٢٤٨ - رواه الثقات من طُرقٍ مختلفة، وألفاظ مختلفة، حدثناه أبو القسم بإسناده: عن أبي بكر الصديق عن النبي -ﷺ- قال: "ينزلُ الله ﷿ ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفرُ لكل نفس إلا إنسان في قلبه شحناء أو مشرك بالله جل اسمه" (^١).
٢٤٩ - وروى معاذ بن جبل قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لهم إلا المشرك أو مُشاحن" (^٢).
٢٥٠ - وروت عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ الله جل اسمه يطلع ليلة النِّصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عَدد شَعر غنم كلب" (^٣).
_________________
(١) حديث صحيح بمجموع طرقه، ذكر المصنف منها طريقين أما حديث أبي بكر، فرواه البزار (٢/ ٤٣٥ - زوائد) وابن أبي عاصم (١/ ٢٢٢) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٦) والدارقطني في "النزول" (ص ١٥٥ - ١٥٧) واللالكائي (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩) عن عمرو بن الحارث عن عبد الملك بن عبد الملك عن مصعب بن أبي ذئب عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عن عمه عن جده أبي بكر مرفوعًا به. قال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٥٩): قال البخاري: في حديثه نظر، يريد حديث عمرو بن الحارث عن عبد الملك أنه حدثه عن المصعب بن أبي ذئب … وساق الحديث. قلت: يتقوى الحديث بما بعده.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٢٤) وابن حبان في صحيحه (٧/ ٤٧٠) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٨ - ١٠٩) والأوسط -كما في المجمع (٨/ ٦٥) - والدارقطني في "النزول" (ص ١٥٨) عن الأوزاعي وابن ثوبان عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل مرفوعًا به. ورجاله ثقات -كما قال الهيثمي في المجمع- مكحولًا كثير الإرسال، وقد عنعن. وانظر كتاب "العرش" بتحقيقي (ص ٩٣ - ٩٤).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٨) والترمذي (٣/ ١٠٧) وابن ماجه (١/ ٤٤٤) والدارقطني في الصفات (ص ١٦٩ - ١٧٠) واللالكائي (٢/ ٤٤٨) عن الحجاج بن أرطأة عن يحيى بن أبي =
[ ٣٠٣ ]
٢٥١ - وروى أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "إن الله يُمهل حتى إذا ذهب ثُلث الليل هبط ﷿، فقال: هل من داعٍ يستجاب له، هل من سائل يُعطى سُؤله، هل من مُستغفر من ذنب" (^١).
٢٥٢ - وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ-: "إذا ذهب شطرُ الليل الأول، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائلٍ فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينشق الفجر" (^٢).
_________________
(١) = كثير عن عروة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله -ﷺ- ليلةً، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قلت: يا رسول الله، إنى ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: "إن الله -﷿- ينزل … فذكره. قال الترمذي: حديث عاشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطأة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. قلت: فيه إذًا انقطاع في موضعين. وله إسناد آخر، أخرجه الدارقطني في "الصفات" (ص ١٧٠ - ١٧٢) عن سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كانت ليلة النصف من شعبان ليلتي، وبات رسول الله -ﷺ- عندي فلما كان في جوف الليل فقدته … الحديث مطولًا. وفيه: سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي، عامة أحاديث مناكير (الميزان ٢/ ٢٢١). وأخرجه الدارقطني (ص ١٧٢) عن محمد بن عباد أنا حاتم بن إسماعيل عن مضر بن كثير عن يحيى بن سعيد بن عمروة عن عائشة بنحو الحديث السابق. حاتم بن إسماعيل هو المدني يروي عن يحيى بن سعيد، ومضر لم أجد له ترجمة.
(٢) أخرجه أحمد (ص/ ٣٨٣) (٣/ ٣٤، ٤٣، ٩٤) ومسلم (١/ ٥٢٣) وابن ماجه (١/ ٤٣٥) وابن حبان (٢/ ١٣٧) من طرق عن أبي إسحاق عن الأَغرّ أبي مسلم يرويه عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول اللهﷺ- فذكره.
