بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المحمود على السَّرَّاء والضَّرَّاء، المتفرد بالعزِّ والعظمة والكبرياء، العالم قبل وجود المعلومات، والباقي بعد فناء الموجودات، المبتدئ بالنِّعم قبل استحقاقها، المتكفل للبرية بأرزاقها، أحمده حمدًا يرضيه، وأستعينه على حبس خواطر النفس عن هواها، ومنع بواردها من السطوة على مرادها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فصلى الله عليه وعلى أصحابه وعلى أزواجه وسلم (^١).
أما بعد: فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله -ﷺ- في الصفات، وصح سنده من غير طعن فيه ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار. وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن ابن فورك (^٢) الذي سماه كتاب "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار
_________________
(١) كتب في هامش الأصل: "كلمة (وسلم) ساقطة من الأصل وسيستمر. . . إسقاطها إلى آخر الكتاب، وربما ترك الصلاة على النبي -ﷺ- لأنه كان لا يري بذلك بأسًا". قلت: وقد التزمت أن أصلي على النبي -ﷺ- كلما ذكر اسمه -ﷺ- صلاة كاملة.
(٢) هو محمد بن الحسن بن فُورَك أبو بكر الأصبهاني، شيخ المتكلمين قال الذهبي: كان أشعريًّا، رأسا في فن الكلام، أخذ عن أبي الحسن الباهلي صاحب الأشعري. قال ابن خلكان: أبو بكر الأصولي والأديب النحوي الواعظ، درس بالعراق مدة ثم توجه إلى الري، فسمعت به المبتدعة -يعني الكرامية- فراسله أهل نيسابور فورد عليهم وبنوا له مدرسة ودارًا، وظهرت بركته على المتفقهة، وبلغت مصنفاته قريبًا من مئة مصنف، ودُعي إلى مدينة "غَزْنَة" وجرت له بها مناظرات، وكان شديد الرد على ابن كرام ثم عاد إلى نيسابور فَسمَّ في الطريق فمات بقرب بُست، ونقل إلى نيسابور.=
[ ٤٥ ]
وتأولها، فتأملنا ذلك وبينّا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله، وأوهم خلاف الحق في تخريجه، ولولا ما أخذ الله على العلماء من الميثاق على ترك كتمان العلم، لقد كان التشاغل بغير ذلك أولى.
١ - للحديث الذي رواه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا (^١) بإسناده فيما وقع إلى في جوابات مسائل: عن أبي هريرة أن قومًا سألوا النبي -ﷺ- عن شيءٍ من أمر الرب ﵎ فلعنهم (^٢).
_________________
(١) = ونقل أبو الوليد الباجي أن السلطان محمودًا (وهو ابن سبكتكين) سأله عن رسول الله -ﷺ- فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا، فأمر بقتله بالسُّمِّ. وقال ابن حزم: كان يقول: إن روح رسول الله قد بطلت وتلاشت، وما هي في الجنة! ونقل السبكي في طبقاته (٣/ ٥٥) عن الذهبي قوله: إنه مع دينه صاحب فلته وبدعة. انظر: تبين كذب المفتري (ص ٢٣٢ - ٢٣٣)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) السير (١٧/ ٢١٤ - ٢١٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٥٢ - ٥٦). وكتابه المذكور مطبوع باسم "مشكل الحديث وبيانه".
(٢) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر المعروف بغلام الخلال، قال أبو الحسين بن أبي يعلى (ابن المصنف) في طبقاته: وكان أحد أهل الفهم موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة. له المصنفات في العلوم المختلفات: الشافي، المقنع، تفسير القرآن، الخلاف مع الشافعي، كتاب القولينن زاد المسافر، التنبيه وغير ذلك. وقال: وذكر الوالد السعيد في الانتصار لعبد العزيز فقال: كان ذا دين، وأخا ورع، علامة بارعًا في علم مذهب أحمد بن حنبل. قال: وتوفي في شوال لعشر بقين منه، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وتوفي في يوم الجمعة. تاريخ بغداد (١٠/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، طبقات الحنابلة (٢/ ١١٩ - ١٢٧)، السير (١٦/ ١٤٣ - ١٤٥).
(٣) لم أقف عليه.
[ ٤٦ ]
٢ - وبإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- لا تقوم الساعة حتى يكفر بالله جهرة (^١) وذلك عند كلامهم في ربهم. وفي ترك التشاغل بذلك كتمان للعلم لا ينافي. . . (^٢) بين نافي لجميع الصفات وهم القدرية وبين مُثبتٍ لبعضها ونافٍ لبعضها، ونهى النبي -ﷺ- عن الكلام في ذلك محمولٌ على من تكلم بما يُنافي ما ورد به القرآن، وجاءت به الأخبار، كالنصارى الذين وصفوه سبحانه بالجوهر، والمجسمة الذين وصفوه بالجسم، والمُشَبِّهة الذين شبهوا صفاته بصفاته خلقه.
٣ - وقد أنكر أحمد التشبيه، فقال في رواية حنبل: المشبهة تقول: بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقَدَمٌ كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبَّه الله بخلقه.
