٣٤٧ - ناه أبو القاسم بإسناده: عن عائشة قالت: كَانَت عندي امرَأةٌ فلما قامت قال النبي - ﷺ -: "مَنْ هذه يا عائشة؟ " قلت: يا رسول الله أمَا تعرفها! هذه فُلانَة ما تَنامُ الليل، وهي من أَعْبَدِ أَهْلِ المدينة، فقال رسول الله - ﷺ -: "مهْ! عليكم مِنْ العَمَل ما تُطيقُونَ، فإنَّ الله تعالى لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" قالت: وكان أحب العمل إليه أدْوَمُهُ وإنْ قلَّ (^١).
٣٤٨ - وفي حديثٍ آخر: عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: "إنَّ الله لا يَمَلُّ منَ الثَّوابِ حتى تَمَلُّوا مِنَ العَمَل" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٠١) (٣/ ٣٦) ومسلم (١/ ٥٤٢) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. وقد جاء التصريح باسمها فيها أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٧) ومسلم (١/ ٥٤٢) عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أخبرته ان الحولاءَ بنتَ تُويتِ بن حبيب بن أسد بن عبد العُزى مرَّت بها وعندها رسول الله - ﷺ - فقلت: هذه الحولاء بن تويت، وزعموا أنها لا تنامُ الليل، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تنامُ الليل! خُذُوا من العمل ما تُطيقون، فوالله لا يَسْأَمُ الله حتى تَسْأمُوا".
(٢) إسناده ضعيف، أخرجه الطبري في تفسيره (٢٩/ ٧٩) قال حدثنا ابن وكيع ثنا يزيد بن حيان عن موسى بن عبيدة ثني محمد بن طحلاء مولى أم سلمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله - ﷺ - حصيرًا يصلي عليه من الليل فتسامع به الناس فاجتمعوا فخرج كالمغضب - وكان بهم رحيمًا - فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فقال: "اكْلَفُوا من الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يملُّ من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما دمتم عليه". ونزل القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ حتى كان الرجل يربطُ الحبل ويتعلَّق به، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردَّهم إلى الفريضة وترك قيام الليل. وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وكذا ابن وكيع. =
[ ٤١٣ ]
اعلم أنَّه غيرُ مُمتنعٍ إطلاقُ وَصفه تعالى بالمَلل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونُفُور النَّفس عنه، كما جاز وَصفه بالغَضَب لا على وجه النُّفُور، وكذلك الكراهة والسّخط والعداوة فقال سبحانه: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤].
وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]. وقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال: ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].
فإن قيل: معنى المَلَل ها هنا الغضب، فيكون معناه: لا يغضب عليهم ولا يقطع عنهم ثوابه حتّى يترُكوا العمل (^١).
قيل: هذا غَلَطٌ، لأنَّ الملل قد يَحصل منَ العبد، فيما لا يقتضي الغضب عليه، وهو تركُ النَّوافل، والخبر على هذا الوجه خَرَج، ولأنَّه إنْ جازَ تأويل المللِ على الغضب، جاز تأويل الغضب على الملل إذْ ليس أَحَدُهما بالتأَويل أولى من الآخر، وكلاهما مما قد وَرَدَ الشرع بإطلاقه عليه.
ولأن الملل والغَضَب في اللغة عبارة عن معنيين مختلفين، فلا يجوز حمل
_________________
(١) = وقد أخرجه بإسناد آخر عن موسى به وفي: "يا أيها النَّاس إنَّ الله لا يملُّ حتى تملوا يعني من الثواب فاكلفوا من العمل ما تطيقون … ". ولعل قوله: "يعني من الثواب" مُدرج من بعض الرواة. وقد أشار عليه الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧) لكن قال: أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل، وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك مدرج من قول بعض رواة الحديث، والله أعلم. قلت: كذا قال! وليس له عنده إلا طريقان!
(٢) انظر "مشكل" ابن فورك (ص ١١٢).
[ ٤١٤ ]
أحدهما على الآخر، ولأنَّه إنْ جاز امتناع إطلاق الملل ولأنَّ له حكم في الشَّاهد، جاز امتناع إطلاق الغَضب والرِّصا والإرادة، لأن لها حدًا في الشاهد.
فإن قيل: معناه: إنَّ الله لا يَمَلُّ إذا مَلَلْتُم، ومثل هذا قولهم: إنَّ هذا الفَرَسَ لا يَفْتُر حتى تفتر الخيل، وليس المراد بذلك أنَّه يفتر إذا فَتَرت الخيل، إذ لو كان المراد به هذا، ما كان له فضل عليها، لأنَّه يفتر معها، وإنما المراد به لا يفتر وإنْ فترت الخيل، وكذلك قولهم في الرجلِ البليغ، لا ينقطع حتى ينقطعَ خصومه، يريد بذلك أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، إذْ لو كان المراد به ينقطع إذا انقطعوا، لم يكن له فَضْلٌ عليهم.
فعلى هذا يكون معنى الخبر أن الله ﷿ لا يترك الإحسان إلى عبيده، وإنْ تركوا هم طاعته (^١).
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ الخبر قُصدَ به بيان التحريض على العمل والحثِّ عليه وإنْ قَلَّ، فإذا حَمِلَ الخبرُ على استدامة الثواب مع انقطاع العمل من العامل، لم يوجد المقصود بالخبر، لأنَّه يعول على التَّفَضُل ويطرح العمل.
وجواب آخر: وهو أن "حَتَّى" لها ثلاثة أقسام: أحدُها: أنَّها تكون غاية، وتكون بمعنى "كي" وتكون بمعنى "إلا أن" وليست بمعنى "إذا" (^٢).
_________________
(١) انظر المصدر السابق (ص ١١٢ - ١١٣). ونقل هذا التأويل أيضًا البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٨٣)، والحافظ في الفتح (١/ ١٠٢) ورجَّح أن الصواب هو أنه من باب "المقابلة اللفظية" كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ونقل عن الإسماعيلي وجماعة من المحققين، ونقل عن القرطبي قوله: وجه مجازه أنه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالًا، عبَّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه.
(٢) انظر: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لأبي محمد بن هشام (١/ ١٢٢).
[ ٤١٥ ]