغلط جبريل ﵇ وأنزل الوحي على محمد (٣) .
ما الفرق بين هذه المقالة، ونص الاثني عشرية؟! إن الاثني عشرية أعطوا عليًا الرسالة بدون دعوى الغلط، وزعموا أن رسالة النبي ﷺ التعريف بعلي فقط.
وأترك للقارئ تدبر بقية المعاني، فهي ناطقة بذاتها.
_________________
(١) النحل، آية: ٤٤.
(٢) انظر نص ص: (١٦٢)
(٣) ابن حزم/ الفصل: ٥/٤٢، وانظر: البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: ٢٥٠، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص ٧٤، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: ٣٠، الملطي/ التنبيه والرد ص: ١٥٨ وسماها (الجمهورية)
[ ١ / ١٣٧ ]
النص الثاني:
يقول بأن من ابتغى علم القرآن عند غير علي فقد هلك (١) .
أقول: من ابتغى علم القرآن من القرآن، أو من سنة المصطفى ﷺ، أو من صحابة رسول الله ﷺ بما فيهم علي فقد اهتدى، والقول بأن من طلب علم القرآن عند غير علي هلك ليس من دين الإسلام، وهو مما علم بطلاته من الإسلام بالضرورة، فلم يخص النبي ﷺ أحدًا من الصحابة بعلم من الشريعة دون الآخرين. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كان أهل بيته.
وقد نفى أمير المؤمنين علي أن يكون قد خصه رسول الله ﷺ بعلم دون الناس (٢) .
وقد خاطب النبي ﷺ الصحابة، ومن بعدهم، ورغبهم في تبليغ سنته ولم يخص أحدًا منهم فقال - كما يروي زيد بن ثابت وغيره -: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (٣) . وقد روت هذا الحديث كتب الاثني
_________________
(١) انظر نصه ص: (١٦٣)
(٢) تقدم الإشارة لهذا الحديث، وتخريجه من كتب السنة: ص: (٧٩)
(٣) أخرجه أحمد: ٥/١٨٣، واللفظ له، والدارمي/ مقدمة، باب الاقتداء بالعلماء: ١/٧٣، وأبو داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم، ٤/٦٨-٦٩، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علمًا: ١/٨٤، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع: ٥/٣٣-٣٤، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن، كتاب العلم، باب رواية الحديث لمن فهمه ولمن لم يفهمه ص: ٤٧)، قال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داود، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والخطيب، وأبو نعيم، والطيالسي، والترمذي، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأنس وغيرهم. (انظر: فيض القدير: ٦/٢٨٥) . وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/٦٨٩-٦٩٠، وللشيخ عبد المحسن العباد دراسة حول هذا الحديث بعنوان: "دراسة حديث نضر الله امرءًا سمع مقالتي" رواية ودراية
[ ١ / ١٣٨ ]
عشرية المعتمدة (١) . فيكون حجة عليها.
أما النص الثالث:
فهو يدعي أن القول لم يخاطب به سوى الأئمة الاثني عشر، ومن هنا فلا يعرف القرآن سواهم (إنما يعرف القرآن من خوطب به) (٢)، ولهذا يعتبر صحابة رسول الله، والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد (هلكوا وأهلكوا) بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله، أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما تعرفه العرب من كلامها، ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء، ومنه ما لا يعلمه إلا الله (٣) .
فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة، وأنهم يعرفون القرآن كله.
وهذه دعوى تفتقر إلى الدليل، وزعم يكذبه العقل والنقل، وينقضه واقع التفسير عندهم - كما سيأتي -.
النص الرابع:
يبين أن وظيفة الناس جميعًا سوى الأئمة الاثني عشر هو قراءة القرآن فقط.
ولا يجوز لأحد أن يتولى منصب تفسير القرآن (٤)، حتى ولا رسول الله ﷺ لأن وظيفته بيان "شأن ذلك الرجل.."، كما أنه من باب أولى ليس لأحد من الصحابة والسلف والأئمة أن يتولى شيئًا من ذلك، وإن احتاج أحد لتفسير آية فليرجع إلى من عنده علم القرآن: إلى أئمتهم.. وماذا سيجد من يرجع إلى تفاسير الشيعة كتفسير القمي والعياشي، والبرهان، وتفسير الصافي، أو ما في الكافي، والبحار
_________________
(١) انظر: أصول الكافي: ١/٤٠٣، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ١٨/٦٣
(٢) انظر: ص (١٣٣-١٣٤)
(٣) روي هذا المعنى عن ابن عباس (انظر: تفسير الطبري: ١/٧٦ تحقيق وتخريج أحمد شاكر، ومحمود شاكر، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/٥)
(٤) انظر نصه: (١٣٤)
[ ١ / ١٣٩ ]
من تفسير لآيات القرآن يزعمون نسبتها لأئمتهم؟!. سيجد تأويلات باطنية ليس لها صلة بنص القرآن، ولا سياق الآيات ولا معانيها ومفهوماتها.. كما سنرى نماذج من ذلك.