_________________
(١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا إسماعيل بن يحيى التيمي. قلت: ولم أر من ذكر إسماعيل ولا الذي روى عنه وهو إسحاق بن زبريق اهـ. قلت: وهو ذهول من الهيثمي -﵀-، فإن إسماعيل قد ذكره ابن عدي في الكامل (١/ ٢٩٧) وقال: تحدث عن الثقات بالبواطيل. ثم ساق له سبعة وعشرين حديثًا وقال: وعامة ما يرويه من الحديث بواطيل عن الثقات وعن الضعفاء. اهـ. وقال الذهبي في الميزان (١/ ٢٥٣): مجمع على تركه اهـ. وأما الراوي عنه فقد جاء في هامش المجمع: وأما الراوي عنه إسحاق فهو ابن زبريق وهو إسحاق بن إبراهيم بن العلاء روى عنه البخاري في كتاب الأدب المفرد واختلف في الاحتجاج به. اهـ وأما الراوي عنه فقد جاء في هامش المجمع: وأما الراوي عنه إسحاق فهو ابن زبريق وهو إسحاق بن إبراهيم بن العلاء روى عنه البخاري في كتاب الأدب المفرد واختلف في الاحتجاج به. اهـ وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب. وعزاه الهندي في "كنز العمال" (١/ ٢٣٧) إلى الحاكم في تاريخه.
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمتين، لكن السياق يدل على وقوع أكثر من ذلك.
[ ٤٧ ]
٤ - وقال في رواية يوسف بن موسى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولا يجوز أن يحمل حديث أبي هريرة على ذم مُثبتي الصفات؛ لأنَّ الله سبحانه قد وصَفَ نفسه في كتابه في غير موضع، ووصفه رسوله بالأحاديث الصحاح، وأثبت ذلك سلف هذه الأمة، على ما نبيِّنه، فلم يبق إلا أن يُحمل على ما ذكرنا ممن تكلم فيه بما لم يرد به الشرع. واعلم أنه لا يجوز ردُّ هذه الأخبار، على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى، لا تُشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث، أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين.
٥ - فقال أحمد في رسالة عبدوس بن مالك العطار (^١): يجب الإيمان بالقدر،
_________________
(١) هو عبدوس بن مالك أبو محمد العطار، ذكره ابن المصنف أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٤١) فقال: ذكره أبو بكر الخلال فقال: كانت له عند أبي عبد الله منزلة في هدايا وغير ذلك، وله به أنس شديد، وكان يقدمه، وله أخبار يطول شرحها، وقد روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره، ولم تقع إلينا كلها، مات ولم تتخرج عنه ووقع إلينا منها شيء، أخرجه أبو عبد الله في جماع أبواب السنة، مالو رحل رجلٌ إلى الصين في طلبها لكان قليلًا، أخرجه أبو عبد الله ودفعه إليه. وقد ساق أبو الحسين بعد ذلك ما ذكره عبدوس عن الإمام أحمد مطولًا بسنده فقال: قرأت على المبارك قلت له أخبرك عبد العزيز الأزجي أخبرنا علي بن بشران أخبرنا عثمان=
[ ٤٨ ]
والأحاديث فيه، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نَبَتْ عن الأسماع واستوحش منها المستمع.
٦ - وقال في رواية حنبل (^١): ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعات شنعت.
٧ - وقال في رواية المروذي (^٢): أحاديث الصفات تمر كما جاءت.
٨ - وقال في رواية أبي طالب (^٣) "قلب العبد بين أصبعين"، "وخلق آدم بيده"،
_________________
(١) =المعروف بابن السماك حدثنا الحسن بن عبد الوهاب حدثنا سليمان بن محمد المنقري حدثني عبدوس بن مالك العطار قال: سمعت أبا عبد الله أحمد يقول: أصول السنة عندنا. . .، وفي سنده من لم أجد له ترجمة.
(٢) هو الإمام حنبل بن إسحاق بن حنبل أبو علي الشيباني، ابن عم الإمام أحمد وتلميذه، ولد قبل المئتين، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، حدث عنه الخلال وابن صاعد وعثمان بن السماك، توفي سنة ثلاث وسبعين ومئتين. قال الذهبي: له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرد ويُغرب. (الجرح والتعديل (٣/ ٣٢٠)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦ - ٢٨٧) طبقات الحنابلة (١/ ١٤٣ - ١٤٥)، السير (١٣/ ٥١ - ٥٣).
(٣) هو الإمام القدوة الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المرُّوذي، نزيل بغداد وصاحب الإمام أحمد، قال أبو بكر بن صدقة: ما علمت أحدًا أذبَّ عن دين الله من المروذي. قال الخطيب: هو المقدَّم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به، قال الخلال: سمعت المروذي يقول: كان أبو عبد الله يبعث بي في الحاجة فيقول: قل: ما قلت، فهو على لساني، فأنا قلته. توفي في جمادي الأولى سنة خمس وسبعين ومئتين. (تاريخ بغداد (٤/ ٤٢٣ - ٤٢٥)، طبقات الحنابلة (١/ ٥٦ - ٦٣)، السير (١٣/ ١٧٣ - ١٧٧).
