٣٠٥ - ناه أبو القسم بإسناده: عن عبد الله قال: أتَى النبي -ﷺ- رجلٌ من اليهود فقال: يا أبا القاسم! أَبَلَغَكَ أَنَّ الله يَحملُ السَّماواتِ على إصْبَعٍ، والأَرْضِينَ على إصْبَع، والشَّجَرَ على إصْبَع، والخَلَائِق على إِصْبَع، ثم يقول: أنَا الملكُ، قال: فرأيتُ رسول الله -ﷺ- ضَحكَ حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^١).
وفي لفظٍ آخر قال: "إنَّ الله يُمْسك السماوات على إِصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملكُ، فضحك رسول الله حتى بَدَتْ نَواجِذَهُ، ثم قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، إلى الآية (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) ولم يسق لفظه وكذا عبد الله في السنة (٤٩١)، وابن أبي عاصم (٥٤٣) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٣٣٣): من طرق عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بهذا اللفظ. وأخرجه البخاري (١٣/ ٤٣٨) وابن أبي عاصم (٥٤٤) وابن خزيمة (ص ٧٧) عن أبي عوانة عن الأعمش به. وأخرجه مسلم (٤/ ٢١٤٨) وابن خزيمة (ص ٧٦) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٣٤) عن جرير عن الأعمش به. وأخرجه مسلم (٤٢١٤٨) عن عيسى بن يونس عن الأعمش به. وأخرجه البخاري (١٣/ ٣٩٣) ومسلم والبيهقي في الأسماء (ص ٣٣٤) عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش به.
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٥٥٠ - ٥٥١) ومسلم في صفات المنافقين (٤/ ٢١٤٧) وابن أبي عاصم (٥٤١) وعبد الله في "السنة" (٤٩٠) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٧٨) والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٨، ٣١٩) وابن منده في "الرد" (٦٤) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٣٤) من طرق عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم عن عَبيدة السَّلماني عن عبد الله مرفوعًا به، لكن فيه بعد قوله: "والجبال والشجر على إصبع": "والماء والثرى على إصبع … " ولعلها سقطت من الناسخ. =
[ ٣٦٦ ]
وفي لفظ آخر: "قال يَا محمد! إذا كان يومُ القيامة وضع ربُّك جلَّ اسمه السَّماء على هذهِ، والأرضَ على هذِه، والجبال على هذِهِ، والماءَ، والثَّرى على هَذِهِ، وسائَر الخَلْقِ على هَذِهِ، ثم هَزَّهُنَّ فقال: أين الملوك؟ لي الملك اليوم، قال فضحك رسول الله -ﷺ-" (^١).
وفي لفظٍ آخر: رواه أبو بكر الخلال بإسناده: عن ابن عباس -﵄-: قال مرَّ يَهوديٌ برسول الله -ﷺ- وهو جالسٌ قال: كيف تقول يا أبا القاسم، يَومَ
_________________
(١) = وأخرجه البخاري (١٣/ ٣٩٣) وابن أبي عاصم (٥٤٢) وعبد الله في "السنة" (٤٨٨) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٧٧) والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٩) وابن منده في "الرد" (٦٣): عن يحيى بن سعيد ثنا سفيان بن سعيد حدثني منصور وسليمان الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة به. وقد عدَّ ابن خزيمة رواية الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة خطأٌ من يحيى بن سعيد فقال: الجواد قد يعثر في بعض الأوقات، وَهِمَ يحيى بن سعيد في إسناد خبر الأعمش -مع حفظه وإتقانه وعلمه بالأخبار- فقال: عن عبيدة عن عبد الله، وإنما هو عن علقمة، وأما خبر منصور فهو عن إبراهيم عن عَبيدة عن عبد الله. والإسنادان ثابتان صحيحان: منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله. والأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. غير مستنكر لإبراهيم النخعي -مع علمه وطول مجالسته أصحاب ابن مسعود- أنْ يروي خبرًا عن جماعة من أصحاب ابن مسعود عنه اهـ كلامه. وقد رواه الآجري في "الشريعة" (ص ٣١٩) عن الضحاك بن مخلد عن سفيان عن منصور فقط عن إبراهيم عن عبيدة به. وهي متابعة ليحيى بن سعيد عن الضحاك. وممن رواه عن علقمة: خيثمة بن عبد الرحمن. أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ١٨) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٣٥) عن أحمد بن المفضل ثنا إسباط بن نصر عن منصور عن خيثمة به. تنبيه: وقع عند البيهقي: أحمد بن الفضل الغنوي، وأظنه تحريف لأحمد بن المفضل الحفري القرشي، وهو شيعي صدوق روى عن أسباط بن نصر، له ترجمة في التهذيب والجرح (٢/ ٧٧). أما الأول فلم أجد له ترجمة.
