٢١٤ - ناه أبو القسم قال نا علي بن إبراهيم بن موسى نا موسى بن عبيد الله بن يحيى المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي نا أبو أسامة قال نا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله الملائكة من نُور الذراعين والصدر (^١).
وناه من طريق آخر بهذا اللفظ.
_________________
(١) أخرجه عبد الله في "السنة" (٢/ ٤٧٥) وعنه ابن مندة في "الرد على الجهمية" (٧٨) عن أحمد بن حنبل به، وهو أثر موقوف على عبد الله بن عمرو، وقد كان يحدث عن أهل الكتاب، فلعل هذا منها، وأعلّ بتدليس هشام بن عروة. وأخرجه ابن منده في كتابه السابق (٧٧) عن صدقة بن سابق قال قرأت على محمد بن إسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو وقال: سمعته يقول: خلق الله الملائكة ثم قال: ليكن منكم ألف ألفين، فيكونون، فإن في الملائكة لخلقًا هم أصغر من الذباب. وقال غيره وزاد فيه: وخلقهم من نور الذراعين والصدر. صدقة بن سابق كوفي، ذكره ابن أبي حاتم (٤/ ٤٣٤) ولم يحك فيه شيئًا. وأخرجه البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٤٢ - ٣٤٣) عن يحيى بن أيوب أن ابن جريج حدثه عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص: أي الخلق أعظم؟ قال الملائكة، قال: من ماذا خلقت؟ قال: من نور الذراعين والصدر، قال: فبسط ذراعين فقال: كونوا ألفي ألفين، فقال ابن أيوب فقلت لابن جريج: ما ألفا ألفين؟ قال: ما لا تحصى كثرته. قال البيهقي عقبه: هذا موقوف على عبد الله بن عمرو، راويه رجل غير مسمى، فهو منقطع، وقد بلغني أن ابن عيينة رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. فإن صح ذلك، فعبد الله بن عمرو قد كان ينظر في كتب الأوائل، فما لا يرفعه إلى النبي ﵇ يحتمل أن يكون مما رآه فيما وقع بيده من تلك الكتب. اهـ. والثابت في خلق الملائكة هو ما رواه الإمام أحمد (٦/ ١٦٨) ومسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٩٤) عن عروة عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارجٍ من نار، وخلق آدم مما وُصف لكم".
[ ٢٦٤ ]
اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره.
أما الفصل الأول: فإنه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في إثبات الذراعين والصَّدر، إذ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نُثبت ذراعين وصدرًا هي جوارح وأبعاض، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا اليدين والوجه والعين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه.
فإن قيل: عبد الله بن عمرو لم يرفعه إلى النبي -ﷺ- وإنما هو موقوف عليه فلا يلزم الأخذ به.
قيل: إثبات الصفات لا يؤخذ إلا توقيفًا، لأن لا مجال للعقل والقياس فيها، فإذا رُوي عن بعض الصحابة فيه قول، علم أنهم قالوه توقيفًا.
فإن قيل: فقد قيل إنَّ عبد الله بن عمرو أصاب وسقين يوم اليرموك، وكان فيها من كتب الأوائل مثل "دانيال" (^١) وغيره، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حدثنا ما سمعت من رسول الله -ﷺ- ولا تحدثنا من وسقيك يوم اليرموك فيحتمل أن يكون هذا القول من جملة تلك الكتب فلا يجب قبوله، وكذلك كان وهب بن منبه يقول: إنما ضل من ضل بالتأويل، ويرون في كتب "دانيال" أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهوا إلى العرش، رأى شخصًا ذا وفْرة فتأول أهل التشبيه على أن ذلك ربهم، وإنما ذلك إبراهيم (^٢).
_________________
(١) دانيال قيل إنه من أنبياء بني إسرائيل، وأن الصحابة وجدوا جسده في بيت مال "الهرمزان" عند فتحهم "تُستَر"، انظر "البداية والنهاية" (٢/ ٤٠ - ٤٢).
(٢) "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٥٢).
[ ٢٦٥ ]
قيل: هذا غلط لوجوه: أحدهما: أنه لا يجوز أن يظن به ذلك لأن فيه إلباس في شرعنا، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعًا لنا، ويكون شرعًا لغيرنا، ويجب أن ننزه الصحابة عن ذلك.
والثاني: إنَّ شرعنا وشرع غيرنا سواء في الصفات، لأن صفاته لا تختلف باختلاف الشرائع.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك صدرًا وذراعين لبعض خلقه لأنه ذكر الذراعين والصدق مطلقًا، وقد وجد في النجوم ما يسمى ذراعين وصدرًا وتكون الفائدة في ذلك التنبيه على ما في قدرته من المخلوقات، وإنشاء المخترعات (^١).
فيل: هذا غلط، لأنه ذكر الذراعين والصدر بالألف واللام، والألف واللام يدخلان للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله على الجنس، لأنه يقتضي كل ذراع وكل صدر، وليس ها هنا معهود من الخلق يشار إليه، فلم يبق إلا أن يحمل عليه سبحانه، لأنه أعرف المعارف، يبين صحة هذا أنه لما أراد تخصيص بعض الملائكة بفضيلة أو حكم عرَّفه باسمه، نحو قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] ونحو ذلك، ولأن حمله على بعض خلقه يُسقط فائدة التخصيص بالملائكة، فلما خصَّ الملائكة بالذكر، علم أنه قَصَد تشريفهم، وإذا حُمل على بعض خلقه لم يكن لهم مزية.
وأما الفصل الثاني: وهو خلق الملائكة من نوره فليس على ظاهره،
_________________
(١) المصدر السابق، و"الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٣٤٣).
[ ٢٦٦ ]
ومعناه خلقها بنوره تشريفًا لهم، كما خلقٍ آدم بيده تشريفًا له على غيره من خلقه، وإنما لم يجز حمله على ظاهره، لأن ذلك يُحيل صفاته ويخرجها عما تستحقه، لأن نور ذاته قديم، والقديم لا يتبعض فيكون بعضه مخلوقًا كسائر صفاته (^١).
وهذا ظاهر كلام أحمد، وذلك أنه قال في قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يقول: من أمره، وتفسير "روح الله" أنها روح الله خلقها، كما يقال: سماء الله وأرض الله (^٢)، فلم يحمل الكلام على ظاهره في الروح بل تأوله، لأن في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، كذلك ها هنا.
* * *
_________________
(١) قد سبق بيان أن الرواية الصحيحة هي: "خلقت الملائكة من نور" فلا يرد عليها ما ذكره المصنف ﵀.
(٢) هذا هو الصواب في تفسير الآية، وهو أن معنى (روح منه) أي من خلقه ومن عنده كقوله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] ن وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت في قوله (هذه ناقة الله) وفي قوله (وطهر بيتي). وليست "من" للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة. (انظر تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٠).
[ ٢٦٧ ]