(٤) هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني، صاحب الإمام أحمد، قال ابن أبي يعلى: روى عن أحمد مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه، روى عنه أبو محمد فوزان وزكريا بن يحيى وغيرهما، وذكره الخلال فقال: صحب أحمد قديمًا إلى أن مات، وكان أحمد يكرمه ويقدمه، وكان رجلًا صالحًا فقيرًا صبورًا على الفقر، فعلمه أبو عبد الله مذهب القنوع والاحتراف، ومات قديمًا بالقرب من موت أبي عبد الله، ولم تقع مسائله [إلا] إلى الأحداث. وقال الخطيب: روى عن أحمد مسائل تفرد بها. (طبقات الحنابلة ١/ ٣٩ - ٤٠، تاريخ بغداد ٤/ ١٢٢).
[ ٤٩ ]
وكلما جاء الحديث مثل هذا قلنا به.
٩ - وقال في رواية حنبل في الأحاديث التي تروي "إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا" والله يُرى "وأنه يضع قدمه" وما أشبه بذلك نُؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى! ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما قاله الرسول -ﷺ- حقٌّ إذا كانت بأسانيد صحاح.
١٠ - وقال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول. وقال: المشبهة تقول بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبَّه الله بخلقه.
فقد نصَّ أحمد على القول بظاهر الأخبار من غير تشبيهٍ ولا تأويل.
١١ - وذكر عبد الرحمن بن منده في كتاب الإسلام (^١) فقال أنا يوسف بن محمد السلمي بأصبهان أنا علي بن محمد بن إبراهيم الدمشقي نا عبد الله بن محمد بن جعفر النهاوندي نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله نا أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: وقد رأيت لأهل
_________________
(١) هو الشيخ الإمام عبد الرحمن بن الحافظ محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، كان مسعد بن محمد الزنجاني يقول: حفظ الله الإسلام برجلين أحدهما بأصبهان والآخر بهراة عبد الرحمن بن مندة وعبد الله الأنصاري. وقال ابن السمعاني: كان كبير الشأن جليل القدر كثير السماع واسع الرواية. قال ابن رجب: له تصانيف كثيرة منها: كتاب "حرمة الدين"، وكتاب "الرد على الجهمية" بين فيه بطلان ما روى عن الإمام أحمد في تفسير حديث "خلق الله آدم على صورته" بكلام حسن، وله كتاب "صيام يوم الشك". ولم يذكر عنه كتاب الإسلام. (طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٢، الذيل لابن رجب ١/ ٢٧ - ٣١، السير ١٨/ ٣٤٩ - ٣٥٤). أما شيخه يوسف بن محمد السلمي فلم أعرفه.
[ ٥٠ ]
الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة، يسمون بها أهل السنة، يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم، والوقيعة فيهم، والإزراء بهم عند السفهاء والجهال، أما الجهمية فإنهم يُسَمُّون أهل السنة المشبهة، وكَذَبَ الجهمية أعداء الله، بل هم أولى بالتشبيه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتدي لولا أَنْ هدانا الله، لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق.
١٢ - قال: وأنا سفيان بن محمد بن الحسين نا عمر بن أحمد بن عثمان نا أحمد ابن محمد بن إسماعيل الأدمي نا الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله أحمد ابن حنبل يقول: امتحن إسحق بن إبراهيم القوم مرة مرة، وامتحنني مرتين مرتين فقال لي: ما تقول في القرآن؟ قلت: كلام الله غير مخلوق، فأقامني فأجلسني في ناحية، ثم سألني ثم ردَّني ثانية فسألني، فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوق، فأخذني في التشبيه فقلت: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال: السميع البصير (^١).
١٣ - وذكر الدارقطني في أخبار الصفات بإسناده: عن يحيى بن معين قال شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعًا فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين ونحو هذا، فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرًا يُحدثون هذه الأحاديث
_________________
(١) شيخ ابن منده: سفيان بن محمد، لم أجد له ترجمة، وعمر بن أحمد هو ابن شاهين الحافظ، والأدمي ذكره الخطيب في تاريخه (٤/ ٣٨٩) وقال: وحدثني الخلال أن يوسف القواس ذكره في جملة شيوخه، ونقل عن الدارقطني قوله حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي الشيخ الصالح.
[ ٥١ ]
ولا يفسرون شيئًا (^١).
١٤ - وبإسناده عن أحمد بن نصر قال: سألت سفيان بن عيينة عن حديث عبد الله عن النبي -ﷺ- "إنَّ الله يضع السماوات على إصبع"، وحديث "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن"، وحديث "إن الله يعجب ويضحك" فقال سفيان: هي كما جاءت، نُقرُّ بها، ونحدث بلا كيف (^٢).
١٥ - وذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة بإسناده عن الأوزاعي قال سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمرها على ما جاءت (^٣).
_________________
(١) كتاب الصفات للدارقطني (٥٨) حدثنا محمد بن مخلد حدثنا العباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عدي. . . لكن قال: سليمان بدل مسعر. وسنده صحيح، ابن مخلد هو ابن حفص الحافظ الثقة، مترجم في تاريخ بغداد (٣/ ٣١٠ - ٣١١)، السير (١٥/ ٢٥٦). والتفسير المنفي هنا هو تفسير الكيفية لا المعنى، كما سيأتي في الفقرة (١٧).