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٢٩) (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) ومسلم (١/ ٥٢١) عن ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا به. وأخرجه البخاري (١٣/ ٤٦٤) عن ابن شهاب عن أبي عبد الله الأغر عن أبى هريرة مرفوعًا به. وأخرجه مسلم (١/ ٥٢٢) عن أبي صالح وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن مرجانة عن أبي هريرة مرفوعًا به، وألفاظها متقاربة.
[ ٣٠٤ ]
٢٥٣ - وحدثنا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ-: " [إن الله] (^١) يُمهل حتى إذا ذهب شطر الليل، نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مُستغفرٍ يُغفر له، هل من داعٍ يستجاب له، هل من تائب فأتوب عليه، حتى ينشق الفجر ثم يرتفع" (^٢).
٢٥٤ - وقرئ على أبي الفرج أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن المسلمة المعدل في داره وأنا حاضرٌ أسمع قال: أنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد
_________________
(١) سقطت من الأصل.
(٢) صحيح، أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢١٩) والدارقطني في النزول (ص ١٣٨ - ١٣٩) عن محمد بن عبد الله الخزاعي حدثنا مالك بن سُعير حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد. وعن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد. وعن حبيب بن أبي ثابت عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ- فذكره. وإسناده حسن، مالك بن سُعير (وقع عند ابن أبي عاصم والدارقطني: سعيد وهو خطأ) هو ابن الخمس التميمي، قال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق، وكذا الدارقطني وقال أبو داود ضعيف، وقال الحافظ: لا بأس به، ومحمد بن عبد الله الخزاعي وهو أبو الحسن الصنعاني المقدسي الخلنجي، قال النسائي: كتبت عنه ببيت المقدس، صدوق. ولم ينفرد به، بل تابعه مؤمل بن أهاب، أخرجه الأجري في "الشريعة" (ص ٣٠٩) ومؤمل صدوق له أوهام، قاله الحافظ. وأخرجه الدارقطني في "الصفات" (ص ١٣٣) عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي -ﷺ- أنه قال: "إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل يهبط إلى هذه السماء، ثم أمر بأبواب السماء ففتحت، ثم قال: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من مستغيث أغيثه، هل من مضطر أكشف عنه ضره، فلا يزال كذلك، حتى يطلع الفجر في كل ليلة من الدنيا، ثم يصعد إلى السماء". وفيه يونس بن أبي إسحاق وهو السبيعي، صدوق يهم قليلًا، لكن سماعه من أبيه بعد الاختلاط، قاله أبو زرعة (انظر شرح علل الترمذي لابن رجب ص ٣٧٤)، لكنه يتقوى بما سبق.
[ ٣٠٥ ]
ابن إبراهيم الجواليقي قال نا محمد بن عثمان بن أبي سويد الزارع القرشي قال نا عبد الرحمن بن المبارك قال نا الفضيل بن سليمان النميري قال نا موسى بن عقبة عن إسحق (^١) بن يحيى بن الوليد عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ينزل الله ﵎ كُلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائلٍ فيعطى سُؤله، هل من مُستغفر فيغفر له، هل من عانِ فيُفَكُّ عانيه، قال فيكون كذلك، حتى يُصَلَّى الصُّبح، ثم يعلو ربنا ﵎ على كرسيه" (^٢).
٢٥٥ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي: عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "ما من أيامٍ أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض" (^٣).
_________________
(١) في الأصل: عن أبي إسحاق، وهو خطأ والتصويب من التهذيب وغيره.
(٢) إسناده ضعيف، أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص ٣١٢ - ٣١٣) والطبراني في الكبير والأوسط -كما في المجمع (١٠/ ١٥٤) - عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت مرفوعًا به. قلت: فيه انقطاع وجهالة. قال البخاري عن إسحاق بن يحيى: لم يلق عبادة (التهذيب (١/ ٢٥٦». ولم يرو عنه سوى مرسي بن عقبة، ولذا قال الحافظ: مجهول الحال. وقد أعلّه الهيثمي بالانقطاع فقط! وله شاهد من حديث جابر، أخرجه الدارقطني في "الصفات" (ص ٩٦ - ٩٧) من طريق محمد ابن إسماعيل الجعفري حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر عبد الله الأنصاري مرفوعا بنحوه. وإسناده ضعيف جدًا، عبد الله بن سلمة (وقع في المطبوعة: مسلمة) هو المزني، سئل أبو زرعة عنه فقال: منكر الحديث (الجرح ٥/ ٧٠). ومحمد بن إسماعيل الجعفري، قال ابن أبي حاتم سألت عنه أبي فقال: منكر الحديث (الجرح ٧/ ١٨٩).
