١٧١ - ناه أبو القسم عبد العزيز قال: نا عبيد الله بن محمد المخرمي قال نا جعفر بن محمد الفريابي قال نا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحمد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أنَّ عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ الله خَلَق آدم فمَسَح ظَهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقتُ هؤلاء للخير وبعمل أهل الخير يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقتُ هؤلاء للنَّار وبعمل أهل النار يعملون" (^١).
١٧٢ - ونا أبو القسم قال نا أبو سعيد الحسن بن جعفر بن محمد الحربي قال نا جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي نا قتيبة نا الليث بن سعد عن محمد ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلَّام أنه قال: خلق الله آدم في آخر ساعةٍ من يوم الجمعة وذكر الخبر إلى أن قال: ثم مَسَحَ ظهره بيديه فأخرج فيهما من هو خالق من ذريته إلى أن تقوم الساعة، ثُم قَبَضَ يديه، ثم قال: اختر يا آدم، قال: اخترت يمينك يا رب، وكلتا يَدَيكَ يمين، فبسطها فإذا فيها ذريته من أهل الجنة (^٢).
_________________
(١) صحيح، تقدم تخريجه.
(٢) إسناده حسن، أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢١٩) والآجري في الشريعة (ص ٣٢٢) عن قتيبة بن سعيد به موقوفًا على عبد الله بن سلام. وقد رجَّح النسائي هذه الرواية الموقوفة على ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا. فقال: وهذا هو الصواب (يعني حديث ابن سلام الموقوف) والآخر خطأ، والذي بعده حديث محمد بن خلف وهو منكر. اهـ قلت: يعني بالآخر ما أخرجه هو قبل هذا الحديث وهو برقم (٢١٨) والترمذي =
[ ٢٠٨ ]
١٧٣ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد بإسناده: عن أبي نضرة أنَّ رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ- يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يَعُودُونه وهو يبكي فقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ الله قَبضَ قبضةً بيمينه، وأخرى بيساره، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أُبَالي" فلا أدري في أيِّ القبضتين أنا (^١).
_________________
(١) = (٥/ ٤٥٣ - ٤٥٤) وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٦٧) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٢٤ - ٣٢٥) عن ابن أبي ذباب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فحمد ربه بإذن الله له، فقال: الحمد لله، فقال له ربه: رحمك ربك يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، وملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فقالوا: سلام عليك ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم". قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال النسائي عقبه: خالفه محمد بن عجلان فيه، ثم ذكر حديث عبد الله بن سلام. قلت: والمخالف هو: ابن أبي ذُباب الحارث بن عبد الرحمن الدوسي. قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم. وحديث محمد بن خلف أخرجه النسائي (٢٢٠) عنه عن آدم حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان وذكر أربعة طرق إلى أبي هريرة مرفوعًا به.
(٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ١٧٦، ١٧٦ - ١٧٧) (٥/ ٦٨) عن حماد بن سلمة حدثنا الجريري عن أبي نضرة قال: أن رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ- يقال له: أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله -ﷺ-: "خذ من شاربك ثم أقرره حتى تلقاني"، قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: فذكره. ولكن ليس فيه: بيساره، وإنما بيده الأخرى. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. قلت: وهو كما قال، وحماد بن سلمة سمع من الجريري قبل الاختلاط. ورواه ابن خزيمة في التوحيد (ص ٧٩) والبزار (٣/ ٢٠) عن محمد بن المثنى حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا النمر بن هلال عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ- في القبضتين: "وهذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي". قال البزار: لا نعلمه يروي عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، والنمر بصري ليس به بأس، =
[ ٢٠٩ ]