(٢) كتاب الصفات للدارقطني (٦٣) حدثنا محمد بن مخلف حدثنا أبو العباس إسحاق بن يعقوب قال سمعت أحمد بن الدورقي يقول حدثني أحمد بن نصر -﵀- قال: سمعت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة، فجعلت ألحُّ عليه في المسألة، فقال: دعني أتنفس، فقلت له: يا أبا محمد، إني أريد أن أسألك عن شيء؟ فقال: لا تسأل، فقلت: لابد من أن أسألك، وإذا لم أسألك، فمن أسال؟ فقال: هات سل، فقلت: كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبي -ﷺ- "إن الله -﷿- يحمل السماوات على إصبع. . . وذكر الأثر". وإسناده صحيح، أحمد بن نصر هو ابن الهيثم الخزاعي ثقة، وإسحاق بن يعقوب هو العطار الأحول وثقه الدارقطني وله ترجمة في تاريخ بغداد (٦/ ٣٧٦ - ٣٧٧). الأثر ذكره الذهبي في العلو (١١٥) فقال: قال أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني أحمد بن نصر. . . فذكره.
(٣) إسناده ضعيف، أخرجه البيهقي في الأسماء (ص ٥٦٩) أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا الحسن بن محمد الداركي ثنا أبو زرعة ثنا أبو مصفى ثنا بقية ثنا الأوزاعي به، بلفظ: امضوا الأحاديث على ما جاءت. وفي سنده أبو المصفى مجهول، كما في التقريب. ويشهد لمعناه آثار كثيرة في الباب.
[ ٥٢ ]
١٦ - وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي ومالكًا وسفيان وليثًا عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا (^١): أمروها بلا كيف (^٢).
١٧ - وذكر أبو محمد الحسن بن محمد الخلال (^٣). فيما خرَّجه من أخبار الصفات قال ذكر علي بن عمر الحافظ يعني الدارقطني ورأيته في كتاب الصفات قال نا محمد بن مخلد قال نا العباس بن محمد الدوري قال سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام وذكر [الباب] (^٤) الذي يروي في الرؤية والكرسي وموضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا ويضع الرب قدمه فيها، وأشباه هذا، فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حقٌّ لا شك فيه، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه، وكيف ضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسرها (^٥).
_________________
(١) في الأصل: فقال وهو خطأ.
(٢) رواه الدارقطني: (٦٧) حدثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن سعد أبو إبراهيم الزهري (وقع في المطبوعة الزبيري وهو خطأ) حدثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد من مسلم به. وإسناده حسن، أحمد بن سعد الزهري ترجمة الخطيب (٤/ ١٨١) قال: وكان مذكورًا بالعلم والفضل موصوفًا بالصلاح والزهد، ونقل عن يحيى بن صاعد توثيقه، وقد تابعه عمر بن مدرك عند الآجري في الشريعة (ص ٣١٤) ومحمد بن بشر بن مطر عند البيهقي في الأسماء (ص ٥٦٩).
(٣) هو الإمام الحافظ محدث العراق، أبو محمد الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن علي، البغدادي الخلّال، أخو الحسين. قال الخطيب كتبنا عنه، وكان ثقةً له معرفة وتنبه، وخرّج "المسند" على الصحيحين وجمع أبوابًا وتراجم كثيرة، ومات في جمادي الأولى سنة تسع وثلاثين وأربع مئة. (تاريخ بغداد ٧/ ٤٢٥، السير ١٧/ ٥٩٣ - ٥٩٥).
(٤) زيادة من الدارقطني.
(٥) "الصفات" للدارقطني (٥٧) وفيه زيادات يسيرة على ما ذكره المصنف، وإسناده صحيح.
[ ٥٣ ]
١٨ - وقال زكريا بن عدي لوكيع: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا، فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعرًا يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون (^١).
١٩ - وذكر أبو جعفر محمد بن جرير بن الطبري (^٢) في كتاب "التبصير في معالم الدين" بعد أوراق من أوله القول فيما أدرك عمله من صفحات الصانع خبرًا لا إستدلالًا، وذكر كلامًا إلى أن قال: وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
وأن له يمينًا بقوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وأن له وجهًا بقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له قدمًا بقول النبي -ﷺ- "حتى يَضَع الربُّ فيها قَدمَه، يعني جهنم" وأنه يضحك
_________________
(١) تقدم برقم (١١).
(٢) الإمام العلم المجتهد، عالم العصر أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة من أهل آمُل طبرستان. قال الذهبي: كان ثقة صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علّامة في التاريخ وأيام الناس عارفًا بالقراءات وباللغة وغير ذلك. ومن كتبه التي أتمها: "التفسير" و"التاريخ" "وتاريخ الرجال"، و"لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام"، و"القراءات والتنزيل والعدد"، و"اختلاف علماء الأمصار"، و"الخفيف في أحكام شرائع الإسلام"، و"التبصير" وهو رسالة إلى أهل طبرستان، وغيرها كثير، مات سنة عشر وثلاث مئة ودفن ببغداد -﵀- تعالى. (تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢ - ١٦٩، السير ١٤/ ٢٦٧). أما عن رسالة "التبصير" فهناك نسخة بمكتبة الأسكوريال ١٥١٤/ ٦ (من ق ٨١ - ١٠٤) باسم "تبصير أولي النهى ومعالم الهدى" لعلها هي، انظر تاريخ التراث لفؤاد سزكين (١/ ٢ ص ١٦٨).
