يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلِّين" اهـ.
وكان من أولئك الأئمة الذين نشروا العقيدة السلفية الناصعة وحاربوا الأهواء الفاسدة الكاسدة الإمام حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب الإمام أحمد وتلميذه، فألَّف هذا الاعتقاد العظيم مودعًا فيه ما أجمع عليه سلف الأمة وما اتفقت عليه الأئمة في أصول الدين.
وقد أورد الإمام حرب الكرماني هذا الاعتقاد ضمن كتابه: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" تحت عنوان: باب القول بالمذهب، الذي ذكرَ فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، مأخوذة عن أئمة الإسلام كالإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم من علماء أهل العراق والحجاز والشام.
فهذا الباب يعد بمثابة حكاية إجماع السلف لِمَا يجب أن يعتقده المرء
[ ١١ ]
ويدين به.
وقد أثنى العلماء على ما صنعه حرب الكرماني من إيراد هذا الباب الجامع لمجمل اعتقاد السلف -﵏- ونقلوا عنه وارتضوه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية (^١).
يقول ابن القيم -﵀-: "ونحن نحكي إجماعهم كما حكاه حرب (^٢)، صاحب الإمام أحمد بلفظه.
ثم بعد أن نقل جملة كبيرة مما ذكره حرب، قال: "قلت: حرب هذا صاحب أحمد وإسحاق، وله عنهما مسائل جليلة، وأخذ عن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي وهذه الطبقة، وقد حكى هذه المذاهب عنهم، واتفاقهم عليها، ومن تأمل المنقول عن هؤلاء وأضعاف أضعافهم من أئمة السنة والحديث، وجده مطابقًا لِمَا نقله حرب (^٣) ".
_________________
(١) انظر درء التعارض (١/ ٢٤٩)، وشرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥١ - ٥٢)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٣، ٥٧٧)، ومنهاج السنة (٧/ ٢٤٤)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٩)، ودرء التعارض (٢/ ٧)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٢٠)، والاستقامة (١/ ٧٣)، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ١٧٦)، وحادي الأرواح له (٢/ ٨٢٦ - ٨٤٢) فقد نقل جملة كبيرة منه، والدرر السنية (١/ ٣٤٥ - ٣٥٥).
(٢) لذا سميته "إجماع السلف في الاعتقاد كما حكاه الإمام حرب بن إسماعيل الكرماني".
(٣) حادي الأرواح (٢/ ٨٤٣).
[ ١٢ ]
ويقول -﵀- في نونيته "الكافية الشافية":
وانظر إلى حرب وإجماع حكى للَّه درّك من فتى كرمان (^١)
ويجدر أن ننبه على أمر مهم، وهو أن "باب القول بالمذهب" وما جاء فيه من حكاية اعتقاد السلف، جاء أيضًا منسوبًا إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو ما يعرف برسالة أحمد بن جعفر الاصطخري عن الإمام أحمد، وقد روى هذه العقيدة كاملة ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" عند ترجمة الاصطخري.
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية عدم صحة نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد فقال: "وليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها، فإني تأملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة، برجال مجاهيل، والألفاظ هي ألفاظ حرب بن إسماعيل، لا ألفاظ الإمام أحمد، ولم يذكرها المعنيون بجمع كلام الإمام أحمد، كأبي بكر الخلال في كتاب السنة وغيره من العراقيين العالمين بكتاب أحمد، ولا رواها المعروفون بنقل كلام الإمام لاسيما مثل هذه الرسالة الكبيرة وإن كانت راجت على كثير من المتأخرين" (^٢).
وقد أنكر الحافظ الذهبي أيضًا نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد (^٣).
_________________
(١) الكافية الشافية (ص ١١٦).
(٢) الاستقامة (١/ ٧٣).
(٣) انظر السير (١١/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، وتاريخ الإسلام حوادث ووفيات (٢٤١ - ٢٥٠) (ص ١٣٦).
[ ١٣ ]
فهذا كله يدل على صحة نسبة هذه العقيدة إلى الإمام حرب بن إسماعيل الكرماني (^١).
فرأيت أن إخراجها وتحقيقها وضبط ألفاظها خدمةٌ عظيمة للسنة.
وأتقدم بالشكر بعد شكر الله تعالى لكل من أبدى لي مساعدة في إخراج هذه العقيدة على هذا النحو.
سائلًا المولى ﷿ أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب أبو همام أسعد بن فتحي الزعتري
١٣ شوال ١٤٢٨ هـ
المدينة النبوية
_________________
(١) أيضًا مما يدل على نسبة هذه العقيدة للإمام حرب ما جاء في أولها: "قال أبو القاسم: حدثنا أبو محمد حرب بن إسماعيل قال: هذا مذهب أئمة العلم. . .".
[ ١٤ ]