قالوا: لا يفلح من دعا الله بغير الأئمة، ومن فعل ذلك فقد هلك.
جاء في أخبارهم عن الأئمة: "من دعا الله بنا أفلح، ومن دعا بغيرنا هلك واستهلك" (٢) . وبلغت جرأتهم في هذا الباب أن قالوا: "إنّ دعاء الأنبياء استجيب بالتّوسل والاستشفاع بهم صلوات الله عليهم أجمعين" (٣) .
وقد استشهد على ذلك المجلسي بإحدى عشرة رواية من رواياتهم (٤) . كما عرض لروايات كثيرة مماثلة في أبواب أحوال الأنبياء، وبالأخص في أحوال آدم وموسى وإبراهيم، وكذا في أبواب معجزات النبي (٥) .
وجاءت روايات كثيرة في هذا المعنى في عدد من مصادرهم المعتمدة (٦) . وهذا "الزعم" الخطير يهدف بطريقة ماكرة، وأسلوب مقنع إلى "تأليه الأئمة" وأنهم ملجأ المحتاجين ومفزع الملهوفين وأمان الخائفين وقبلة الداعين، ولا تستجاب الدعوات إلا بذكر أسمائهم، فأي فرق بين هذا وبين ما يزعمه المشركون في أصنامهم؟!
نعم هناك فرق، وهو أن المشركين في وقت الشدة يخلصون الدعاء لله
_________________
(١) يوسف، آية:١٠٨
(٢) الطّبري/ بشارة المصطفى: ص١١٧-١١٩، البحار: ٢٣/١٠٣، وسائل الشّيعة: ٤/١١٤٢
(٣) وهذا أحد أبواب بحار الأنوار: ٢٦/٣١٩
(٤) انظر: بحار الأنوار: ٢٦/٣١٩-٣٣٤
(٥) بحار الأنوار: ٢٦/٣٣٤
(٦) انظر- مثلًا -: تفسير العياشي: ١/٤١، ابن بابويه/ الخصال: ١/١٣٠، معاني الأخبار ص٤٢، الطبرسي/ الاحتجاج: ص٢٧، ٢٨، وانظر: تفسير الحسن العسكري: ص١١٧، ١١٨، وسائل الشيعة: ٤/١١٣٩ وغيرها
[ ٢ / ٤٤٥ ]
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) . هذه الآية تبني ما هو الشّرك وما هو التّوحيد، فهي تتعلّق بالإخلاص في الدّعاء عند اضطراب الموج ولا تتعلّق بالإمامة. أما هؤلاء فإنهم يشركون في الرخاء والشدة، بل يزعمون أن الشدة لا ترفع إلا بالدعاء بأسماء الأئمة.
تقول إحدى رواياتهم: "عن الرضا ﵇ قال: لمّا أشرف نوح ﵇ على الغرق دعا الله بحقّنا فدفع الله عنه الغرق، ولمّا رمي إبراهيم في النّار دعا الله بحقّنا فجعل الله النّار عليه بردًا وسلامًا، وإنّ موسى ﵇ لمّا ضرب طريقًا في البحر دعا الله بحقّنا فجعله يبسًا، وإنّ عيسى ﵇ لمّا أراد اليهود قتله دعا الله بحقّنا فنجّي من القتل فرفعه الله" (٢) .
وكما أن الاستجابة لدعاء الأنبياء بسبب الأئمة، فإن ما جرى لبعض الأنبياء هي بزعمهم بسبب موقفهم من الأئمة، فآدم ﵇ - كما يفترون - ".. لما أسكنه الله الجنة مثّل له النبي وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم فنظر إليهم بحسد، ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم غفر الله له، وذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٣) . "كما ادعوا أنّ يونس ﵇ حبسه الله في بطن الحوت لإنكاره ولاية علي بن أبي طالب ولم يخرجه حتى قبلها" (٤) .
هذا ما تقوله الشيعة وتفتريه، ولكن يقول الله سبحانه: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٥) . ولم يقل سبحانه: فادعوه بأسماء الأئمة أو مقامات الأئمة أو مشاهدهم.
