١٩٤ - أخبرناه أبو القسم قال نا أبو يعلى عبد الله بن مسلم بن يحيى قال نا الحسين بن إسماعيل الضبي نا إسمعيل بن الحرث قال نا أبو النضر نا عبدالرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ضرسُ الكافِر مثل أُحد، وفَخِذه مثلُ البيضاء، ومقعُدهُ من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار جلَّ اسمه" (^١).
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٤، ٥٣٧) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٧١) من عبد الرحمن عن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم به. وإسناده حسن، عبد الرحمن بن عبد الله هو مولى ابن عمر (وقع في الأصل عبد العزيز وهو خطأ)، صدوق، قاله ابن المديني، وقال أبو حاتم: فيه لين يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الحافظ: صدوق يخطئ. وإسناد المصنف فيه: إسماعيل بن الحارث لم أجد له ترجمة سوى قول ابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ١٠٤) ذكره أبو محمد الخلاف فيمن روى عن إمامنا أحمد، أما الحسين الضبي فهو صادق فاضل (تاريخ بغداد ٨/ ١٩ - ٢٠)، وأبو يعلى هو الدباس، ثقة (تاريخ بغداد ١٠/ ١٧١). وله طريق آخر عن أبي هريرة، أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٨) والحاكم (٤/ ٥٩٥) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أُحد، وعرض جلده سبعون ذراعًا، وعضده مثل البيضاء، وفخذه مثل ورقان، ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الربذة". قال المنذري في "الترغيب" (٤/ ٤٨٤): إسناد جيد. قلت: وهو كما قال، عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن عبد الله المدني، صدوق رمي بالقدر. وطريق ثالث عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠٣) وابن حبان (٩/ ٢٨٤) والحاكم (٤/ ٥٩٥) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٢) عن عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه "إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار، وضرسه مثل أحد" وزاد الترمذي: "وإن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة" وليس عند الترمذي: "بذراع الجبار". =
[ ٢٤٢ ]
وحدثناه أيضًا عن طريق أبي بكر عبد العزيز بهذا اللفظ.
اعلم أنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت ذراعًا جارحةً، ولا أَبْعَاضًا بل نثبت ذلك صفة، كما أثبتنا الوجه واليدين وغيرهما من الصفات.
فإن قيل: المراد بالجبار المتجبر من خلقه، لأن حمله على الله سبحانه يوهم الجارحة والعضو في صفته ويوهم الطول عليه (^١).
_________________
(١) = قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه للذهبي، وهو كما قالا. وطريق رابع عن أبي هريرة، أخرجه الترمذي (٤/ ٧٠٣) عن محمد بن عمار حدثني جدي محمد بن عمار وصالح مولى التوَّأمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "ضرس الكافر يوم القيامة مثل أُحد، وفخذه مثل البيضاء، ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثلُ الربذة". قال الترمذي: حسن غريب. ومثل الربذة كما بين المدينة والربذة، والبيضاء: جبلٌ مثلُ أحد. قلت: وإسناده حسن لغيره، محمد بن عمار الأول هو ابن حفص، لا بأس به، وجده محمد بن عمار هو ابن سعد القرظ، وثق. وقال الحافظ: مستور، وصالح صدوق مختلط. وطريق خامس عن أبي هريرة مختصرًا، أخرجه مسلم (٤/ ٢١٨٩) والترمذي (٤/ ٧٠٤) عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: "ضرسُ الكافر أو نابُ الكافر مثل أُحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثٍ". فوائد: ورقان: بوزن قطران، جبلٌ أسود بين العَرْج والرُّوَيثة، على يمين المار من المدينة إلى مكة (النهاية ٥/ ١٧٦). قوله: ضرسه مثل أحد وفخذه مثل البيضاء، جبلان تعظم أعضاء الكافر كعظمهما وتقتضي النسبة النبوية أن تكون البيضاء جبلا أكبر من أحد، كما أن الفخذ أكبر من الضرس (انظر عارضه الأحوذي ١٠/ ٤٨).