إن أوضح برهان في هذه الدعاوى هو واقع التفسير عند هؤلاء القوم، ثم إن النص المذكور يدعو إلى الإعراض عن تدبر القرآن وفهم معانيه وهذا من الصد عن دين الله وشرعه.. ولعل الدافع لوضع مثل هذه الروايات هو محاولة منع جمهور الشيعة من قراءة كتاب الله وتدبره وفهمه لأن في ذلك افتضاحًا لكذب مؤسسي هذا المذهب وكشفًا لأضاليلهم وتعرية لمناهجهم الباطنية في تأويل كتاب الله.
ب- نقد هذه المقالة:
تقوم هذه المقالة على أن الرسول ﷺ أودع عليًا علم القرآن، وقد وجد لهذه المقالة أصل في حياة أمير المؤمنين، وأظهرت السبئية القول بأن عند علي غير ما عند الناس، فنفىأمير المؤمنين ذلك نفيًا قاطعًا وقال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه " (١) . - كما مر-.
ومما يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) . يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي (٣): "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - كعثمان بن
_________________
(١) تقدم تخرجه ص: (٧٩)
(٢) النحل، آية: ٤٤
(٣) مقرئ الكوفة الإمام العلم عبد الله بن حبيب بن ربيعة الكوفي، من أولاد الصحابة، مولده في حياة النبي ﷺ، وقد أخذ القراءات عن عثمان، وعلي، وزيد، وأبيّ، وابن مسعود. (انظر: الذهبي/ سير أعلام النبلاء: ٤/٢٦٧، السيوطي/ طبقات الحفاظ: ص١٩) . وهو غير أبي عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية، صاحب حقاق التفسير (ت٤١٢) الذي نسب إلى جعفر الصادق أقوالًا في تأويل القرآن على طريقة الباطنية. وجعفر بريء من ذلك (انظر: ابن تميمة/ منهاج السنة: ٤/١٤٦، والفتاوى: ١٣/٢٤٢-٢٤٣، وانظر في ترجمة السلمي الأخير: الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد: ٢/٢٤٨-٢٤٩، الذهبي ميزان الاعتدال: ٣/٥٢٣)
[ ١ / ١٤٠ ]
عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا" (١) . ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (٢) . وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) . وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (٤) . وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن، وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) . وعقل القرآن متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة. وخرجت عن القول بكل
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٣/٣٣١، وقد أخرجه الطبري في تفسيره: ١/٨٠، وقال المحقق في تعليقه على هذا الأثر: "هذا إسناد صحيح متصل". انظر: تفسير الطبري، تحقيق وتعليق محمود شاكر، وأحمد شاكر. وأخرجه الطبري: ١/٨٠ عن طريق الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. قال المحقق: "هذا إسناد صحيح". وهو موقوف على ابن مسعود، ولكنه مرفوع معنى؛ لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله ﷺ. فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير (المصدر السابق ١/٨٠) وقال شعيب الأرناؤوط: "رجاله ثقات". انظر تعليقه على سير أعلام النبلاء: ٤/٢٧٠
(٢) سورة ص، آية: ٢٩
(٣) النساء، آية: ٨٢، محمد، آية: ٢٤
(٤) المؤمنون، آية: ٦٨
(٥) يوسف، آية: ٢
[ ١ / ١٤١ ]
ما فيها، فقالت بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر، بل يشركهم غيرهم فيها، أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخبارين والأصوليين، فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير القرآن كله ظاهره وباطنه إلا الأئمة، والأخرى ترى حجية ظواهر القرآن لعموم الأدلة في الدعوة لتدبر القرآن وفهمه (١) .