كما قال جل شأنه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦) . ولو كان
_________________
(١) العنكبوت، آية: ٦٥
(٢) بحار الأنوار: ٢٦/٣٢٥، وسائل الشّيعة: ٤/١١٤٣
(٣) البقرة، آية: ٣٧، والنص المذكور في: تفسير العياشي: ١/٤١، بحار الأنوار: ٢٦/٣٢٦
(٤) تفسير فرات ص١٣، بحار الأنوار: ٢٦/٣٣٣-٣٣٤
(٥) الأعراف، آية:١٨٠
(٦) غافر، آية:٦٠
[ ٢ / ٤٤٦ ]
أساس قبول الدعاء ذكر أسماء الأئمة لقال: ادعوني بأسماء الأئمة أستجب لكم، بل إن هذا الأمر الذي تدعيه الشيعة وتفتريه من أسباب رد الدعاء وعدم قبوله، لأن الإخلاص في الدعاء لله أصل في الإجابة والقبول. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١) . ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) .
وهؤلاء الأئمة هم من سائر البشر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣) .
ولم يجعل الله ﷿ بينه وبين خلقه في عبادته ودعائه وليًا صالحًا ولا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، بل الجميع عباد الله ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ (٤) . الآية، ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٥) .
وتربية الشيعي من خلال أدعيته ومناجاته لله على هذا المنهج هي تربية خطيرة.. حيث تزرع في قلبه ومشاعره الاتجاه إلى غير الواحد القهار، وتنمي في نفسه التوجه إلى البشر لا إلى خالق البشر، ويترعرع في هذا المحضن الوثني لينشأ أولاده وأحفاده على هذه الطريق، ولربما ينسى ذكر الله سبحانه أصلًا؛ لأن ذكر الأئمة في لسانه، ووجودهم في قلبه حين الدعاء والتوجه.
ويتركز ذلك من خلال الكلمة والقدوة.
وقد صرحت بعض رواياتهم بشيء من هذا المعنى، حيث تقول بأن بعض الشّيعة كتب إلى إمامه يشتكي أو يسأل ويقول: "إنّ الرّجل يحبّ أن يفضي إلى إمامه ما يحبّ أن يفضي إلى ربّه" فجاء الجواب: "إذا كانت لك حاجة فحرّك
_________________
(١) غافر، آية:١٤
(٢) الأعراف، آية:٢٩
(٣) الأعراف، آية:١٩٤
(٤) النساء، آية:١٧٢
(٥) مريم، آية:٩٣
[ ٢ / ٤٤٧ ]
شفتيك، فإنّ الجواب يأتيك" (١) . فهم أسرع إجابة وأقضى للحاجة، وهذا شرك يهون عند شرك الجاهلية الأولى.. وواقع مشاهد الشيعة ومزاراتهم يعبر عن الثمرات المرة لهذه الأساطير.
ودعوى أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل بالأئمة هي دعوى جاهلة غبية؛ إذ ليس للأئمة وجود في حياة الأنبياء ﵈، وهي دعوة للشرك بالله سبحانه؛ إذ إنهم جعلوا مفتاح الإجابة وأساس القبول هو ذكر أسماء الأئمة، فهي كقول المشركين بأن أصنامهم تقربهم إلى الله زلفى.. وهي زعم باطل، إذ إن الأنبياء ﵈ - كما جاء في قول أصدق القائلين - إنما دعوا الله ﷿ باسمه سبحانه وبوحدانيته جل شأنه. قال سبحانه عن يونس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) .
والكلمات التي قالها آدم ﵇ وزوجه هي كما قال الله سبحانه: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) .
وهذه المقالة من الشيعة معلوم فسادها من الدين بالضرورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد إدخال الشرك في دين الإسلام ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤) .
ونقلت كتب الشيعة نفسها ما يناقض هذه الدعوى عن الأئمة في مناجاتهم لله ودعائهم له، فأمير المؤمنين كان يقول كما تنقل كتب الشيعة: "إلهي أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها، فتقول: خذوه!
_________________
(١) بحار الأنوار: ٩٤/٢٢
(٢) الأنبياء، آية:٨٧
(٣) الأعراف: آية:٢٣
(٤) الصف، آية:٨
[ ٢ / ٤٤٨ ]
فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته" (١) .
وما من إمام إلا قد رووا عنه الكثير من أمثال هذا الدعاء، مما لا يتسع المجال لعرضه وقد أتى على أكثره المجلسي في بحاره (٢) .