وصفه ابنه في الطبقات فقال: ومعلوم ما خصه الله به -مع موهبة العلم والديانة- من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحدٍ منهم صلة وعطية، ولم تزل ديانته ديانته ومروءته لما هذا سبيل أبِيَّة.
وكان يقسم ليله كله أقسامًا: فقسم للمنام، وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام.
ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التي استكان لها كثير من ذوي المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات، فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته.
ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار، مع السكون والسمت والصالح، والعقل الغزير الراجح، شهد له بالدين والفضل ضرورة، واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة (^١).
_________________
(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٣).
[ ١٣ ]
قال: وكان ينهانا دائمًا عن مخالطة أبناء الدنيا والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين (^١).
وقال النهري: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره، ففاتني درس ذلك اليوم، فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لي الدرس؟ فقال (أي أبو يعلى): أين كنت في أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دراست. فأنكر عليَّ ذلك إنكارًا شديدًا، وقال: ويحك، تمضي وتنظر إلى الظلمة؟! وعنفني على ذلك (^٢).
ومضى مرة لتهنئة الإمام القائم بالله بعد معافاته من مرض كان به، فأمر له بجائزة سنية، يقول الراوي: فوالله ما مسَّها ولا قبلها، فروجع في ذلك فأبى (^٣).
ووقع نهب في الجانب الغربي من بغداد، فظلَّ يقتات على الخبز اليابس يبله بالماء، ويقول: هذه الأطعمة نُهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئًا. فبقي يتقوت من ذلك الخبز اليابس إلى أن لحقه مرض من ذلك الخبز المبلول (^٤).
ووصفه الذهبي في السير (١٨/ ٩٠) بقوله: وكان ذا عبادة وتهجُّد، وملازمة للتنصيف، مع الجلالة والمهابة.