(٣) صحيح، أخرجه البزار (٢/ ٢٨ - ٢٩ - زوائد) وز أبو يعلى (٤/ ٦٩ - ٧٠) وابن حبان في =
[ ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "صحيحه" (٦/ ٦٢). عن محمد بن مروزان العقيلي عن هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من أيام أفضلُ عند الله من أيام عشر ذي الحجة"، قال فقال رجل: يا رسول الله! هي أفضل أم عدتَّهن جهادًا في سبيل الله؟ فقال: "هي أفضل من عدتهن جهادًا في سبيل الله، إلا عَفيرًا يُعفر وجهه في التراب، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي شعثًا غبرًا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، لم يروا رحمتي ولم يروا عذابي، فلم أر يومًا أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة". ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٣) وقال: رواه أبو يعلى وفيه: محمد بن مروان العقيلي وثّقه ابن معين وابن حبان وفيه بعض كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار إلا أنه قال: أفضل أيام الدنيا أيام العشر. أهـ وقال في موضع آخر (٤/ ١٧): وقد تقدم بطوله، رواه البزار وإسناده حسن، ورجاله ثقات. قلت: أما محمد بن مروان، فقد قال فيه أبو داود: صدوق وقال مرة: ثقة، وقال الحافظ: صدوق له أوهام، والحديث فيه أيضًا عنعنة أبي الزبير عن جابر. ولم يتفرد به هشام، فقد تابعه أيوب السختياني. أخرجه البزار (٢/ ٢٨ - زوائد) من طريق عاصم بن هلال عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر به. وعاصم هو البارقي ضعفه ابن معين، وقال النسائي ليس بالقوي، وقال أبو داود: ليس به بأس وقال الحافظ: فيه لين. وتابعه (أي هشاما) مرزوق أبو بكر، أخرجه البزار (٢/ ٢٩ - زوائد) وابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٢٦٣). وقال ابن خزيمة: أنا أبرأ من عهدة مرزوق. ومرزوق هو الباهلي (وقع في المطبوعة من البزار: مرزوق بن أبي بكر، وهو خطأ) صدوق. ويشهد لشطر الحديث الأول، ما أخرجه البخاري (٢/ ٤٥٧) والطيالسي (٢٦٣١) وأبو داود (٢/ ٨٥١) والترمذي (٣/ ١٢١) وابن ماجه (١/ ٥٥٠) عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء". أما شطره الثاني فيشهد له حديث عائشة في مسلم (٢/ ٩٨٢ - ٩٨٣) مرفوعًا: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يومن عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء". وشاهد من حديث أبي هريرة، انظر التعليق على كتاب "العرش" (ص ٩١).
[ ٣٠٧ ]
٢٥٦ - وروي عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥] قال: ينزل أهل السماء الدنيا وهم أكثر من أهل الأرض من الجنِّ والإنس، فيقول أهل الأرض: أفيكم ربّنا؟ فيقولون: لا -وذكر الحديث- ثم يأتي الربُّ في الكروبيين وهم أكثر أهل السماوات السبع والأرضين" (^١).
اعلم أنَّ هذا حديث صحيحٌ، يجب الأخذ بظاهره من غير تأويل، ولا يجب أن يُستوحش من إطلاق مثل ذلك.
٢٥٧ - وقد نص أحمد عليه في رواية ابن منصور وقد سأله: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث [الليل] (^٢) الآخر إلى السماء الدنيا" أليس تقول بهذا الحديث؟ قال أحمد: صحيح.
٢٥٨ - وقال أحمد بن الحسين بن حسان (^٣) قيل لأبي عبد الله "إنَّ الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة" قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.
_________________
(١) ضعيف، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٩/ ٥٠٦). عن حجاج عن مبارك بن فضالة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نزل من الملائكة أكثر من الجن والإنس … ". وفيه علتان: ضعف ابن جدعان، وتدليس ابن فضالة، ولم يتفرد به، فقد تابعه حماد بن سلمة. أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٣١٥ - ٣١٦) - مطولًا، وقال ابن كثير: فمداره على علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف في سياقاته غالبًا، وفيها نكارة شديدة. اهـ وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٤٨) إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في "الأهوال" وابن المنذر والحاكم.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) لم يزد صاحب طبقات الحنابلة على هذا الاسم وقال: من أهل سُرَّ من رأى، صحب إمامنا أحمد، وروى عنه أشياء. (طبقات الحنابلة) (١/ ٣٩).