[ ٥٤ ]
إلى عبده المؤمن بقول النبي -ﷺ- للذي قتل في سبيل الله "إنه لقي الله وهو يضحك إليه" وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله بذلك. وأنه ليس بأعور بقول النبي -ﷺ- للذي قتل في سبيل الله "إنه لقي الله وهو يضحك إليه" وأنه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا بخبر رسول الله بذلك. وأنه ليس بأعور بقول النبي -ﷺ-: إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر" بقول النبي -ﷺ- ذلك. وأن له إصبعًا بقول النبي -ﷺ-: "ما من قلبٍ إلا وهو بين إصبعين من أَصابعِ الرحمن" بأن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله تعالى نفسه أو وصفه بها رسوله، مما لا يُدرك حقيقة علمه بالفكر والرويَّة، لا نكفر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه.
ثم ذكر بعد ذلك بأوراق (^١): فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق، كيف كُتب، وكيف تثلي، وفي أي موضع قُرئ، في السماء وُجد أم في الأرض حُفِظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نُقش أو في ورق خُط أو باللسان لفظ، فمن قال غير ذلك أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو فى السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا، أو نكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد ذلك بقلبه أو أضمره في نفسه وقاله بلسانه، فهو بالله كافر،
_________________
(١) من هناك إلى آخر كلامه موجود في كتابه "صريح السنة" (ص ١٨ - ١٩) ورواه عنه اللالكائي (٢/ ١٨٣ - ١٨٤، ٣٥٩ - ٣٦٠).
[ ٥٥ ]
حلالُ الدم وبرئ من الله، والله منه برئ.
ثم قال بعد ذلك: فمن ردَّ علينا أو حكى عنَّا أو تقوّل علينا وادَّعى أنَّا قلنا غير ذلك فعليه لعنة الله وغضبه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، ولا قبل الله له صرفًا ولا عدلًا، وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
فهذا كلام ابن جرير وهو ممن يُشار إليه، ويُعول عليه.
٢٠ - وذكر إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد الختلي (^١) في كتاب العظمة بإسناده عن أبي عمر والبصري واسمه سهل بن هرون قال: كان أول من خَرَّج هذه الأحاديث أحاديث الرؤية وجمعها من البصريين: حماد بن سلمة، فقال له بعض إخوانه: يا أبا سلمة، لقد سبقت إخوانك بجمع هذه الأحاديث في الوصف، قال سمعت حماد بن سلمة يقول: إنه والله ما دعتني نفسي إلى إخراج ذلك، إلا أني رأيت العلم يخرج، رأيت العلم يخرج، رأيت العلم يخرج، يقولها ثلاثًا وهو ينفض كفه، فأحببت إحياءه وبثُّه في العامة، لئلا يَطمع في خرجه (^٢) أهل الأهواء.
٢١ - وبإسناده عن وكيع بن الجراح قال وذكر الأحاديث التي فيها الإثبات في الصفة والرؤية، ثم قال لنا: بخراسان جهمية، إذا أنكروا هذه الأحاديث
_________________
(١) هو إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد أبو إسحاق المعروف بالختلي، صاحب كتب الزهد والرقائق، بغدادي سكن سرمن رأى وحدث بها. قال الخطيب: وكان ثقة. (تاريخ الخطيب ٦/ ١٢٠).
(٢) كذا في الأصل ولعل الصواب: خروجه.
[ ٥٦ ]
عليكم فقولوا: هكذا سمعنا مشيختنا يقولون.
٢٢ - وأخرج إليَّ أبو القاسم عبد الكريم (^١) مقالة السلف في "أخبار الصفات". فروى بإسناده قال: ذكر أحمد بن علي الأبار أن عبد الله بن طاهر قال لإسحق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي تُحدِّث بها: أنَّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، والله يصعد ويتحرك؟ قال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟ قال: نعم، قال: فلم تنكر (^٢)؟!
_________________
(١) هو الإمام الزاهد القدوة أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري، الخراساني النيسابوري الشافعي الصوفي المفسر. قال القاضي ابن خلكان: "كان أبو القاسم علامةً في الفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والشعر والكتابة، صنَّف "التفسير الكبير" وهو من أجود التفاسير، وصنّف "الرسالة" في رجال الطريقة، وحجَّ مع الإمام أبي محمد الجويني والحافظ أبي بكر البيهقي، وسمعوا ببغداد والحجاز. قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة كان حسن الوعظ مليح الإشارة، يعرف الأصول على مذهب الأشعري! والفروع على مذهب الشافعي. توفي سنة خمس وستين وأربع مئة. (تاريخ بغداد ١١/ ٨٣، وفيات الأعيان ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٨، السير ١٨/ ٢٢٧ - ٢٣٣).
(٢) أخرج اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (٣/ ٤٥٢) أخبرنا أحمد بن محمد قال أخبرنا عمر بن أحمد ثنا أحمد بن خلف قال: ذكر أحمد بن علي الأبار أن عبد الله بن طاهر. فذكره. . . وأخرج القصة أبو عثمان الصابوني في "عقيدة السلف" (٤٤) قال: وسمعت الحاكم أبا عبد الله -﵀- يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم -يعني ابن راهويه- فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟ قال: نعم، فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب! أتزعم أن الله ينزل كل ليلةٍ؟ قال نعم، قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال له الرجل: أثبته فوق، فقال له إسحاق: قال الله -﷿- ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، فقال الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب! هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن =
[ ٥٧ ]
٢٣ - وبإسناده عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي كيف ينزل؟ فقل له: كيف صعد؟ (^١).