١٧٤ - وروى أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة" حدثني أبو صالح محمد بن ثابت ثال نا أبو علي الحسن بن عليل العنزي ونا أبو حفص عمر بن محمد بن رجا قال نا أبو جعفر محمد داود البصروي قالا: نا العباس بن عبد العظيم العنبري قال نا الهيثم بن خارجة قال نا سُليمان بن عُتبة أبو الربيع السلمي قال سمعت يونس بن ميسرة بن حَلْبَس عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدَّدراء عن النبي -ﷺ- قال: "خَلَقَ الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمين، فأخرج ذُرّيةً بيضاء كأنهم الذَّر (^١)، وضرب كتفه اليُسرى، فَأخرج ذُرّيَة سوداء كأنهم الحُمم، فقال للتي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي
_________________
(١) = حدث عنه عمران القطان، ومسلم لم يتابع على هذا. اهـ. قال الهيثمي (٧/ ١٨٦): رواه البزار ورجاله رجال الصحيحن غير نمر بن هلال، وثّقه أبو حاتم. قلت: إنما قال أبو حاتم: شيخ، كما نقله ابنه في الجرح والتعديل (٨/ ٥١١). فالإسناد حسن إن شاء الله. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٦٠٦) إلى الطبراني (ولم أجده في الكبير) وابن مردويه. وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه أبو يعلى (٦/ ١٤٤ - ١٤٥، ١٧٢) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٧٩) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٥٧) وابن عدي في الكامل (٢/ ٦٢٤) والدولابي في الكنى (٢/ ٤٨) عن الحكم بن سنان حدثنا ثابت البناني عن أنس مرفوعًا: "إن الله قبض قبضة فقال: للجنة … ". لكن فيه الحكم بن سنان وهو الباهلي أبو عون، قال العقيلي: لا يتابع عليه، وقد روي فى القبضتين أحاديث بأسانيد صالحة. اهـ قلت: والحكم بن سنان ضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود وابن سعد، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال الحافظ: ضعيف. لكن الحديث يقوي بما سبق إن شاء الله تعالى. تنبيه: وقع عند ابن حزيمة: الحكم بن سنان قال حدثنا ابن عون حدثنا ثابت، وهو خطأ إنما هو: الحكم بن سنان أبو عون، وكذا هو عند العقيلي وابن عدي والدولابي.
(٢) في الأصل: الدر، مهملة النقط.
[ ٢١٠ ]
في يساره إلى النَّار ولا أبالي" (^١).
وروى أيضًا عن أبي … (^٢) ابن جعفر قال نا محمد بن إسماعيل قال نا وكيع قال نا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس قال: مَسَحَ الله ظهر آدم فأخرج في يمينه كل طيب، وأخرج في الأخرى كل خبيث (^٣).
واعلم أن هذا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه واليمين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع لما بينَّا فيما قبل، من أنَّه لا يحيل صفاته، فهو بمثابة إثبات اليدين والوجه وغيرهما.
فإن قيل: هذا الحديث تفرد بروايته محمد بن إسماعيل وكان ضعيفًا والمقبري وهو مدلس (^٤).
_________________
(١) حسن، أخرجه أحمد وابنه عبد الله في زوائده (٦/ ٤٤١) وعبد الله في السنة (٢/ ٤٦٦) والبزار (٣/ ١٩، ٢١) عن الهيثم بن خارجة به. قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وإسناده حسن. قلت: وهو كما قال، من أجل سليمان بن عتبة، قال فيه الحافظ: صدوق له غرائب، وهو من رجال ابن ماجه. والحديث عزاه الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٥) للطبراني أيضًا، ووهم فقال: رجاله رجال الصحيح!
(٢) كلمة طمس أولها، وأغلب الظن أنها: حسين.
(٣) موقوف صحيح، أخرجه ابن جرير (٩/ ٧٦) حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن الأعمش عن حبيب عن ابن عباس به. وفي إسناده ابن وكيع وهو سفيان، ضعيف، لكنه متابع في رواية المصنف. وحبيب بن أبي ثابت ثبت سماعه من ابن عباس.
(٤) أما محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك الدِّيلي مولاهم، أبو إسماعيل المدني، فقد قال فيه النسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس بحجة، وقال الحافظ: صدوق. قلت: وهو من رجال الصحيحين. =
[ ٢١١ ]
قيل: قد رُوِّيناه من غير هذا الطريق على أنَّ محمد بن إسماعيل هو ابن فديك من أهل المدينة، وتفرده به لا يُوجب ضعفه، وكذلك كون المقبري مدلسًا لا يوجب رد خبره.
فإن قيل: إضافة القبضة إليه على معنى الملك والفعل.
قيل: هذا غلط لما بينَّا فيما قبل، وهو أنَّ هذا يُسقط فائدة التخصيص، لأن ملكه لا يختص للقبضة، ولأن لذلك أسماء أخصّ به، ولأنَّ هذا يوجب تأويل اليدين أيضًا.