[ ٣٠٨ ]
٢٥٩ - وقال يوسف بن موسى (^١) قيل لأبي عبد الله: إنَّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.
٢٦٠ - وقال حنبل قلت لأبي عبد الله: ينزل الله -﷿- إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب، وقال: مَالَك ولهذا! امض الحديث على ما روي.
والوجه في ذلك أنه ليس في الأخذ بظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نحمله على نزول انتقال كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ولا على أن يخلوا (^٢) منه مكان ويشغل مكان، لأنَّ هذا من صفات الأجسام، بل نطلق القول فيه كما أطلقناه في قوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ [يوسف: ٢] وليس يمتنع إطلاق ذلك، وإنْ لم يكن معقولًا في الشاهد، كما وصفناه بالحياة وأنَّه حي بحياة، ولم نصفه بالحركة والانتقال والتحول، وإنْ كنا نعلم في الشاهد أن الحي لا ينفك عن الحركة والانتقال والتحول، وكذلك قد وُصف أمره بالمجيء فقال ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠] ولم يوجب ذلك انتقال في الموضعين، وكذلك جاء الليل وجاء النهار وجاءت الحمى، وإن لم يوجب ذلك انتقال، وكما أطلقنا القول بالاستواء وحمله بعضهم على العلو، ولم يوجب ذلك حدوثه في جهة
_________________
(١) هو يوسف العطار الحربي، كان ينزل في مربعة الخرسي، وروى عن أحمد بن حنبل مسائل كثيرة، روى عنه أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال وأثنى عليه ثناءً حسنًا، قولا: كان يوسف هذا يهوديًا أسلم على يدي أبي عبد الله وهو حدث، فحسن إسلامه ولزم العلم، وأكثر من الكتاب، ورحل في طلب العلم. (تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٨)، طبقات الحنابلة (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٢) كذا في الأصل.
[ ٣٠٩ ]
العلو بعد أنَّ لم يكن، وإنْ كان حقيقة، "ثُمَّ" في اللغة للتراخي، ولا أوجب له الجهة، وإن كان العلو غير السفل كذلك ها هنا (^١).
٢٦١ - وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إنَّ الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش (^٢).
فقد صرح أحمد بالقول إنَّ العرش لا يخلوا منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢] والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.
وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] المراد به مجيء ذاته، لا على وجه الانتقال.
وقد حكينا كلام أحمد في ذلك في رواية أبي طالب وحنبل وكلام أبي إسحق في الكلام على قول النبي -ﷺ- "أتاني ربي في أحسن صورة"، وليس يمتنع أن نثبت له نزول ذات، لا على وجه الانتقال لا يعقل معناه، وإنْ لم يعقل هذا في الشاهد، كما أثبتنا ذاتًا ويدين ووجهًا وعينًا لا يعقل معناه.
وقد عضد هذا الخبر القرآن، فذكر مقاتل (^٣) في تفسيره في قوله تعالى:
_________________
(١) ذكرها اللالكائي (٢/ ٤٥٣) معلقة.
(٢) لم أجده في الرسالة المذكورة في ترجمة "مسدد" من طبقات الحنابلة (١/ ٣٤١ - ٣٤٥).
(٣) هو مقاتل بن سليمان البلخي، المفسر، أبو الحسن، روى عن مجاهد والضحاك وابن بريدة، وعنه حرمي بن عمارة وعلي بن الجعد وخلق. قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقال مقاتل بن حيان: ما وجدت علم مقاتل بن سليمان إلا كالبحر. وقال الشافعي: الناس عيال في التفسير على مقاتل. وقال وكيع: كان كذابًا، وقال البخاري: قال سفيان بن عيينة: سمعت مقاتلًا يقول: إن لم يخرج الدجال سنة خمسين ومئة فاعلموا أني كذاب. وقال البخاري: سكنوا عنه، وقال النسائي: كان مقاتل يكذب وعن يحيى قال: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل -يعني في الإثبات- حتى جعله مثل خلقه. وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى =
[ ٣١٠ ]
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] بمعنى انفرجت، وهو البياض الذي في وسط السماء لنزول من فيها، يعني الرَّب والملائكة (^١).