٢٤ - وبإسناده عن أبي محمد البلخي قال: قال: الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي: أنا كافر بربٍّ ينزل؟ فقل له: أنا مؤمن برب يفعل ما يشاء (^٢).
٢٥ - وبإسناده عن عباد بن العوام قال: قدِم علينا شريك بواسط فقلنا له: إن عندنا قومٌ يُنكرون هذه الأحاديث: الصفات، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث، من جاءنا بالسُّنَن عن رسول الله -ﷺ- الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله بهذه الأحاديث.
٢٦ - وبإسناده عن مطرف بن عبد الله يقول سمعت مالك بن أنس يقول إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله -ﷺ- وولاة الأمر بعده سننًا (^٣) الأخذ بها إتباعًا لكتاب
_________________
(١) = يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وإسنادها صحيح، الرباطي من رجال الصحيحين، وإبراهيم بن أبي طالب هو أبو إسحاق النيسابوري من أئمة المحدثين (السير ١٣/ ٥٤٧ - ٥٥٢)، والعنبري ثقة، السير (١٥/ ٥٣٣). وأخرج القصة مختصرة السرّاج عن إسحاق بن راهويه كما في "اجتماع الجيوش" لابن القيم (ص ٨٨ - ٩٨). وأخرجها البيهقي في الأسماء (٤٥١ - ٤٥٣).
(٢) عزاه ابن القيم في "اجتماع الجيوش" (ص ٨٩) إلى الإبانة" لابن بطة.
(٣) أخرجه اللالكائي (٣/ ٤٥٢) قال: وأخبرنا أحمد قال أخبرنا عمر قال ثنا أحمد بن الحسين قال ثنا أحمد بن علي الأبار قال قال ثنا أبو محمد ح البلخي فذكره. وذكر البخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ٢٤).
(٤) أخرجه عبد الله في "السنة" (١/ ٥٠٨) والآجري في الشريعة (ص ٣٠٦) عن أبي معمر القطيعي نا عباد به، وسنده صحيح. وأخرجه عبد الله في السنة (١/ ٥٠٩) والدارقطني في =
[ ٥٨ ]
الله، واستكمالًا لطاعة الله، وقوة على دين الله سبحانه، ليس لأحد مِنَ الخلق تفسيرها، ولا النَّظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مُهتدي، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا (^١).
٢٧ - وبإسناده عن عبد الرحمن بن عمر قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي وذكر عنده الجهمية يَنْفُون أحاديث الصفات اليد والرجل ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء. قال عبد الرحمن بن مهدي: قد هلك قومٌ من هذا الوجه يعني من وجه التعظيم، قالوا: الله أعظم من أنْ يُنزِّل كتابًا، أو يُرسل رسولًا، ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [لأنعام: ٩١] ثم قال: فهل هلكت المجوس إلا من جهة التعظيم، قالوا: الله أعظم من أن نعبده، ولكن نعبد من هو أقرب إلينا، فعبدوا الشمس وسجدوا لها، فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
_________________
(١) = "الصفات" (٦٥) والبيهقي في الأسماء (ص ٤٥١) عن محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا أسلم بن قادم حدثنا موسى بن داود قال: قال عباد بن العوام: قدم علينا شريك بن عبد الله فقلنا له: إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث "إن الله -﷿- ينزل إلى سماء الدنيا" و"إن أهل الجنة يرون ربهم" فحدثني شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا، وقال: أما نحن فأخذنا ديننا عن أبناء التابعين عن أصحاب رسول الله -ﷺ-، فهم عمّن أخذوه؟! وفيه: أسلم بن قادم (ووقع عند الدارقطني: مسلم) لم أجد له ترجمة.
(٢) صحيح، أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٣٠٧) حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي حدثنا الحسن بن علي الحلواني سمعت مطرف بن عبد الله سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده الزائغون في الدين - يقول: قال عمر بن العزيز فذكره. وإسناده صحيح، مطرف هو ابن أخت مالك، ثقة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٨٦) إلى ابن أبي حاتم.
[ ٥٩ ]
أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] هذا الكلام أو نحوه (^١).
٢٨ - وبإسناده عن إسحق بن أحمد الفارسي سمعت أبا زرعة يقول: هذه الأحاديث متواترة عن رسول الله، أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف.
٢٩ - وبإسناده عن حماد بن سلمة قال من رأيتموه ينكر هذه الأحاديث فاتهموه على الدين.
٣٠ - وبإسناده عن عبد الله بن المبارك أنه سأله رجل عن هذه الأحاديث الصفات فقال: تمر كما جاءت بلا كيف.
٣١ - وبإسناده عن أسود بن سالم قال في أحاديث الصفات: أحلف عليها بالطلاق والمشي أنها حق (^٢).
٣٢ - وبإسناده عن زكريا بن عدي أنه سأل وكيعًا يا أبا سفين هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات والرؤية ونحو ذلك فقال وكيع: أدركنا أسمعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعر يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا منها (^٣).
