٣٣٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "ثَلَاثَةً لا يَنْظُرُ الله إليهم يَوَمَ القِيامَةِ: الإمَامُ الكَذَّاب، والشَّيخُ الزاني، والعَائِلُ المزهي" (^١).
٣٣٣ - وفي حديث آخر: عن أُسامة عن النبي - ﷺ - قال: "ثَلَاثَةٌ لا ينظر الله إليهم يَومَ القِيامَة: عاقًّا لِوالديه ومُدْمِنًا خَمْرًا، ومَنَّانًا بما أَعْطَى" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣) وعنه ابنه عبد الله في "السنة" (١٠٦٣) والنسائي (٥/ ٨٦): عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان قال: سمعت أبي يحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله … - ﷺ - فذكره. وإسناده حسن، من أجل عجلان المدني وابنه. وأخرجه مسلم (١/ ١٠٢ - ١٠٣) والنسائي في الكبرى - كما في التحفة (١٠/ ٨٤) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٢٢٣) عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: "ثلاثة لا يكلمُهُم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذابٌ أليم: شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّاب، وعائلٌ مُسْتكْبِرٌ". وأخرجه أحمد (٢/ ٤٨٠) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بمثل لفظ مسلم. ومعنى المزهي - ووقع عند أحمد والباقي - المزهو: هو المُختال المتكبر.
(٢) لم أقف عليه من حديث أسامة. وقد صح نحوه من حديث ابن عمر: أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص ٣٦٤) وابن حبان (٥٦ - زوائد) عن ابن وهب قال أخبرني عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومُدْمنُ خمرٍ، والمنَّان بما أعطى". وأخرجه ابن خزيمة (ص ٣٦٣ - ٣٦٤) والحاكم (٤/ ١٤٦ - ١٤٧) عن سليمان بن بلال عن عبد الله بن يسار به. وأخرجه أحمد (٢/ ١٣٤) والنسائي (٥/ ٨٠ - ٨١) من طريقين عن عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار به وفيه زيادة وهذا لفظه: "ثلاثةٌ لا ينظرُ الله ﷿ إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأةُ المترجِّلة، والدَّيُّوث، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: العاقُّ لوالديه، والمدمنُ على الخمر، والمنَّان بما أعطى". =
[ ٤٠٢ ]
٣٣٤ - وفي حديث آخر: عن ابن عمر - ﵄ - قال سمعت رسول الله - ﷺ -: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الخُيَلاءِ، فإنَّ الله لا يَنظرُ إليه يَومَ القيامة" (^١).
٣٣٥ - وفي حديثٍ آخر: عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا ينظر الله تعالى إلى امْرَأةٍ لا تَعرف حَقَّ زوجها، ولا تستغني عنه" (^٢).
_________________
(١) = فالحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وفيه: عبد الله بن يسار وهو المكي الأعرج، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول. لكن للحديث شواهد منها: حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه أحمد (٢/ ٢٠١، ٢٠٣) والدارمي (٢/ ١١٢) والنسائي (٨/ ٣١٨) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٣٦٥ - ٣٦٦) وابن حبان (١٣٨٢، ١٣٨٣ - زوائد) والطحاوي في "المشكل" (١/ ٣٩٥) عن سالم بن أبي الجعد عن جابان عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "لا يدخل الجنة: منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر، ولا ولد زنية". وقد أعله ابن خزيمة بجهالة جابان وبإسقاطه نبيط من هذا الإسناد (وهو مذكور في الإسناد عند النسائي). وقد توسَّع في الكلام على الحديث الشيخ الألباني حفظه الله في السلسلة (٦٧٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٢٥٢) ومسلم (٣/ ١٦٥١): عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يُخْبره عن ابن عمر مرفوعًا به. وأخرجه البخاري (٧/ ١٩) (١٠/ ٢٥٤، ٤٧٨) عن موسى بن عقبة عن نافع به. وله طرق أخرى عن نافع وعن ابن عمر، انظر البخاري (١٠/ ٢٥٨) ومسلم (٣/ ١٦٥٣ - ١٦٥١). وله شاهد من حديث أبي هريرة، انظر المصادر السابقة.