فإن قيل: المراد بقوله "ينزل الله ﵎" معناه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير، وإقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف، بالتذكير والتنبيه، الذي يُلقى في قلوب أهل الخير، حتى يستغفروه (^٢).
قيل: هذا غلطٌ، لوجوه أحدها: أنه لم يكن غير مقبل فأقبل عليهم، بل كان مقبلًا قبل ذلك، يُبين صحة هذا قول النبي -ﷺ- "ولا يزالُ اللهُ مُقْبلًا على
_________________
(١) = من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات، وكان يكذب في التفسير. وقال الذهبي: أجمعوا على تركه. وقال الحافظ في التقريب: كذبوه وهجروه، ورمي بالتجسيم. مات سنة نيف وخمسين ومئة. (الميزان (٤/ ١٧٣ - ١٧٥)، التهذيب (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٥)، السير (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) قال ابن جرير في تفسيره (٢٧/ ٨٢): وقوله ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ يقول تعالى ذكره: فإن انشقت السماء وتفطرت - وذلك يوم القيامة فكان لونها لون البرذون الورد الأحمر. اهـ وقال ابن كثير (٤/ ٢٧٥): أي تذوب كما يذوب الدردري. والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة.
(٣) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٧٤ - ٧٥). وكذا تأوله أبو سليمان الخطابي -كما في "الأسماء" للبيهقي (ص ٤٥٣) - ولم أجده في المطبوع من معالم السنن (٤/ ٣٣١ - ٣٣٢) في الكلام على حديث النزول. وذكر هذا التأويل النووي في شرحه (٦/ ٣٧). وأنكر الحافظ ابن حجر على من حمل الخبر على ظاهره فقال: وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم؟! وذكر تأويل ابن العربي للحديث، ثم قال: والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو المَلَك بأمره؟؟ وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه؟! (انظر الفتح) (٣/ ٣٠ - ٣١). وهذه كلها تأويلات باطلة، والسلف أثبتوا نزولا حقيقًا يليق الله سبحانه، من غير تمثيل أو تأويل.
[ ٣١١ ]
عبده في الصلاة" (^١).
الثاني: أنه إن جاز تأويله على هذا، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على الرؤية إلى رحمته.
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه أحمد وابنه عبد الله (٥/ ١٧٢) وأبو داود (١/ ٥٦٠) والنسائي (٨/ ٣) والدارمي (١/ ٣٣١) والحاكم (١/ ٢٣٦) والبيهقي في "سننه" (٢/ ٢٨١، ٢٨٢) والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٢٥٣) عن يونس عن الزهري سمعت أبا الأحوص مولى بني ليث يحدث في مجلس ابن المسيب وابن المسيب جالس أنه سمع أبا ذر يقول قال رسول الله -ﷺ- فذكره، وتمامه: "فإذا صرف وجهه انصرف عنه". قال المنذري في "مختصر السنن" (١/ ٤٢٩): وأخرجه النسائي، وأبو الأحوص هذا لا يعرف له اسم، وهو مولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار، ولم يرو عنه غير الزهري، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو أحمد الكرابيسي: ليس بالمتين عندهم. اهـ. قلت: وقال الحافظ في التقريب: مقبول. وأغرب النووي قال: هو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده! (نصب الراية ٢/ ٨٩). وأخرجه البغوي (٣/ ٢٥٣) عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري به، وصالح ضعيف. لكن قد جاء في حديث يحيى -﵇- الطويل " … وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت … ". أخرجه الطيالسي (١١٦١) وأحمد (٤/ ١٣٠، ٢٠٢) والترمذي (٥/ ١٤٨ - ١٤٩، ١٤٩) والنسائي في الكبرى -كما في التحفة (٣/ ٣) - وابن حبان في "صحيحه" (٨/ ٤٣ - ٤٤) والآجري في الشريعة (ص ٨) والحاكم (١/ ٤٢١ - ٤٢٢) عن أبان بن يزيد العطار (إلا أحمد فمن طريق موسى بن خلف أبو خلف) عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلّام أن أبا سلام حدثه أن الحارث الأشعري حدثه أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن … " الحديث. قال الترمذي: حسن صحيح غريب. قلت: ورجاله ثقات رجاله مسلم، ويحيى بن أبي كثير مدلس لكنه قد صرح بالتحديث عند ابن حبان. ولم يتفرد به بل تابعه معاوية بن سلام أخو زيد بن سلام، وهو ثقة. أخرجه ابن خزيمة (٢/ ٦٤ - ٦٥) والحاكم (١/ ٢٣٦) والبيهقي (٢/ ٢٨٢).