(٢) انظر تخريجه في الذي بعده.
[ ٣٦٧ ]
يَجعلُ الله السَّماء على ذِه، وأشار بالسَّبَّاحَةِ، والأرضَ على ذِه، والجبال على ذِه، وسَائرَ الخَلْقِ على ذِه، وجعل يشير بإصَابعه، قال: فأنْزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية (^١).
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه الترمذي (٥/ ٣٢٤٠) وابن أبي عاصم (٥٤٥) وابن جرير (٢٤/ ١٨) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٧٨) وابن منده في "الرد على الجهمية" (٦٥) من طرقٍ عن محمد بن الصلت حدثنا أبو كُدينة عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: مرَّ يهودي بالنبي -ﷺ- فقال له النبي -ﷺ-: "حدثنا" فقال: كيف تقول يا أبا القاسم … الحديث. وعند الترمذي: وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولًا، ثم تابع حتى بلغ الإيهام، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب. قلت: قال عنه الذهبي ثقة، ومحمد بن الصلت صدوق بهم، لكن عطاء بن السائب صدوق كان قد اختلط. وأخرجه أحمد (١/ ٢٥١) وعنه ابنه عبد الله في "السنة" (٤٩٤، ١١١٣) عن حسين بن حسن نا أبو كدينة به. وفيه: حسين الأشقر، ضعيف. وأخرجه أيضًا عبد الله (٤٩٣) فقال حدثنى عبد الله بن عمرنا عمران بن عيينة عن عطاء به ولفظه: مرَّ يهودي على النبي -ﷺ- فقال له النبي -ﷺ-: "يا يهودي خَوَّفنا" فقال: "يا أبا القاسم! كيف بيومٍ تكون الأرض على هذه، والسماوات على هذه، والماء على هذه، والخلق على هذه يعني أصابعه، ثم قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. ولفظه مقارب للفظ الذي ساقه المصنف قبل هذا الحديث. وأخرجه ابن منده في "الرد على الجهمية" (٦٦) عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي السائب وعن أبي الضحى عن مسروق قال: قال رسول الله -ﷺ- ليهودي: "أذكر عظمة الربِّ جل وعز" فقال: السماوات على هذه يعني الخنصر، والأرض على هذه يعني البنصر، والجبال على هذه يعني الوسطى، والماء على هذه يعني السبابة، وسائر الخلق على هذه يعني الإبهام، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وهذا مرسل. وعزاه الحافظ في الفتح (١٣/ ٣٩٧) للهروي، والسيوطي في "الدر" (٧/ ٢٤٨) لعبد بن حميد وابن مردويه.
[ ٣٦٨ ]
إعلم أنَّه غيرُ مُمتنعٍ حَملُ الخبر على ظاهِرِه، وأنَّ الإِصْبَعَ صفةٌ ترجع إلى الذات، وأنَّه تجوز الإشارة فيها بيده.
٣٠٦ - نص عليه أحمد في رواية أبي طالب: سئل أبو عبد الله عن حديث الحَبر "يضع السَّماوات على إصْبَع، والأرضين على إصْبَع، والجبالَ على إصْبع" يقول إلا شَارَ بيده هكذا، أي يشير، فقال أبو عبد الله: رأيت يحيى يحدث بهذا الحديث ويضع إصْبعًا إصْبعًا، ووضع أبو عبد الله الإبهام على إصْبَعه الرابعة، من أسْفل إلى فوق على رأسِ كل إصْبَع (^١). فقد نصَّ على ذلك.