(٢) قال ابن قتيبة في "تتأويل مختلف الحديث" (ص ١٤٥): إن لهذا الحديث مخرجًا حسنًا إن كان النبي -ﷺ- أراده، وهو أن يكون الجبار ههنا الملك، قال الله ﵎ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: بملك مسلط، والجبابرة الملوك، وهذا كما يقول الناس: هو كذا وكذا =
[ ٢٤٣ ]
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ في الخبر أنَّه قال: "اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبّار جل اسمه" وهذه الصفة لا يستحقها أحدٌ من الجبابرة غير الله ﷿ بل غيره يستحق الذم والمقت (^١) ولأنَّه ذكر الجبار بالألف واللام، والألف واللام يَدْخُلان للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله على الجنس، لأنه يقتضي كل جبار وليس ها هنا معهود من الخلق يُشار إليه، فلم يبق إلا أن يُحمل عليه سبحانه، لأنَّه أعرف المعارف.
وأما قولهم: إنه يُفضي إلى أن نصفه بالطول، فليس كذلك لأنَّا نثبت قوله وخلق آدم بيده" ولم يُوجب ذلك إثبات صفة في اليد تُقضي إلى الحدِّ على ما نعقله في الشاهد، كذلك ها هنا، ونُثبت استواءً على العرش، ولى يوجب ذلك تحديده لأجل أنَّ العرش محدود.
_________________
(١) = بذراع الملك، يريدون بالذراع الأكبر، وأحسن ملكًا من ملوك العجم كان تام الذراع. اهـ. وقال ابن حبان عقب الحديث السابق: إن الجبار ملك باليمن يقال له الجبار (له ذراع معروف المقدار) (وانظر الترغيب ٤/ ٤٨٤) وقال المنذري: وقيل ملك بالعجم. وقال الحاكم: قال الشيخ أبو بكر -﵁- معنى قوله "بذراع الجبار" أي: جبار من جبابرة الآدميين، ممن كان في القرون الأولى، ممن كان أعظم خلقًا وأطول أعضاء وذراعًا من الناس. وأبو بكر هو شيخ الحاكم أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري المعروف بالصَّبْغي الإمام العلامة المفتي المحدث له كتاب في "الأسماء والصفات"، وترجمته في العبر (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩) والسير (١٥/ ٤٨٣ - ٤٨٩) وغيرهما. وقال البيهقي في الأسماء (ص ٣٤٢): قال بعض أهل النظر: في قوله "بذراع الجبار" إن الجبار ههنا لم يعن القديم، وإنما عُني به رجلًا جبارًا كان يوصف بطول الذراع وعظم الجسم، ألا ترى إلى قوله ﴿كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ وقوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ وقوله "بذراع الجبار" أي: بذراع ذلك الجبار الموصوف بطول الذراع وعظم الجسد، ويحتمل أن يكون ذلك ذراعًا طويلًا يُذرع به يُعرف بـ "ذراع الجبار"، على معنى التعظيم والتهويل، لا أن له ذراعًا كذراع الأيدي المخلوقة. اهـ
(٢) في الأصل: المعصية، وصوّبت في الهامش بـ "المقتة" ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٢٤٤ ]
فإن قيل: قوله جلَّ اسمه يُحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة أَدْرَجَه في كلام النبي -ﷺ- (^١).
قيل: هذه مِدْحَةٌ لا يستحقها غيره، ولا يجوز أن نُضيف إلى الراوي الخطأ، لأنه قد أخذ علينا حُسْنَ الظن فيهم.
فإن قيل: هذا يفضي إلى تحديد الذراع لأنَّ جلد الكافر محدود.
قيل: لا يُفضي إلى هذا، كما لم يفض إلى تحديده بالاستواء على العرش، لأنه العرش محدود، وكذلك قوله: الكرسي موضعُ القدمين (^٢)، وكذلك قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ولم يوجب ذلك تحديد اليمين، لأنَّ السماوات محدودة.
* * *
_________________
(١) لم تذكر هذه الزيادة وهي "جلّ اسمه" في المصادر السابقة، والظاهر أنها مدرجة كما ذكر، والله أعلم.
(٢) أثر موقوف على ابن عباس، إسناده حسن، أخرجه عبد الله في "السنة" (١/ ٣٠١) والدارمي في "النقض" (ص ٧١، ٧٣ - ٧٤) وابن أبي شيبة في "العرش" (٦١ - بتحقيقي) وابن خزيمة في التوحيد (ص ١٠٧ - ١٠٨) وابن جرير في تفسيره (٣/ ١٠) والدارقطني في "الصفات" (ص ٤٩ - ٥٠) والحاكم (٢/ ٢٨٢) والخطيب في تاريخه (٩/ ٢٥٢) كلهم عن سفيان عن عمار الدهني عن سعيد بن جبر عن ابن عباس في قوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: الكرسي موضع القدمين، لا يقدر أحد قدره.
[ ٢٤٥ ]