(٣) حديث صحيح، رواه النسائي في "عشرة النساء" (الكبرى) - كما في التحفة (٦/ ٣٠٠) - عن سَرَّار بن مُجشِّر بن قبيصة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به. سرَّار ثقة، وباقي رجاله ثقات. ولم يتفرد به، بل تابعه ابن المبارك عند البزار (١٤٦٠ - زوائد). ولم يتفرد به سعيد بن أبي عروبة، بل تابعه همام عند البزار، وعمران القطان (وهو صدوق يهم) عند ابن عدي (٦/ ٢١٤٤)، وعمر بن إبراهيم العبدي عند الحكم (٢/ ١٩٠) (٤/ ١٧٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٠٣ ]
٣٣٦ - وفي حديثٍ آخر: عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَنظر الله إلى رَجلٍ أَتَى رَجُلًا أو امرأةً في دُبُرِها" (^١).
٣٣٧ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس - ﵄ -: "لا ينظر الله إلى مسدل" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥١ - ٢٥٢) والترمذي (٣/ ١١٦٥) والنسائي في الكبرى - كما في التحفة (٥/ ٢١٠) وابن الجارود في "المنتقى" (٧٢٩) وابن حبان في صحيحه (١٣٠٢، ١٣٠٣ - زوائد) وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٣٠) وابن حزم في "المحلى" (١٠/ ٦٩ - ٧٥): عن أبي خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان بن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس مرفوعًا به. قال الترمذي: حسن غريب وصححه ابن حزم. ورجاله ثقات رجال الشيخين، سوى الضحاك بن عثمان وهو ابن عبد الله الأسدي الحزامي فمن رجال مسلم، وثَّقه الجمهور، وقال أبو حاتم: يكتب حديث ولا يحتج به وهو صدوق، وقال: أبو زرعة: ليس بالقوى، وقال الحافظ: صدوق بهم. والحديث رواه النسائي في الكبرى - كما في التحفة (٥/ ٢١٠). عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفًا. وقال الحافظ في "التلخيص" (٣/ ١٨١): وهو أصح عندهم من المرفوع. ورواه ابن عدي (٣/ ١١٠٩) عن سليمان اليمامي عن ابن أبي كثير عن طاووس عن ابن عباس مرفوعًا به، وسليمان ضعفه غير واحد. والحديث ولو كان موقوفًا، فإن له حكم الرفع، لأن مثله لا يقال بالرأي، كما أن له شاهدًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٣) وأحمد (٢/ ٢٧٢ - ٣٤٤) وعبد الله في السنة (١٠٦٤) وأبو داود (٢/ ٢١٦٢) والنسائي في الكبرى - كما في التحفة (٩/ ٣١٢ - ٣١٣) - وابن ملبة (١٩٢٣) من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن الحارث بن مُخَلَّد عن أبي هريرة به، وفي بعض طرق الحديث لفظه: "ملعونٌ مَنْ أتى امرأته في دبرها". والحارث هو الزرقي والأنصاري، قال البزار: ليس بمشهور، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.
(٢) لم أقف عليه!
[ ٤٠٤ ]
٣٣٨ - وفي حديث آخر: عن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: "إنَّ الله تعالى لا يَنْظُرُ إلى مُسْبِلٍ إزاره" (^١).
٣٣٩ - وفي حديثٍ آخر: عن أبي أُمَامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثَةٌ لا ينظر الله ﷿ إليهم يَومَ القِيامة، ولا يُزكِّيهم، ولَهُم عَذابٌ أليم: عاق وَالِدَيه، ومدمنًا خمرًا، ومُكذِّبًا بقَدرِ الله تعالى" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٣٢٢) والنسائي في "المجتبي" (٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨) وفي الكبرى - كما في التحفة (٤/ ٣٩١) - وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٩٢): من طرقٍ عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي قال سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به، وفيه: "مسبل الإزار"، وسنده صحيح، أشعث ثقة. وله شاهد من حديث أبي هريرة وزاد "يوم القيامة". أخرجه أحمد (٢/ ٣١٨) وهو من صحيفة همام عنه. وأخرجه مسلم (٣/ ١٦٥٣) عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلًا يجرُّ إزاره، فجعل يضربُ الأرضَ برجله - وهو أميرٌ على البحرين - وهو يقول: جاء الأمير، جاء الأمير، قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ الله لا ينظر إلى مَنْ يجرُّ إزاره بَطَرًا".