٣٣ - وقال وكيع: سلِّم هذه الأحاديث التي في الصفات كما جاءت ولا تقول
_________________
(١) لم أجد من خرَّجه.
(٢) صحيح، أخرجه الآجري في الشريعة (ص ٢٥٤) حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال حدثنا عبد الوهاب الوراق قال قلت للأسود بن سالم: هذه الآثار التي تروي معاني النظر إلى الله -﷿- ونحوها من الأخبار؟ فقال نحلف عليها بالطلاق والمشي. قال عبد الوهاب: معناه: نصدق بها. رجاله ثقات، الواسطي ثقة مترجم في تاريخ بغداد (١٠/ ١٠٥)، والوراق هو ابن عبد الحكم ثقة (التهذيب)، والأسود ثقة (تاريخ بغداد ٧/ ٣٥).
(٣) تقدم برقم (١١).
[ ٦٠ ]
كيف كذا ولا مثل كذا! مثل حديث ابن مسعود "إن الله يجعل السماوات على إصبع والجبال على إصبع" و"قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" ونحو هذه الأحاديث نمرها كما جاءت بلا كيف (^١).
٣٤ - وبإسناده: قيل لابن عيينة هذه الأحاديث التي تُروى في الصفات فقال: حق على ما سمعناها ممن نثق به ونرضاه، نمرها كما جاءت بلا كيف (^٢).
٣٥ - وقال أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة فجعلت أُلحُّ عليه في المسئلة وهو يأبى، فقلت لابد أن أسألك، إذا لم أسألك فمن أسأل؟ فقال: هات، فقلت: كيف حديث عبد الله عن النبي -ﷺ- "إن الله يحمل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع" وحديث "إن قلب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" وحديث "إن الله يعجب ويغضب ويضحك" وأشباه ذلك فقال سفيان: هي كما جاءت نؤمن بها ونُحدِّث بها كما جاءت بلا كيف ولا توقف (^٣).
٣٦ - وبإسناده عن أبي معمر الهذلي (^٤): من زعم أن الله تعالى لا يتكلم ولا يبصر ولا يسمع ولا يعجب ولا يضحك ولا يغضب، وذكر أحاديث الصفات فهو كافر بالله، ومن رأيتموه على بئر واقف فألقوه فيها.
_________________
(١) أخرجه الإمام عبد الله في السنة (١/ ٤٩٥) حدثني أحمد بن إبراهيم سمعت وكيعًا يقول. . . وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الإمام عبد الله في السنة (١/ ٤٢٤) والآجري في "الشريعة" (ص ٢٥٤) والدارقطني الصفات (٥٩) كلهم عن محمد بن سليمان قال: قيل لابن عيينه. . . وذكره الذهبي في العلو.
(٣) تقدم برقم (١٢).
(٤) رواه عبد الله في السنة (١/ ٥٣٥) قال سمعت أبا معمر فذكره. وأبو معمر هو إسماعيل بن إبراهيم بن معمر الهذلي القطيعي الهروي، من الثقات الأثبات ومن رجال الصحيحين.
[ ٦١ ]
٣٧ - وبإسناده عن يزيد بن هارون: من كذَّب بأحاديث الصفات فهو بريء من الله، والله منه بريء.
٣٨ - وبإسناده قال: قال حماد بن زيد: مَثَلُ الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال: نعم، قيل: فلها خوص؟ قال: لا، قيل: فلها سعف؟ قال: لا قيل: فلها كرب؟ قال: لا، قيل: فلها جذع؟ قال: لا، قيل: فلها أصل؟ قال: لا، قيل: فلا نخلة في دارك.
هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا، قيل: فله يد؟ قالوا: لا قيل: فله قدم؟ قالوا: لا، قيل: له إصبع؟ قالوا: لا، قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا، قيل: فلا رب لكم (^١).
وإذا تتبع كلام أصحاب الحديث في هذا، وجد فيه ما يطول شرحه. فإن قبل: فقد رُوي عن أحمد وغيره ما يدل على التفسير.
فقال أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار (^٢): ومن السُّنَّة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ولم يؤمن بها، لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله، فقد كُفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان والتسليم.
٣٩ - قالوا فقول أحمد: ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأُحْكِم له، معناه: قد كفاه ذلك أهل العلم، وأحكموا له علمه، فدلَّ على التفسير.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٥). وكلام أحمد موجود فيما رواه ابن المصنف عنه في طبقاته (١/ ٢٤١) في الصفحة المذكورة.
[ ٦٢ ]
٤٠ - وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما في قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. (ن: ٤٢) المراد به الشِّدة، وهذا تأويل منهم (^١).
_________________
(١) روى هذا الأثر عن ابن عباس من عدة طرق، بعضها ثابت ولا يدل على نفي الصفة كما سيأتي وهاك تفصيلها:
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) والحاكم (٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٥) كلهم عن عبد الله بن المبارك أنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله ﵎ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه من الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر: اصبر عناق إنه شر باق … قد سن قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة. وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٤) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. قال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في الفتح (١٣/ ٤٢٨)، وهو كما قال.