إن دعوى أن القرآن لم يفسر إلا لعلي هي مخالفة لقول الله سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢) . فالبيان للناس لا لعلي وحده - كما سبق -. فليس لمن قال بهذه المقالة إلا أحد طريقين: إما القول بأن الرسول لم يبلغ ما أنزل إليه، وإما أن يكذب القرآن، وهي مخالفة للعقل وما علم من الإسلام بالضرورة، ودعوى أن علم القرآن اختص به الأئمة ينافيه اشتهار عدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ بتفسير القرآن كالخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت وغيرهم. "وكان علي - ﵁ - يثني على تفسير ابن عباس" (٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا ابن عباس نقل عنه من التفسير ما شاء الله بالأسانيد الثابتة ليس في شيء منها ذكر علي، وابن عباس يروي من غير واحد من الصحابة؛ يروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعن زيد بن ثابت وأبيّ بن كعب وأسامة بن زيد وغير واحد من المهاجرين والأنصار. وروايته عن علي قليلة جدًا، ولم يخرج أصحاب الصحيح شيئًا من حديثه عن
_________________
(١) تعرضت لهذه المسألة كثير من كتب التفسير وأصول الفقه عندهم. انظر: الخوئي/ البيان: ص ٢٦٣ وما بعدها، البروجردي/ تفسير الصراط المستقيم: ٢/١٧٥ وما بعدها، المظفر/ أصول الفقه: ٣/١٣٠، الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن: ص ١٠٢-١٠٥، الميثمي/ قوامع الفضول: ص ٢٩٨
(٢) النحل، آية: ٤٤
(٣) انظر: ابن عطية/ المحرر الوجيز: ١/١٩، ابن جزي/ التسهيل: ١/٩
[ ١ / ١٤٢ ]
علي، وخرجوا حديثه عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم.. وما يعرف بأيدي المسلمين تفسير ثابت عن علي، وهذه كتب الحديث والتفسير مملوءة بالآثار عن الصحابة والتابعين، والذي منها عن علي قليل جدًا، وما ينقل من التفسير عن جعفر الصادق عامته كذب على جعفر" (١) .
ثم إن تعميم القول بأن الأئمة يعلمون القرآن كله غلو فاحش، ذلك أنه كما يقول ابن جرير الطبري: "إن مما أنزل الله من القرآن ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تفصيل ما هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، من شرائع الدين؛ كأوامره، ونواهيه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه. فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ، ولا يعلمه رسول الله إلا بوحي الله. ومنه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه من أمور استأثر الله بعلمها؛ كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور.. ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان العربي الذي نزل به القرآن" (٢) .
هذا وقولهم: إن علم القرآن انفرد بنقله علي يفضي إلى الطعن في تواتر شريعة القرآن من الصحابة إلى سائر الأجيال، لأنه لم ينقلها - على حد زعمهم- عن رسول الله إلا واحد هو علي..
وبعد: فهذه المقالة مؤامرة، الهدف منها الصد عن كتاب الله سبحانه والإعراض عن تدبره، واستلهام هديه، والتفكر في عبره، والتأمل في معانيه ومقاصده. فالقرآن في دين الشيعة لا وسيلة لفهم معانيه إلا من طريقة الأئمة الاثني عشر، أما غيرهم فمحروم من الانتفاع به، وهي محاولة - أو حيلة - مكشوفة الهدف، مفضوحة القصد؛ لأن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين وخوطب به الناس أجمعون ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ
_________________
(١) منهاج السنة: ٤/١٥٥.
(٢) تفسير الطبري: ١/٧٣-٧٤، ٨٧-٨٨
(٣) يوسف، آية: ٢
[ ١ / ١٤٣ ]
وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١) . وأمر الله عباده بتدبره، والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بمواعظه، ومحال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به ولا معرفة من البيان والكلام (٢) .
وهي محاولة للصد عن ذلك العلم العظيم في تفسير القرآن، والذي نقله إلينا صحابة رسول الله والسلف والأئمة.. فهذه الكنوز العظيمة لا عبرة بها ولا قيمة لها في دين الشيعة، لأنها ليست واردة عن الأئمة الاثني عشرية، وقد صرح بذلك بعض شيوخهم المعاصرين فقال: "إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها" (٣) .
والقيمة في كتب التفسير عندهم وحدها.
وإذا ذهبنا نبحث عن هذه القيمة في كتبهم فماذا نجد؟
لقد حولت كتب التفسير المعتمدة عندهم كتفسير القمي والعياشي والصافي والبرهان وكتب الحديث كالكافي والبحار تأويلات لكتاب الله منسوبة لآل البيت تكشف في الكثير الغالب عن جهل فاضح بكتاب الله، وتأويل منحرف لآياته، وتعسف بالغ في تفسيره، ولا يمكن أن تصح نسبتها لعلماء آل البيت، فهي تأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني - كما سيأتي أمثلة ذلك - ومعنى ذلك - بناء على هذه العقيدة - أن هذا هو مبلغ علم علماء آل البيت، وفي ذلك من الزراية عليهم، ونسبة الجهل إليهم الشيء الكثير من قوم يزعمون محبتهم والتشيع لهم.
وأمر آخر أكبر وأخطر وهي أن تلك التأويلات.. هي علم القرآن، ومعانيه، وأنه لا معنى للقرآن أعظم منها، لأنها خرجت من المصدر الأصيل
_________________
(١) آل عمران، آية: ١٣٨
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١/٨٢
(٣) محمد رضا النجفي/ الشيعة والرجعة: ص ١٩
[ ١ / ١٤٤ ]
والوحيد والصحيح للتلقي. وهذا تهوين من أمر القرآن وشأنه، بل محاربة له وصد عنه بوسيلة ماكرة خبيثة.