١٧٩ - نا أبو القسم عن أبي بكر عبد العزيز إجازة عن أبي بكر أحمد بن محمد الخلال عن أحمد عن الحسين الرقي عن إبراهيم بن المنذر عن [محمد بن] (^١) فليج بن سليمان عن أبيه عن سعيد بن الحرث عن عبيد بن
_________________
(١) = واليد العليا هي المنفقة واليد السفلي هي السائلة. فضم هذا إلى قوله الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي هي التي تليها وإلى قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة، فإن التركيب والقصد والسياق لا يحتمله البتة، وتأمل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فلما كانوا يبايعون رسول الله -ﷺ- بأيدهم ويضرب بيده على أيديهم، وكان رسول الله -ﷺ- هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه وفوق الخلائق كلهم، كانت يده فوق أيدهم كما أنه سبحانه فوقهم، فهل يصح هذا لمن ليس له يد حقيقية؟ فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله ونعمته، فوق قدرهم ونعمهم؟! أم تقتضي المقابلة أن يكون المعنى هو الذي يسبق إلى الأفهام من هذا الكلام. وكذلك قوله "ما تصدّق أحد بصدقةٍ من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بينمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، فهل يحتمل هذا الكلام غير الحقيقة؟ وهب أن اليد تستعمل في النعمة، أفسمعتم أنَّ اليمين والكف يستعملان في النعمة في غير الوضع الجديد الذي اخترعتموه وحملتم عليه كلام الله وكلام رسوله -ﷺ-. وكذلك "وبيده الأخرى القسط"، هل يصح أن يكون المعنى وبقدرته الأخرى؟ وهل يصح في قوله "إن المقسطين عن يمين الرحمن" أنه عن قدرته في لغة من اللغات؟ وهل سمعتم باستعمال اليمين في النعمة والكف في النعمة؟ وكيف يحتمل قوله "إن الله أخذ ذرية آدم من ظهره ثم أفاض بهم في كفه" كف النعمة والقدرة؟ وهذا لم تعهدوا أنتم ولا أسلافكم به استعمالًا ألبتة، سوى الوضع الجديد الذي اخترعتموه، وكذلك قوله "خمر الله طينة آدم ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى، ثم خلط بينهما" فهل يصح في هذا السياق غير الحقيقة؟ فضع لفظ النعمة والقدرة ها هنا ثم انظر هل يستقيم ذلك؟ وهل يصح في قوله "والخير كله في يديك" أن يكون في نعمتك أو في قدرتك اهـ باختصار يسير (٢/ ١٧١ - ١٧٣).
(٢) سقط من الأصل.
[ ٢٢٣ ]
حنين (^١) عن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله يقول: "إن الله لما فرغ من خلقه، استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: أنها لا تصلح لبشر" (^٢).
_________________
(١) في الأصل: بن جبير وهو خطأ.
(٢) حديث منكر، أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩) وأبو محمد الخلال وأبو بكر الخلال كما سيأتي والطبراني في الكبير (١٩/ ١٣) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٥٥) عن إبراهيم بن المنذر الحزامي به. قال البيهقي عقبه: فهذا حديث منكر، ولم أكتبه إلا من هذا الوجه، وفليح بن سليمان مع كونه من شرط الخاري ومسلم، فلم يخرجا حديثه هذا في الصحيح، وهو عند بعض الحافظ غير محتج به. ثم نقل تضعيف ابن معين والنسائي لفليح بن سليمان، قلت: وضعفه ابن المديني وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال الدارقطني: يختلفون فيه وليس به بأس، والظاهر أن هذا الحديث من غرائبه، فقد ذكره الذهبي في ترجمته من الميزان (٣/ ٣٦٥). وقال البيهقي: وفيه علة أخرى، وهو أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر بن الخطاب -﵁- وصلى عليه عمر، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي وابن بكير، فتكون روايته عن قتادة منقطعة. اهـ قلت: قوله أن فيه انقطاع، فيه نظر إذا السياق يأباه. ثم إن الحافظ بن حجر اختار في التهذيب (٧/ ٦٣) أنه مات وهو ابن تسعين، ولم ينف سماع عبيد بن حنين من قتادة كما في ترجمة قتادة من التهذيب (٨/ ٣٥٨). والحديث في متنه نكارة شديدة، وهو ما أشار إليه البيهقي بقوله: وما نقل في هذا الخبر إنما يفعله في الشاهد من الفارغين من أعمالهم من مسّه لغوب، أو أصابه نصب مما فعل، ليستريح بالاستلقاء وضضع إحدى رجليه على الأخرى، وقد كذَّب الله تعالى اليهود حين وصفوه بالاستراحة بعد خلق السماوات والأرض وما بينهما فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. وقال: وأما النهي عن وضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا فقد رواه أبو الزبير عن جابر عن النبي -ﷺ- دون هذه القصة (قلت: وهو في مسلم ٣/ ١٦٦١) وحمله أهل العلم على ما يخشى من انكشاف العورة -وهي الفخذ- إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا والإزار ضيق، وهو جائز عند الجميع إذا لم يخش ذلك. اهـ =
[ ٢٢٤ ]
١٨٠ - وفي لفظ آخر: عن عمرو بن عتبة بن فرقد وكعب بن عجرة أنهما كانا جالسين عند الأشعث بن قيس قال: فوضع إحدى رجليه على الأخرى فقال: ضعهما إنها لا تصلح لبشر.