[ ٣١٢ ]
الثالث: أنَّ في الخبر ما يُسقط هذا، وهو قوله "هل من سائل فيعطى سؤله هل من مستغفر فيغفر له" وهذه صفة تختص الذات، لا يصح وجودها من الرحمة والأفعال التي هي صفات قائمة بالذات.
فإن قيل: قوله "ينزل" معناه تنزل ملائكته بهذا النداء وبهذا الدعاء فيضاف ذلك إليه، كما يقالك ضرب الأمير اللص، ونادى في البلد، ومعناه: أمر بذلك، وكذلك قوله "ينزل عشية عرفة" يُحمل على ملائكته، وعلى نزول رحمته (^١)؟!
قيل: هذا غلط لوجوه أحدها: أن في الخبر "ينزل ربنا ﷿" وهذا لا يصح حمله على ملائكته، كما إذا قيل: نزل الملك ببلد كذا، لا يُعْقَل منه نزول أصحابه.
الثاني: قد رُوي في بعض الألفاظ ما يُسقط هذا.
٢٦٢ - وهو ما حدثناه أبو القسم بإسناده: عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنَّ الله -﷿- ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولى، الذي لم تره عين فيمحوا الله ما يشاء ويُثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره وهي مسكنه التي لم ترها عين ولم يخطر على قلب بَشَر، وهي مسكنه لا يسكنها معه من بني آدم إلا ثلاث: النبيون والصديقون والشهداء، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا وملائكته، فتنتفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفرٍ فأغفر له، ألا من يسألني فأعطيه، ألا من داعٍ فأجيبه، حتى تكون صلاة الفجر،
_________________
(١) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٧٥).
[ ٣١٣ ]
ولذلك يقول الله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (^١).
وهذا يُسقط التأويل، لأنه قال: "ينزل في الساعة الثالثة إلى سماء الدنيا وملائكته"، فأثبت نزول ذاته ونزول ملائكته.
فإن قيل: يحتمل قوله "ينزل وملائكته" معناه ينزل بملائكته.
قيل: هذا غلط، لأن حقيقة الواو للعطف والجمع، ولأنه قال في الخبر "ألا من يسألني فأعطيه ألا من داعٍ فأجيبه" وهذا القول لا يكون لملك.
الثالث: أنه إنْ جاز تأويل هذا على نزول ملائكته، جاز تأويل قوله "ترون ربكم" على رؤية ملائكته.
٢٦٣ - وجواب آخر جيد: وهو ما رواه إبراهيم بن الجنيد الختلي في كتاب "العظمة" بإسناده: عن أنس أنَّ النبي -ﷺ- قال: "إنَّ الله جل اسمه إذا أراد أن ينزل نزل بذاته" (^٢).
فإن قيل: فقد روي بضم الياء "يُنزل الله" وإذا كان كذلك، صح التأويل بأنه ينزل من أفعاله التي هي ترغيب لأهل الخير، واستعطاف لأهل العطف.
_________________
(١) ضعيف جدًا، أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" (ص ٦٥) والبزار (٤/ ١٩٢) ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في "العرش" (٨٦ - بتحقيقي) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٩٤) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٥ - ١٣٦) والدارقطني في "النزول" (ص ١٥١ - ١٥٢) واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (٢/ ٤٤٢) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٣٨) عن الليث بن سعد عن زيادة بن محمد عن محمد بن كعب عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعًا به. قلت: وعلته: زيادة بن محمد الأنصاري، قال أبو حاتم والبخاري والنسائي: منكر الحديث، وأورد الذهبي في الميزان (٢/ ٩٨) الحديث ثم قال: فهذه ألفاظ منكرة لم يأت بها غير "زيادة".