فإن قيل: قوله "اخترت يمين ربي" معناه اخترت من اختاره الله من أهل السعادة، وهم أولياؤه، وأضافه إلى اليمين لأنها محل للطيب.
قيل: هذا غلطٌ لأنَّ لذلك أسماء أخص به، ولأن هذا يوجب تأويل اليدين أيضًا، ولأنَّ الكلام يجب أن يُحمل على ما تقدَّم ذكره، والذي تقدم ذكره ذكر اليدين، وحصول الخلق والمسح بهما، لا يوجب أن يكون اليمين والشمال صفة لهما.
فإن قيل: قوله "اخترت يمين ربي" معناه رَددْتُ أمري إلى ربي، واخترت ما اختاره.
قيل: هذا غلط، لأنَّه لو كان قد ردَّ الأمر إليه لم يوجد منه اختيار، وفي الخبر "اخترت". فأما قوله "وكلتا يديه يمين" قيل فيه: إنه لم يُوصف باليدين، ويد الجارحة تكون أحدهما يمينًا والأخرى يسارًا، واليسرى تنقص أبدًا في
_________________
(١) = وأما المقبري وهو سعيد بن أبي سعيد واسمه كيسان المقبري، أبو سعد المدني، قال ابن المديني وابن سعد والعجلي وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: قد كان تغير وكبر واختلط قبل موته يقال بأربع سنين. وقال الحافظ: ثقة من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة. قلت: فوصفه بالتدليس مطلقًا فيه مبالغة، فلم يذكره الحافظ ابن حجر ولا غيره في المدلسين.
[ ٢١٢ ]
الغالب عن اليمين في القُوة والبطش، عرفنا كمال صفة الله تعالى، وأنه لا نَقْصَ فيها، وأنَّ ما وُصِف به من اليدين، ليس كما يوصف به الجوارح التي تنقص مياسِرُه عن ميامنه (^١).
_________________
(١) كلام المصنف ﵀ يدل على أنه لا يرى بأسًا في تسمية اليد الأخرى لربنا سبحانه بـ "الشمال". وقد أنكر هذا ابن خزيمة في كتاب "التوحيد" (ص ٦٦) فقال: باب ذكر سنة ثامنة تُبيِّن وتوضِّح أنَّ لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان، لا يسار لخالقنا ﷿، إذ اليسار من صفة المخلوقين، فجلَّ ربنا عن أن يكون له يسار. اهـ وبوَّب الآجري في الشريعة (ص ٣٢١): (باب الإيمان بأن لله ﷿ يدين، وكلتا يديه يمين) وضعف البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٣٢٤) الزيادة التي وردت في مسلم في حديث ابن عمر مرفوعًا: "ثم يطوى الأرضين بشماله" فقال: وذِكْر الشمال فيه تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، لم يذكرا فيه الشمال، ورواه أبو هريرة -﵁- وغيره عن النبي -ﷺ-، فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال، ورُوي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة، إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخرة يزيد الرقاشي، وهما متروكان. وكيف يصح ذلك؟ وصحيح عن النبي -ﷺ- أنه سمى كلتا يديه يمينًا! وكأن من قال ذلك أرسله من لفظه على ما وقع له، أو على عادة العرب في ذكر الشمال في مقابلة اليمين. اهـ. قلت: ثم ذكر حديث ابن عمر ومرفوعًا "المقسطون عند الله يوم القيامة، على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا" رواه مسلم. وعلّق القرطبي في "المفهم" على الزيادة السابقة قائلًا: كذا جاءت هذه الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، على المقابلة المتعارفة في حقنا، وفي أكثر الروايات وقع التحرز عن إطلاقها على الله حتى قال: وكلتا يديه يمين، لئلا يتوهم نقصٌ في صفته ﷾، لأن الشمال في حقنا أضعف من اليمين. اهـ من (الفتح ١٣/ ٣٩٦). وقال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٣٠١): "وكلتا يديه يمين" أي أنَّ يديه ﵎ بصفة الكمال، لا نقص في واحدة منهما، لأن الشمال تنقصُ عن اليمين. وقد علق الشيخ الهراس ﵀ على كلام ابن خزيمة السابق قائلًا: يظهر أن المنع من =