(٢) حسن لغيره، أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢٣) والطبراني في الكبير (٨/ ١١٩/ ٧٥٤٧): عن دحيم ثنا محمد بن شعيب عن عمر بن يزيد عن أبي سلام عن أبي أُمامة مرفوعًا، لكن لفظه: "ثلاثةٌ لا يَقبلُ الله لهم صَرْفًا ولا عَذلًا: عاقٌّ، ومنَّان، ومكذِّبٌ بالقَدَر". ذكره المنذري في الترغيب (٣/ ٣٢٨) وقال: رواه ابن أبي عاصم في السنة بإسناد حسن. ورواه الطبراني (٨/ ٢٤١/ ٧٩٣٩) عن يزيد بن زريع عن بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا بلفظ: "أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة " فذكرهم وزاد: "مدمن خمر". وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٦): رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما بشر بن نمير وهو متروك، وفي الآخر عمر بن يزيد وهو ضعيف. قلت: أما عمر بن يزيد وهو النصري، فقد ترجم له ابن أبي حاتم (٦/ ١٤٢) ولم يذكر في جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في المجروحين (٢/ ٨٨ - ٨٩) وقال: كان ممن يَقْلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتاج به على الإطلاق، وإن اعتبر بما يوافق الثقات فلا ضير. وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٣١): وقد يعتبر به.
[ ٤٠٥ ]
اعلم أن الكلام في هذا الخبر مَبنيٌّ على أصلِ، وهو أنَّه يجوز أنْ يُوصف الله تعالى بالنَّظَرِ الذي هو رؤية، كما يجوز وصفه بأنَّه رأي بصيرة.
وذكر ابنُ فُورك في كتاب "تأويل الأخبار" أنَّه لا يجوز وَصْفُه بأنَّه نَاظِر نَظَرًا هو رؤية، قال: "لأنَّه لا يجوز أنْ يُثبت له صفةً إلا ما وَصفَ بها نفسه، أو وصفه رسوله" (^١).
ولو تأمَّل لَعَلِمَ أن هذه صِفَةٌ قد وَصَفَ بها نفسه، ووصفه بها رسوله، قال الله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩]. فوصف نفسه بالنظر.
٣٤٠ - وروى أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ الله ﷿ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرَكُم وأَمْوالِكُم، ولكن إنَّما يَنْظُر إلى أعْمالِكُم وقُلُوبِكُم".
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم (^٢).
فأخبر أنَّه نَاظِرٌ إلى الأعمال والقلوب.
_________________
(١) "مشكل" ابن فورك بنحوه، وقال: "وقد ورد الكتاب بأنه راءٍ بصير، وأنه يرى ويبصر، ولم يردْ بأنه ينظر!! فلذلك لا يوصف بالنظر على معنى الرؤية، ويوصف بالنظر على معنى التَّعطُّفِ والرحمة!! ". ولك أن تعجبَ من هذا التحكم الذي لا يستند إلى دليل، لا من شرع ولا عقل!! وقد أجاد المصنف في الرد عليه.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٨٧) عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعًا به. وأخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد (٢/ ٢٨٥، ٥٣٩) وابن ماجه (٤١٤٣). وأخرجه مسلم (٤/ ١٩٨٦ - ١٩٨٧) عن أسامة بن زيد أنه سمع أبا سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كُريز يقول سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ - فذكره مطولًا وفيه: "إنَّ الله لا ينظُرُ إلى أجسادِكم ولا إلى صُورَكم، ولكن ينظرُ على قلوبكم" وأشار بأصابعه إلى صدره.
[ ٤٠٦ ]
٣٤١ - وروى أبو بكر النَّجاد بإسناده: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا كان أوَّلَ لَيلةٍ مِنْ شَهر رَمَضَان؛ نَظَرَ الله إليهم، ومَنْ نَظَرَ إليه لم يُعَذِّبه" (^١).
٣٤٢ - وروى أبو بكر في كتاب "الشَّافي" بإسناده: عن وَاثِلَة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ لله ﷿ في كُلِّ يومٍ ثَلاثمائة وسِتِّينَ نَظرةً ليسَ لصاحبِ الشاه (^٢) فيها نَصِيب" (^٣).