١٨١ - وفي لفظ آخر: عن محمد بن قيس قال: جاء رجل إلى كعب فقال: يا كعب أين ربنا؟ فقال له الناس: دقّ الله فاك أتسئل عن هذا؟ قال لكعب: دعوه فإن يك عالمًا ازداد، وإن يك جاهلًا تعلم، سألت أين ربنا وهو على العرش العظيم، متكئ واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى (^١).
١٨٢ - ونا أبو محمد الحسن بن محمد (^٢) قال نا علي بن عمر التمار من أصل كتابه قال نا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي قال نا أحمد ابن علي الأبار أبو العباس قال نا محمد بن إسحاق الصاغاني قال نا إبراهيم بن المنذر الحزامي (^٣) قال نا محمد بن فليح عن أبيه عن سعيد بن الحرث عن عبيد بن حنين (^٤) قال: بينا أنا جالس في
_________________
(١) = ثم ساق حديث عباد بن تميم عن عمه: "أن رسول الله -ﷺ- كان يستلقي في المسجد وإحدى رجليه على الأخرى" رواه مسلم. والحديث ذكره الألباني حفظه الله في الضعيفة (٧٥٥) وحكم بنكارته وأنه من الإسرائيليات. تنبيه: سقط من سند ابن أبي عاصم المطبوع: فليح بن سليمان. ووقع فيه: عبد الله بن حنين، قال الألباني: بالميم المضمومة، ووقع في الأصل بالحاء وهو تحريف! كذا قال، وهو وهم منه حفظه الله، فإن صوابه: عبيد بن حنين، وكذا هو عند الطبراني والبيهقي والتهذيب.
(٢) لم أجده مسندًا، وقد أشار إليه الحافظ أبو موسى المديني، كما في السلسلة الضعيفة للألباني (٢/ ١٧٨).
(٣) في الأصل: الحراني وهو خطأ، أشار إلى ذلك الناسخ.
(٤) تقدمت ترجمته.
(٥) في الأصل: ابن جبير.
[ ٢٢٥ ]
المسجد إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث وثاب إليه ناس، فقال: انطلق بنا يا ابن حنين (^١) إلى أبي سعيد فأخبرت أنه اشتكى، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد فوجدناه مستلقيًا رافعًا رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي سعيد فقرصها قرصة شديدة، فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن أخي أوجعتني، قال: ذاك أردت إنَّ رسول الله -ﷺ-: "إنّ الله لما قضى خلقه استلقى ثم رفع إحدى رجليه على الأخرى، ثم قال: لا ينبغي لأحدٍ من خلقي أن يفعل هذا" فقال أبو سعيد: لا جرم والله لا أفعله أبدًا.
قال أبو محمد الخلال: هذا حديث إسناده كلهم ثقات، وهم مع ثقتهم شرط الصحيحين مسلم والبخاري.
١٨٣ - وقد ذكر أبو بكر أحمد بن محمد الخلال (^٢) هذا الحديث في "سننه" فقال نا أحمد بن الحسين الرقي نا إبراهيم بن المنذر نا محمد بن فليح
_________________
(١) في الأصل: ابن جبير.