[ ٢١٣ ]
وقيل: معنى قوله "كلتا يديه يمين" وصفه بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضُّل، وذلك أنَّ العرب تقول لمن هو كذلك: كلتا يديه يمين، وإذا نَقَص حظ الرجل وبخس نصيبه، قيل جعل سهمه في الشمال، وإذا لم يكن عنه اجتلابُ منفعة ولا دفعُ مضرة، قيل: ليس فلان باليمين ولا بالشمال،
_________________
(١) = إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط، فإن إثبات اليمين وإسناد بعض الشئون إليها كما في قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وكما في قوله ﵇: "وإن يمين الله ملآى سَحَّاء الليل والنهار" يدل على أن اليد الأخرى المقابلة لها ليست يمينًا. اهـ قلت: ويقويه كلام الدارمي ﵀ في نقضه على المريسي فقد قال: وأعجب من هذا قول الثلجي الجاهل فيما ادعى: تأويل حديث رسول الله -ﷺ- "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" فادعى الثلجي أن النبي -ﷺ- تأول "كلتا يديه يمين" أنه خرج من تأويل الغلوليين أنها يمين الأيدي، وخرج من معنى اليدين إلى النعم. يعني بـ "الغلوليين" أهل السنة، يعني أنه لا يكون لأحد يمينان، فلا يوصف أحد بيمينين، ولكن يمين وشمال بزعمه! قال أبو سعيد: ويلك بها المعارض! إنما عني رسول الله -ﷺ- ما قد أطلق على التي في مقابلة اليمين الشمال، ولكن تأويله: وكلتا يديه يمين، أي: منزهٌ عن النقص والضعف، كما في أيدينا الشمال من النقص وعدم البطش، فقال "كلتا يدي الرحمن يمين" إجلالًا لله، وتعظيمًا أن يوصف بالشمال، وقد وصفت يداه بالشمال واليسار. وكذلك لو لم يجز إطلاق الشمال واليسار، لما أطلق رسول الله -ﷺ-، ولو لم يجز أن يقال: "كلتا يدي الرحمن يمين" لم يقله رسول الله -ﷺ-. وهذا قد جّوزه الناس في الخلق، فكيف لا يجوز ابن الثلجي في يدي الله أنهما جميعًا يمينان؟! وقد سُمي من الناس ذا الشمالين؟ فجاز نفي دعوى ابن الثلجي أيضًا، ويخرج ذو الشمالين من معنى أصحاب الأيدي. اهـ (النقص ص ١٥٥ - ١٥٦). وقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (ص ١٤٢): إنما أراد بذلك معنى التمام والكمال، لأن كل شيء فمياسرة تنقص عن ميامنه في القوة والبطش والتمام، وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر، لما في اليمين من التمام وفي اليسار من النقص. ويجوز أنه يريد: العطاء باليدين جميعًا، لأن اليمنى هي المعطية، فإذا كانت اليدان يمينين =
[ ٢١٤ ]
ولذلك قال الفرزدق (^١): كلتا يديه يمين غير مختلفة. اهـ
وهذا لا بأس به، لأنَّه لا ينفي الصفة بل يثبتها على الكمال.
* * *
_________________
(١) = كان العطاء بهما، وقد روي في حديث آخر أن النبي -ﷺ- قال: "يمين الله سحّاء لا يغيضها شيء الليل والنهار" أي نصب العطاء ولا ينقصها ذلك. اهـ
(٢) هو شاعر عصره أبو فراس همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التميمي البصري الشهير بـ "الفرزدق"، والفرزدق وصف لوجهه وهو الرغيف الضخم. أرسل عن علي ويروي عن أبي هريرة والحسين وابن عمر وأبي سعيد وطائفة. وعنه الكميت ومروان الأصفر وخالد الحذاء وغيرهم. وفد على الوليد وعلى سليمان ومدحهما. قال الذهبي: ونظمه في الذروة. مات سنة ١١٠ هـ. (طبقات الشعراء لابن سلام (ص ١١١ وما بعدها)، معجم الشعراء للمرزباني (ص ٤٨٦ - ٤٨٧)، السير للذهبي (٤/ ٥٩٠).
[ ٢١٥ ]