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه البيهقي في "فضائل الأوقات" (٣٦) عن الهيثم بن الحواري عن زيد العمي عن أبي بصرة قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "أُعْطيتْ أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يُعطهن نبيّ قبلي، أما واحدةً: فإنه إذا كان أول ليلةٍ من شهر رمضان نظر الله ﷿ إليهم، ومَنْ نَظَر الله إليه لم يعذب أبدًا، وأما الثانية: فإن خَلُوف أفواههم حين يُمْسُون أطيبُ عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كلِّ يومٍ وليلة، وأما الرابعة: فإنَّ الله ﷿ يأمر جنته فيقول لها: استعدِّي وتزيَّني لعبادي، أوشك أنْ يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسةُ: فإنه إذا كان آخرُ ليلةٍ غُفر لهم جميعًا، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وُفُّوا أجورهم". ذكره المنذري في الترغيب (٢/ ٩٢) وقال: رواه البيهقي وإسناده مقارب أصلح مما قبله. وفيه: زيد العمِّي وهو ابن الحواري، ضعيف. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٤٤٥): إلى البيهقي (أي في الشعب) والأصبهاني في الترغيب. ثم رأيته فيهما من الطريق نفسه، وهو في الأول برقم (٣٦٠٣) وفي الثاني برقم (١٨٢٠). والحديث الذي ذكره المنذري قبله، هو حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أُعْطِيتْ أَمتي في شهر رمضان خمسَ خصالٍ لم تُعط أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة … " الحديث. أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢) والبزار (١/ ٩٦٣ - زوائد) والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٤٢) والبيهقي في "فضائل الأوقات" (٣٥) وفي الشعب (٣٦٠٢). وفيه: هشام بن أبي هشام، قال البزار: ليس هو بالقوي في الحديث، وضعفه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما.
(٢) كُتب في هامش الأصل: صاحب الشاه فُسِّرَ بلاعب الشطرنج.
(٣) ذكره الديلمي في "الفردوس" (٧١٠).
[ ٤٠٧ ]
فقد نطق الكتاب والسُّنة بإثبات هذه الصفة، وغير ممتنعٍ حمل ما رواه واثلة على ظاهره، لا على وجه التكرار، كما جازَ وَصفه تعالى بأنَّ له تِسْعَةً وتسعين اسمًا لا على وجه التحديد، وكما جاز وصفه بالعُلُو لا في جهة، وكذلك جواز النظر إليه لا في جهة، وإنْ كُنَّا نعلم أن العلو ضد السفل، والنَّظَر لا يصح في الشَّاهد إلا في جهةٍ، كذلك ها هنا.
وكما جاز وصفه بالذَّات، وإن كان حقيقة الذات في الشاهد هو الجسم المؤلف، وكذلك جاز وصفه بالسَّمع والبصر والوجه وغير ذلك، ولا نقول إنها جميعه ولا بعضه، وإنْ كانت في الشاهد أنها بعض الذات، كذلك لا يمتنع وصفه بالعَدَدِ وإنْ لم يتعدد، ولا يصح تأويله على ما يُحدثه في كلِّ حالٍ من تغيير الأحوال لوجهين:
أحدهما: أن ما يُحدثه لا يختص بتسْعةٍ وتسعين رحمة.
والثاني: أن هذه الأشياء تصدر عن القُدْرةِ لا عن النظر.
فَعُلِم أن المراد بالخبر إثبات صفة ترجع إلى النظر الذي هو الرؤية، لا على وجه التكرار لاستحالة التكرار في صفات ذاته، لأنّ تكرارها يُفضي إلى حدثها (^١).
_________________
(١) هذا القول غير صحيح، فمن المعلوم من الكتاب والسنة أن الله تعالى لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء متى شاء، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾] آل عمران: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال سبحانه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]. ودوام الفعل من الكمال، فبإن الفعل إذا كان صِفَة كمال؛ فدوامه دوام كمال. وقد ذكر أهل الكلام لفظ "تسلسل الأفعال" وهو لفظٌ مجملٌ، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن. فالتسلسل في المؤثرين: محالٌ ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحدٍ منهم استفاد =
[ ٤٠٨ ]
٣٤٣ - وروى أبو بكر أحمد بن إسحق الصبغي في كتابه المسمى بـ"الأسماء والصفات" فيما حكاه ابن فُورك عنه: عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله - ﷺ - ومعه صاحبه، قال: فأتينا رسول الله - ﷺ - حين انصرفَ من صلاةِ الصُّبْح، وذكر الحديث، وقال فيه: "فَتَخْرجُون من مَصَارِعِكُم تَنْظُرُونَ إليه، ويَنْظُر إليكم" (^١).