(٣) وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦) عن المغيرة عن إبراهيم بن ابن عباس "يوم يكشف عن ساق" قال: عن أمر عظيم كقول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق. وفيه مغيرة بن مقسم الضبي، ثقة متقن إلا أنه يدلس ولا سيما عن إبراهيم، ولذا ضعف حديثه عنه أحمد كما في التهذيب (١٠/ ٢٧٠). وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٤) إلى الفريابي وسعيد من منصور وابن منده.
(٤) وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) والبيهقي في الأسماء (٣٤٦) قال حدثني محمد بن سعد ثني أبي ثني عمي ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله "يوم يكشف عن ساق" يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه. وسنده تالف.
(٥) وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦) عن علي عن ابن عباس قوله "يوم يكشف عن ساق" هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة". وعلي هو ابن أبي طلحة حمل أحمد والبخاري روايته على السماع من ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٤) إلى ابن أبي حاتم.
(٦) وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) عن ابن جريج عن مجاهد قول "يوم يكشف عن ساق" قال: شدّة الأمر وجده، قال: ابن عباس هي أشدّ ساعة في يوم القيامة. =
[ ٦٣ ]
٤١ - وروي عن الأوزاعي أنه سُئل عن قوله "ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا" فقال: يفعل الله ما يشاء.
فقد تأول ذلك على أنه فعل من أفعال الله، يظهر منه بقدرته.
قيل أما قول أحمد قد كفى ذلك معناه: قد كفي طلب التأويل والبحث عنه، وقوله وأحكم له معناه: أحكمت له الكفاية في ترك البحث وطلب التأويل، ويبين صحة هذا ما قاله بعد ذلك فعليه: الإيمان والتسليم، والإيمان والتسليم لا يكون مع التأويل.
وأما ما رُوي عن ابن عباس في تأويل الساق فقد خالفه ابن مسعود (^١)
_________________
(١) = وعزاه السيوطي في الدر (٨/ ٢٥٤) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده.
(٢) وأخرج ابن جرير (٢٩/ ٢٤) عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله "يوم يكشف عن ساق قال: شدة الأمر، قال ابن عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة، وفي لفظ: هي أشد ساعة. . . وإسناده صحيح.
(٣) وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤) حدثت عن الحسين سمعت أبا معاذ يقول ثنا عبيد سمعت الضحاك يقول في قوله (يوم يكشف عن ساق). وكان ابن عباس يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: شمّرت الحرب عن ساق، يعني الله: إقبال الآخرة وذهاب الدنيا. وفيه جهالة شيخ الطبري.
(٤) وأخرجه البيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦) عن سفيان بن عيينه عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ (يوم يكشف عن ساق) يريد القيامة والساعة لشدتها. وسنده حسن.
(٥) حديث ابن مسعود أخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٤ - ٢٥) قال حدثنا محمد بن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل قال ثنا أبو الزهراء عن عبد الله قال: يتمثل الله للخلق يوم القيامة حتى يمرَّ المسلمون، قال فيقول: من تعبدون فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئًا فينتهرهم مرتين أو ثلاثًا، فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف إلينا عرفناه، قال: فعند ذلك يكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن إلا خرَّ لله ساجدًا ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد فيقولون ربنا، فيقول: قد كنتم تُدعون إلى السجود وأنتم سالمون. فيه أبو الزهراء، أورده ابن أبي حاتم في كتابه (٩/ ٣٧٥) فقال: أبو الزهراء خادم أنس بن =
[ ٦٤ ]
وحمل الساق على أنه صفة، ويمكن أن يحمل قول ابن عباس على أن حَدَّ الساق في اللغة: الشَّدَّة، فحكى قول أهل اللغة في ذلك، لا أنه قصد حَدَّه في الشرع (^١).
وأما قول الأوزاعي يفعل الله ما يشاء، فلا يجوز أن يحمل هذا من قوله على أنه قصد بذلك أن النزول من صفات الفعل، لأنه لم يصرح به، وعلى أنّا قد حكينا عن جماعة من السلف خلاف ذلك (^٢).
* * *
_________________
(١) = مالك، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وأخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٥) من وجه آخر وفيه: "فيكشف عما شاء الله أن يكشف قال فيخرون سجدًا. . ." وفيه شريك النخعي، وقد ساء حفظه، وشيخ ابن جرير يحيى بن طلحة اليربوعي، لين الحديث، لكنه يتقوي بما أخرجه ابن جرير (٢٩/ ٢٥) عن الأعمش عن المنهال عن قيس بن سكن عن عبد الله مطولًا. وإسناده صحيح. قلت: والحديث أصله في الصحيحين فقد أخرجه البخاري (٨/ ٦٦٣ - ٦٦٤) (١٣/ ٤٢١) ومسلم (١/ ١٦٨) عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي -ﷺ- يقول: ". . . يكشف ربنا عن ساقه فيسجدُ له كلُّ مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا. . ." واللفظ للبخاري. وأخرجه مسلم (٤/ ٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ". . . قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق".
(٢) وعلى كل حال، فلا يُقدم قول الصحابي على قول الرسول -ﷺ-، وتحمل مخالفة الصحابي للحديث المرفوع على عدم العلم به، لما عهد عنهم من التمسك بسنن المصطفى -ﷺ-.
(٣) بل هو من صفات الفعل على الصحيح كما أشار إليه الأوزاعي، ويجب علينا الإيمان به والتسليم له.
[ ٦٥ ]