(٢) لم أجده بهذا اللفظ.
[ ٣١٤ ]
قيل: هذا غلط، لأنه لا يُحفظ هذا عن أحد من أصحاب الحديث أنه روى ذلك بالضم، فلا يجوز دعوى ذلك، والذي يُبين بطلان ذلك قوله "ألا من يسألني فأعطيه، ألا من داعٍ فأجيبه" وهذه صفة تختص بها الذات دون الأفعال، وما هذه الزيادة ألا تحريف المبطلين لأخبار الصفات.
فإن قيل: يحمل قوله "ثم يعلوا" المراد به ملائكته.
قيل: هذا غلط، لأنه قال في الخبر "ثم يعلوا على كرسيه" وليس هذه صفة للملائكة لأن الكرسي مضاف إليه، وكذلك قوله "ثم يرتفع" لا يصح حمله على الملائكة، لأن هاء الكناية ترجع إلى المذكور.
فإن قيل: أليس قد قال تعالى ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] وكان طمس الأعين من الملائكة بأمر الله، فلا يمتنع أن يكون تنزُّل الملائكة بأمر الله، وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقوله تعالى ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤] كل ذلك المراد به فعل يظهر منه كذلك ها هنا.
قيل: هذا غلطٌ، لأن تلك الآيات لم يقترن بها ما دل على أنَّ المراد به نفس الذات فالأمر فيها محتمل، فحمل على أفعاله، وأما ها هنا ففي سياق الخبر ما دلَّ على أنَّ المراد به الذات من الوجه الذي ذكرناه.
فأما قوله في حديث أبي سعيد وأبي هريرة "إذا ذهب ثلث الليل هبط" فالقول فيه كالقول في الرواية المشهورة "نزل" وأنَّ ذلك إخبارٌ عن هبوط الذات ونزولها.
وأما قوله في حديث أبي الدرداء "ينزل في الساعة الثانية جنة عدن
[ ٣١٥ ]
وهي داره ومسكنه لا يسكنها معه إلا النبيون والصديقون والشهداء" فإنه غير ممتنع حمله على ظاهره، وأنه يجوز إطلاق القول بأنَّ جنة عدن داره ومسكنه، لا على وجه الحد والجهة، كما أطلقنا القول بالاستواء على العرش، لا على وجه الجهة، وقد دلَّ على صحته هذا الإطلاق قوله تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [تبارك: ١٦] فأخبر أنه في السماء ولا يمتنع أيضًا جواز إطلاق القول بأن الأنبياء والشهداء والصديقين سكان معه.
٢٦٤ - ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حدثنا أبو القسم بإسناده: عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- في قول ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يُجلسه معه على السرير (^١).
وأما قوله في حديث أبي الدرداء (^٢) "يمحو الله ما يشاء ويثبت" فليس ذلك على معنى تغيير حكمٍ قد استقر، لكن على معنى تجديد كراماته ونعمه، ويأتي الكلام على هذا مستوفى في قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وهو مذكور في حديث النبي -ﷺ- "من سرَّه أن يمدَّ الله في عُمره، ويُوسع عليه في رزقه، فليتَّق الله وليَصِل رَحِمَه" (^٣).
وأما قوله في حديث أبي الدرداء "وينزل في الساعة الثالث وملائكته" فغير ممتنع حمله على ظاهره، ويشهد له قوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ
_________________
(١) عزاه السيوطي في "الدر المصون" (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٨) إلى ابن مردويه والديلمي.
(٢) في الأصل؛ أبي ذر وهو خطأ، وكذا في الموضع الثاني.
(٣) يأتي تخريجه والكلام عليه.
[ ٣١٦ ]
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١] وقد امتنع قومٌ من إطلاق ذلك، وقالوا قوله "جنة عدن داره ومسكنه" معناه: دار كرامته ومثوبته، وهذا غلط لوجهين أحدهما: أنَّ جنة عدن لا تختص بكرامته ومثوبته (^١) لأن سائر الجنان كذلك.
والثاني: أنه إنْ جاز تأويله على هذا، جاز تأويل الاستواء على العرش، على كرامته ومثوبته، وتأولوا قوله "لا يسكنها معه إلا الأنبياء والشهداء" على أنه معهم بالنصرة والكرامة، وهذا غلط، لأنَّ ذلك يُسقط فائدة التخصيص بجنة عدن، لأنه ناصرهم في غيرها، ولأن لفظة السُّكنى لا تستعمل في النصرة.