_________________
(١) = تأثيره مما قبله لا على غاية! والتسلسل الواجب: ما دلَّ عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الربِّ في الأبد، وأنه كلَّما انقضى لأهل الجنة نعيم، أحدَث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأنَّ كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت. وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإنَّ كل حي فعَّال، والفرق بين الحي والميت: الفِعْل، ولهذا قال غيرُ واحدٍ من السلف: الحيَّ: الفعال. وقال عثمان بن سعيد: كلُّ حيٍّ فعَّال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقتٍ من الأوقات معطَّلًا عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل. وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيًّا قادرًا مريدًا متكلمًا - وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كلِّ فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكلُّ ما سواء مخلوقٌ كائن بعد أن لم يكن. فيقال باختصار: إن صفات الأفعال - كالاستواء والنزول والخلق والرزق والكلام. إلخ - قديمة النوع حادثة الآحاد. وانظر تفصيل هذه المسألة في: "شرح الطحاوية" لأبي أبي العز ﵀ (ص ١٣٢ - ١٤١)، و"درء تعارض العقل والنقل" (٢/ ١١٥ - ٢٤٤) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد أفاض في الكلام عليها، وأورد الأدلة من الكتاب ثم من السنة على أن الله تعالى لم يزل فاعلًا لما يشاء متى شاء، ثم ردَّ على المخالفين في المسألة بما لا تجده في مكان آخر.
(٢) ضعيف سبق تخريجه في (الجزء الأول/ ١٦٧).
[ ٤٠٩ ]
٣٤٤ - وروى ابنُ المنذر، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بينَمَا أهلُ الجنَّةِ في نَعِميهم، إذْ سَطَحَ لهم نُورٌ من فَوق رُؤوسِهِم، فإذا الرِّبُّ ﷿ قد أَشْرَف عليهم مِنْ فَوقهم فقال: السَّلام يا أَهل الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. قال: "فَيَنْظُر إليهم ويَنْظُرون إليه، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شيءٍ مِنَ النَّعيم ما دامُوا يَنْظُرونَ إليه" (^١).
٣٤٥ - وروي عن كعب أنَّه قال: "ما نَظَر الله إلى الجنَّة قَط إلا قال لها: طيبي لأهلكِ، قال: فازْدَادَتْ طِيبَا إلى ما كانت" (^٢).
فإن قيل: تُحمل هذه الأخبار على التَّعَطُّفِ والرحمة، وأنَّ الله يَتَعطف عليهم فَيُريهم نَفْسَه ويرحمهم.
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه ابن ماجة (١٨٤) والبزار (٤/ ٢٢٥٣ - زوائد) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥) والآجري (ص ٢٦٧) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وفي "صفة الجنة" (٩١) وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٣٩ - ٢٤٠) وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٦١ - ٢٦٢) واللالكائي (٣/ ٤٨٢) عن أبي عاصم العَبَّاداني ثنا الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا به. قال البزار: لا نعلمه يُروى عن جابر إلا بهذا الإسناد. وقال الذهبي في "العلو" ص ٢٣) بعد أن ذكر الحديث: وإسناده ضعيف. وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع! وفي سنده ضعيفان: أبو عاصم العباداني (وهو عبيد الله بن عبد الله) والرقاشي. والحديث عزاه السيوطي في "الدر" (٧/ ٦٥) إلى ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) ضعيف، أخرجه عبد الله بن أحمد - كما في حادي الأرواح (ص ٢٩٥) ولم يذكر في أي كتاب له - حدثنا خلف بن هشام ثنا خالد بن عبد الله عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب به. وأخرجه أبو نعيم في "صفة الجنة" (٢١) عن أبي عوانة عن يزيد به. وسنده ضعيف من أجل: يزيد بن أبي زياد، وهو القرشي الهاشمي مولاهم.
[ ٤١٠ ]
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه إنْ جازَ أنْ يُتَأول نَظَرُه إلى الأشياءِ على معنى التعطف جاز أنْ تُتَأَول رؤيته وبصره إلى الأشياء على معنى التعطف والرحمة.