٣٠٧ - وذكر هبة بن منصور الطبري (^٢) في كتاب "السُّنَّة" فقال: سمعت أبا محمد الحسن بن عثمان بن جابر قال سمعت أبا نصر أحمد بن يعقوب بن زاذان قال: بَلَغني أنَّ أحمد بن حنبل قَرَأَ عليه رجلٌ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ
_________________
(١) ذكره عبد الله في "السنة" (٤٨٩) عن أبيه. ورواه أبو بكر الخلال في كتاب "السُّنة" عن أبي بكر المروذي عن أحمد، كما في الفتح (١٣/ ٣٩٧) وقال: رأيت أبا عبد الله يشير بإصبع إصبع.
(٢) هو الإمام الحافظ المجوِّد المفتي أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطَّبريُّ الرازي الشافعي اللالكائي، مفيدُ بغداد في وقته. سمع عيسى بن علي الوزير وأبا طاهر المخلِّص وعِدَّة، وروى عنه: أبو بكر الخطيب وابنه محمد بن هبة الله وعدة. قال الخطيب: كان يفهم ويحفظ وصنف كتابًا في "السُّنَّة" وعاجلته المنية، خرج إلى الدِّينور فأدركه أجله بها في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربع مئة. قلت: وكتابه في السنة هو المطبوع باسم: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" بتحقيق د. أحمد سعد حمدان، نشر دار طيبة - الرياض مفيد جدا. ترجمته في (تاريخ بغداد) (١٤/ ٧٠ - ٧١) السير (١٧/ ٤١٩ - ٤٢٠) شذرات الذهب (٣/ ٢١١).
[ ٣٦٩ ]
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ثم أوْمى بيده، فقال له أحمد: قطعها الله وَحَردَ وقام (^١).
وهذا محمولٌ على أنَّه قَصَدَ التشبيه، والموضعُ الذي أجازَه إذا لم يقصد ذلك، والوجه فيه: أنَّه ليس في حمله على ذلك ما يُغيِّر صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لما بَيَنَّا في الحديث الذي قبله، وهو أنَّه إثباتَ الأصَابع كإثبات اليدين والوجه.
فإن قيل: المرادُ به إصْبَع بعض خَلْقٍ يخلقه، قالوا لأنَّ النبي -ﷺ- لم يقل في الخبر على إصْبَعه، بل أطلق ذلك فيحمل عليه (^٢).
قيل: هذا غلطٌ لوجهين:
أحدهما: أنَّ في الخبر يُسقط ذلك، وهو قوله: "وسائر الخلْق على هذه" فاقتضى ذلك أنَّه لم يبق مَخلوقٌ، إلا وهو على الإِصْبَع، فلو كان المرادُ به إصبَع بعض خلقه، لَخَرج بعضُ الخلق عن أن يكون على الإصبع. وهذا خلاف الخبر.
الثاني: أنَّ المفسرين قالوا: إنَّما يكون ذلك عند فَناءِ خلقه وإماتتهم، فلا يكون له مُجيبٌ غير نفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فدلَّ بهذا على أنَّه لم يَبْقَ هناك خَلقٌ يضع السَّماوات على إصْبعَه.
فإن قيل: ففي الخبر ما يدلُّ على القدرة، وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (^٣).
قيل: معناه ما عَرَفوا الله حقَّ معرفته، وإذا كان هذا معناه، لم يكن المراد به القُدْرة، وهذا الحديث ذكره البخارى ومسلم في الصحيحين.
* * *
_________________
(١) شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٢)، وحَرَدَ: أي ترك الجالسين وتحوَّل عنهم (اللسان).
(٢) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٩٥) فقد ذكر هذا التأويل الباطل.
(٣) ذكره في "مشكل الحديث" (ص ٩٦).
[ ٣٧٠ ]