٢٦٥ - وقد ذكر أبو بكر النقاش (^٢) في كتاب "الرسالة" في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]: لو كان الجائي غيره، لكان الجائي غير الملك، وحُكي عن إسحق بن راهويه أنه قال: سألني رجل من الجهمية أنه قال: إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلوا منه العرش؟ قال فقلت: يقدر أن ينزل ولا يخلوا منه العرش؟ قال: فسكت، قال فقلت: إنْ قُلتَ يقدر خُصمتَ، وإن قلت لا يقدر كفرت، ولأن تكون مخصومًا، خير من أن تكون كافرًا.
قال إسحق: وسألني رجل عن نزول الرب، وما توهم الرجل عند ذلك، فقلت: ما توهم عند قوله ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ
_________________
(١) في هامش الأصل: في الأصل "ومثبوته" وفي التي تليها والصواب مثوبته. اهـ
(٢) تقدمت ترجمته.
[ ٣١٧ ]
وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] فيكون توهمك عند النزول مثل توهمك ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾.
٢٦٦ - وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا في كتاب "التفسير" في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقال: اختلف في صفة إتيان الرب في قوله ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه، من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد، إلا بخبر من الله أو من رسوله، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج، إلا بما ذكرنا.
وقال آخرون: إتيان الله جلّ ذكره نظير ما يُعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.
وقال آخرون: معنى قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] معناه: أمر الله؟! كما يقال: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يُراد به حكمهم.
وقال آخرون: معنى ذلك هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعقابه. كما قال ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وكما يقال. قطع الوالي اللص أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه. وغلَّب أبو بكر الوجه الأول، وروى في ذلك بإسناده: عن ابن عباس أنَّ النبي -ﷺ- قال: "إنَّ من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا وذلك قوله ﴿هَلْ
[ ٣١٨ ]
يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (^١).
٢٦٧ - وروى بإسناده حديثًا طويلًا ذكرت بعضه: عن أبي هريرة قال قال رسول الله -ﷺ-: "توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سبعين عامًا، لا ينظر إليكم، ولا يقضي بينكم قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا وتبكون حتى بلغ ذلك منكم الأذقان، ويلجمكم فتضجُّون، ثم تقولون: من يشفع لنا على ربنا حتى يأتوني فإذا جاؤني خرجت حتى آتي الفحص"، قال أبو هريرة: يا رسول الله ما الفحص؟ قال: "قدام العرش فأخر ساجدًا" وذكر الخبر إلى أن قال "فيقول: قد شفَّعتك، فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا فهالنا، فنزل أهل السَّماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض لنورهم، فقلنا: أفيكم ربنا؟ فقالوا: لا وهو آت" وذكر الخبر إلى أن قال "ثم ينزل أهل السماوات على قدر ذلك من التضعيف، حتى نزل الجبار تعالى ذكره في ظللٍ من الغمام والملائكة ولهم زجل من تسبيحهم، فينزل ربنا ﵎
_________________
(١) إسناده "ضعيف" أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩١) حدثنا محمد بن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا به. قلت: إسناده ضعيف، لضعف زمعة بن صالح وابن المختار وابن حميد. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٥٨٠) للديلمي. وعزاه إلى عبد بن حميد وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم من حديث ابن عباس موقوفًا بنحوه.
[ ٣١٩ ]
يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسماوات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم، فوضع الله -﷿- عرشه حيث شاء من الأرض، ثم ينادي نداءًا يسمع الخلائق" (^١) وذكر الخبر.
قال أبو بكر: وبمثل ذلك روي الخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين، ويؤكد صحة هذا وأنَّ المراد بالإتيان والمجيء الذات قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فلما قضد إتيان الآيات صرح بذكرها.
* * *
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٢) حدثنا أبو كريب حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- فذكره مطولًا. قلت: فيه جهالة الأنصاري، وضعف يزيد بن أبي زياد، وإسماعيل بن رافع المدني (وقع عند ابن جرير: المديني، والتصويب من التهذيب وغيره).
[ ٣٢٠ ]