وقد أثبتَ ابنُ فورك البصر والرؤية صفة، كذلك النظر.
ولأئه إذا جاز وصفه بالرؤية والبَصر إلى الأشياء؛ جاز وصفه بالنظر، إذْ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقُّه.
فأما قوله في حديث جابر: "بَينا أهلُ الجنَّة في نعيمهم إذْ سَطَعَ لهم نُورُ من فوق رؤوسهم" فلا يمتنع حمله على ظاهره، وأنَّه نُورُ ذاته، لأنَّه إذا جاز أنْ يُظْهِرَ لهم ذاته فيرونها؛ جاز أنْ يُظهر لهم نُوره فيرونه، لأنَّ النُّورَ من صفات ذاته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
وأما قوله في حديث جابر: "بَينا أهلُ الجنة في نعيمهم إذْ سَطَعَ لهم نُورُ من فوق رؤوسهم" فلا يمتنع أيضا حَمله على ظاهره، وأنَّه إشْرافُ ذَاته، لا على وجه الجهة، كما جاز أنْ يَتَجلَّى للجبل حتى جعله دَكًّا.
فإن قيل: يحمل قوله: "إذْ سَطَعَ لهم نورٌ" على ما يَتَجَدَّد لهم من كراماته، وإشْعَارهم بما يزيدهم من معارفه، فعند ذلك يرفعون رؤوسهم، على معنى ما يقال: فلان رفع رأسه، إذا ارْتَفَعت حاله عن انخفاض بما يتجدد له، وقوله عند ذلك: "أشرف عليهم من فوق رؤوسهم" يعنيك من فوق رجائهم.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه إنْ جازَ أنْ يُحمل ظُهور النُّور على كرامته جاز أنْ يحمل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [الإنسان: ٢٣]. إلى كراماته، ولأنه إذا جاز أنْ يُوصف أنه أشرف عليهم من فوق رجائهم؛ جازَ أنْ يُوصف من فوق رؤوسهم، لا على وجه الجهة إذ لا فرق بينهما.
فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. معناه لا يتعطف عليهم ولا
[ ٤١١ ]
يرحمهم، وكذلك قوله تعالى (^١) "لا ينظر الله إليهم" على هذا المعنى، ولهذا يقول القائل: انظر إليَّ بمعنى تعطَّف علي وارحمني، وليس المراد به نفي النظر الذي هو الرؤية، لأنه تعالى ناظرًا رائيًا إلى جميع الأشياء غير مستترة عنه.
٣٤٦ - وفي معناه ما روي: "إن الله لم يَنْظُر إلى الدُّنيا منذ خلقها" (^٢) معناه: لم يُجل قدرها ولا قدر من رَكَن إليها، لأنَّه خَلَقَها للفناءِ والزوال وحَثَّ على الزُّهد فيها وترك الاشتغال بها، ومنه قولهم: ما نظر فلان إلى فلان إذا أراد أنَّه لم يَعْتَد به.
وأما قوله: "إن الله لا ينظر إلى صُوَرِكُم ولكن ينظر إلى قُلُوبكم" معناه الاحتساب والاعتداد، أي لا يعتد بما يظهر منكم إذا لم يوافق الباطن، لأنَّ الأعمال الظَّاهرة مَنُوطَةٌ بصحة السَّرَائِر والإخلاص، ولهذا قال - ﷺ -: "إنما الأعمالُ بالنِّيات، وإنما لامْرِيءٍ ما نَوَى" (^٣) يريد أنَّ النِّيات هي المصَحِحة للأَعمال.
وليس إذا نَفَينا النظر في حالٍ، دَلَّ على نفي ذلك في الجملة، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ولم يدل ذلك على نفي الكَلام في الجملة.
_________________
(١) كذا في الأصل والصواب: قوله - ﷺ -، لأنه من كلامه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) هو الحديث الأول الذي ابتدأ به البخاري صحيحه وأخرجه في ستة مواضع أخرى، وأخرجه مسلم في الإمارة (٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦) من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، واللفظ المذكور لمسلم. قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: ينبغي لمن صنَّف كتابًا أنْ يبدأ فيه بهذا الحديث، تنبيهًا للطالب على تصحيح النية. وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، حتى قالوا إنه: ثلث الإسلام، وبعضهم قال: ربعه، ووجَّه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنيَّة أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها.
[ ٤١٢ ]