(٢) هو الإمام العلامة الحافظ الفقيه، شيخ الحنابلة وعالمهم، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الخلال، ولد سنة ٢٣٤ هـ أو في التي تليها فيجوز أن يكون رأي الإمام أحمد، ولكنه أخذ الفقه عن خلقٍ كثير من أصحابه، وتلمذ لأبي بكر المروذي، قاله الذهبي. ورحل إلى فارس وبلاد الشام والجزيرة، يتطلب فقه الامام أحمد وفتاويه وأجوبته. وكتب عن الكبار والصغار حتى كتب عن تلامذته، وجمع فأوعى، ثم أنه صنف كتاب: "الجامع في الفقه" من كلام أحمد بأخبرنا وحدثنا، وصنف كتاب "العلل" عن أحمد في ثلاث مجلدات، وألف كتاب "السنة" وغيرها من المؤلفات التي تدل على إمامته وسعة علمه. قال الذهبي: ولم يكن قبله للإمام مذهب مستقل، حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاث مئة ف رحمه الله تعالى. توفي سنة ٣١١ هـ. (تاريخ بغداد (٥/ ١١٢ - ١١٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٢ - ١٥)، السير (١٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨».
[ ٢٢٦ ]
ابن سليمان قال حدثني أبي عن سعيد بن الحرث عن عبيد بن حنين (^١) قال: بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان وجلس إليَّ وتحدث وثاب إلينا الناس، فقال قتادة سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه، واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال: إنها لا تصلح لبشر".
اعلم أن هذا الخبر يفيد أشياء منها: جواز إطلاق الإستلقاء عليه، لا على وجه الاستراحة، بل على صفة لا تعقل معناها (^٢)، وأن له رجلين كما له يَدَان وأنه يضع إحداهما على الأخرى على صفةٍ لا نعقلها (^٣)، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنا لا نصف ذلك بصفات المخلوقين؛ بل نُطلق ذلك كما أطلقنا صفة الوجه واليدين، وخلق آدم بها، والاستواء على العرش، وكذلك جاز النظر إليه، لا في مكان، وكذلك إثبات الوجه لا على الصفة التي هي معهودة في الشاهد، وكذلك العين.
فإن قيل: لا يجوز حمل هذا الخبر على ظاهره، بل يُحمل قوله "لما فرغ من خلقه استلقى" بمعنى ترك أن يخلق مثله ويديم ذلك، كما يقال: فلان بني داره وعمرها فاستلقى على ظهره، بمعنى أنَّه ترك البناء، ولا يُراد أنه اضطجع.
قيل: قولكم أنه لا يجوز حمله على ذلك غلط، لأنَّا قد بينا أنا لا نحمله على صفةٍ تستحيل في صفاته، بل يجري في ذلك مجرى غيره من الصفات، وأما حمله على ترك أنْ يخلق مثله وترك الاستدامة لذلك فغلط أيضًا، لأن
_________________
(١) في الأصل: ابن جبير.
(٢) تقدم أن الحديث لا يصح، ولذا فلا تثبت به صفة لله تعالى، لأن الصفات تثبت بالأحاديث الصحيحة فقط دون الأحاديث الضعيفة والمنكرة.
(٣) في الأصل: لا نعقتله، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢٢٧ ]
لذلك اسمًا هو أخصُّ به من الاستلقاء، وهو ترك الخلق وقطع استدامته.
وجواب آخر: وهو أنه لا يصح حمله على قطع الاستدامة لأنه مستديم لخلقه، ومستديم أيضًا إيقاع خلق في السماوات والأرض بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] فأخبر أنه فاعلٌ لإمساكها بعد الفراغ منها.
فإن قيل: قوله "استلقى" بمعنى ألقى مخلوقاته (^١) عن الرجل يستلقي ويضع إحدى رجليه على الأخرى قال: ليس به بأس قد روي.
وقال حنبل: رأيت أبا عبد الله مستلقيًا على فقاه واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
قيل: هذا غلط، لأن قول كعب تَضَمَّن شيئين:
أحدهما: إثبات الرَّجلين صفة.
والثاني: منع هذه الجلسة وكراهتها (^٢)، قام الدليل على جواز هذه الجلسة لخلاف السلف وإجازتهم له، وبقي إثبات الرجلين على ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا ردّه، فوجب الرجوع إليه لأنه لا يجوز في حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده.