١ قصد الاتعاظ والاعتبار من غير حاجة.
٢ قصد الاطلاع والمشاهدة.
حكم الزيارة وإنشاء السير لديار المعذبين بالأبدان؛ لقصد الاتعاظ والاعتبار من غير حاجة:
دلَّت الأحاديث الصحيحة على أن آثار الأمم الهالكة ومواضع العذاب لا يمكث فيها، ولا تُدخل إلا أن تكون في طريق، وأن الدخول لديار المعذبين، والمكث فيها منهي عنه لغير حاجة، ولو لقصد الاعتبار (^١)، ومن الأدلة الدالة على النهي ما يلي:
١ عن ابن عمر ﵄ قال: لما كان النبي ﷺ في طريقه لغزوة تبوك، مرّ بالحجر، واستقى الصحابة ﵃ من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهرقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
وقال ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أَصَابَهُمْ» (^٢)، ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا (^٣)، وفي رواية: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» (^٤)، وفي رواية: ثم ارتحل حتى نزل في الموضع الذي كانت تشرب منه الناقة (^٥).
_________________
(١) شرح العمدة في الفقه، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجر (٦/ ٧/ ح ٤٤١٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٤/ ١٤٩/ ح ٣٣٨١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (٨/ ٢٢٠ - ٢٢١ / ح ٢٩٨٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قول الله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ (٦/ ٨١/ ح ٤٧٠٢).
(٥) صحيح ابن حبان (١٤/ ٨٣/ ح ٦٢٠٣).
[ ٢٣٤ ]
فنهى ﷺ عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب (^١)، وكذلك وجود الحاجة للمرور وقد ورد به النص.
وفي روايات أخرى: قال ﷺ: «إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» (^٢)، وقال ﷺ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا فَيُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصَابَهُمْ» (^٣)، وجاء في بعض الروايات أنه ﷺ قنع رأسه، وأسرع السير، حتى اجتاز الوادي (^٤)، فالروايات تفسر بعضها بعضًا.
فدل الحديث والروايات السابقة على منع قصدها بالدخول لورود النهي (^٥)، والنهي يقتضي التحريم (^٦)، ومما يدل على أن المنع للتحريم لا للكراهة؛ نهي النبي ﷺ والتشديد على المارين من غير خوف وحذر، والتغليظ عليهم بأن يصيبهم ما أصاب القوم (^٧).
يقول الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: وليس المراد أن يصيبكم العذاب الرجز الحسي، فقد يراد به العذاب والرجز المعنوي، وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر، ويتولى عن الأمر (^٨).
وقد يقع الرجز والعذاب الحسي كما هو ظاهر الحديث وكما فسَّره بعض
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٥/ ٣٢٤).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عمر ﵄ (٣/ ١٢٧٦/ ح ٦٠٩٢)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين يُنظر: مسند الإمام أحمد (١٠/ ١٩٢/ ح ٥٩٨٤) تحقيق: شعيب الأرنؤوط وصاحباه.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ رحل من أرض ثمود كراهية الانتفاع بمائها (١٤/ ٨٣/ ح ٦٢٠٣)، صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٩/ ٤٤ - ٤٥/ ٦١٧٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب المغازي، باب نزول النبي ﷺ الحجر (٦/ ٧/ ح ٤٤١٩).
(٥) يُنظر: فتح الباري، لابن رجب (٣/ ٢٣٧).
(٦) يُنظر: شرح مختصر الروضة، لأبي الربيع الصرصري (٢/ ٣٧٠ - ٣٧٣).
(٧) يُنظر: شرح العمدة في الفقه، لابن تيمية (١/ ٥١٠)، أحكام الآثار في الفقه، لعبد الله الرميح (٢/ ٥٥٦).
(٨) يُنظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣١٦).
[ ٢٣٥ ]
العلماء (^١)، ولا تعارض في الجمع بين العذاب الحسي والمعنوي إذ الإصابة بالعذاب المعنوي يتبعه العذاب الحسي، سواء في الدنيا أو في الآخرة نسأل الله السلامة والعافية.
وأما من مرّ بهم غير قاصدٍ ديار المعذبين، فله أن يسلك طريقه بالعبور مسرعًا؛ باكيًا أو متباكيًا، خاشعًا خائفًا معتبرًا متعظًا، متذكرًا حالة الدنيا، وتقلبها بأهلها، وينظر عاقبة الأمم السابقة رُغم قوتهم إلا أنهم أُهلكوا بعذاب شديد قضى عليهم؛ وذلك بسبب كفرهم، وتكذيبهم، وطغيانهم (^٢).
٢ جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ: «أَمَرَهُمْ أَنْ يُهَرِيقُوا ما اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» (^٣)، وجاء في رواية: «ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهُ النَّاقَةُ …» (^٤).
قول ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ: «ثم ارتحل» يدل على أنه ﷺ نزل قريبًا من ديار المعذبين ومساكنهم، فلما رآهم يستقون من آبارها، نهاهم عن ذلك، ثم ارتحل إلى بئر الناقة، فالنبي ﷺ كان على الطريق بجوارها (^٥)،
_________________
(١) يُنظر: شرح السُّنَّة، للبغوي (١٤/ ٣٦٢)، المفاتيح في شرح المصابيح، للمُظْهِري (٥/ ٢٥٩)، وكذلك جاء عن الشيخ ابن عثيمين في موضع آخر الجمع بينهما. يُنظر: شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (٤/ ٥٧٨).
(٢) يُنظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين (٧/ ٣١٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٤/ ١٤٩/ ح ٣٣٧٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين. (٨/ ٢٢١/ ح ٢٩٨١) واللفظ لمسلم. بئر الناقة: هي الآن مجهولة. كما علّق بذلك السفاريني على شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر بئر الناقة وورود الحجاج عليها في زمنه قائلًا: هي الآن مجهولة، فقد سألت عنها لما مررنا بها في ذهابنا وإيابنا سنة حجنا، وهي سنة ١١٤٨ هـ فلم يخبرني بها أحد. يُنظر: شرح ثلاثيات الإمام أحمد (١/ ٥٢).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن المصطفى ﷺ رحل من أرض ثمود كراهية الانتفاع بمائها (١٤/ ٨٣/ ح ٦٢٠٣)، صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٩/ ٤٤ - ٤٥/ ٦١٧٠).
(٥) يُنظر: تحذير الموحدين من تتبع آثار المشركين، لسعيد العمر (٥٤ - ٥٥).
[ ٢٣٦ ]
ولم ينزل في ديار ثمود ألبته (^١).
ومن جملة ما قاله العلماء تعليقًا على حديث رسول الله ﷺ لما مرّ بديار ثمود، ونهيه ﷺ للصحابة ﵃ من دخول ديار المعذبين، منها ما يلي:
قال النووي ﵀ (ت: ٦٧٦ هـ): فينبغي للمارّ في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء، والاعتبار بهم وبمصارعهم، وأن يستعيذ بالله من ذلك (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): نهى النبي ﷺ عن الدخول إلى مساكن المعذبين عمومًا، فإذا كان رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصًا، ونهى عن الدخول إليها خصوصًا، وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون وأصحابه ﵃ مع أن الأصل في النهي التحريم والفساد، لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه.
لا سيما والنهي هنا كان مؤكدًا، ولهذا لما عجنوا دقيقهم بماء آل ثمود أمرهم أن يعلفوه النواضح، ولا يطعموه، فأي تحريم أبين من هذا!
قوم مجاهدون في سبيل الله، في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة، وهي غزوة تبوك، التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ، وخرجوا في شدة من العيش، وقلة من المال، ومع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي أعز أطعمتهم عندهم، فلو كان إلى الإباحة سبيل، لكان أولئك القوم أحق الناس بالإباحة فعُلم أن النهي عن الدخول والاستقاء كان نهي تحريم (^٣).
وقال أيضًا ﵀: فإذا كان المكث في مواقع العذاب والدخول إليها لغير حاجة منهي عنه، فالصلاة بها أولى، ولا يقال فقد استثنى ما إذ كان الرجل باكيًا؛ لأن هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط فأما المكث بها، والمقام والصلاة، فلم يُؤذن فيه، بدليل حديث علي ﵁ (^٤) ولأن مواضع السخط
_________________
(١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٣٠).
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج، للنووي (٩/ ٣٦٣).
(٣) يُنظر: شرح العمدة في الفقه، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٥١٠).
(٤) عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ ﵁، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ مَرَّ بِبَابِلَ وَهُوَ يَسِيرُ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَلَمَّا بَرَزَ مِنْهَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: إِنَّ حِبِّي ﷺ نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (١/ ١٨٢/ ح ٤٩٠)، والبيهقي في سننه الكبير، كتاب الصلاة، باب من كره الصلاة في موضع الخسف والعذاب (٢/ ٤٥١ ح/ ٤٤٣٥)، درجة الحديث: في إسناده ضعف، ومجمع على ضعفه، يُنظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: (٥/ ٢٠٣)، فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب: (٢/ ٤٣٢)، عون المعبود شرح سنن أبي داود: (١/ ١٨٣)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري: (٤/ ١٨٩)، تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: (١/ ٢٨٠).
[ ٢٣٧ ]
والعذاب قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها وصارت الأرض ملعونة (^١).
قال ابن قيّم الجوزية ﵀ (ت: ٧٥١ هـ): أن من مرّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها؛ بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها (^٢).
قال ابن حجر العسقلاني ﵀ (ت: ٨٥٢ هـ): وفي الحديث الحث على المراقبة والزجر عن السكنى في ديار المعذبين والإسراع عند المرور بها (^٣).
فإذا وافق المسلم في طريق سفره ديار المعذبين ولم يُنشاء السير إليها، ودون أن يقصدها، فتجاوزها بسرعة وخوف ووجل، وعظة وعبرة وبكاء، ففي هذه الحالة فإن فعله موافق لما جاء عن النبي ﷺ صورةً وقصدًا، ولا يعتبر ممن أحيا آثار الأمم الهالكة.
وأما الذي يقصد آثار المعذبين وديارهم بالزيارة، وينشاء السير أو يشد الرحال إليها، أو يدعو إلى تهيئتها للسياحة هو الذي يعدّ صورة من صور الإحياء الممنوعة شرعًا.
ومن الجدير بالتنبيه أن مواقع العذاب كلها داخلة في هذا التوجيه النبوي، كما علّق الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ على حديث مرور النبي من الحِجْر وهو في طريقه لغزوة تبوك قائلًا: وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم وإن كان السبب ورد فيهم (^٤).
_________________
(١) شرح العمدة في الفقه، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٠٨).
(٢) زاد المعاد، لابن القيم (٣/ ٤٨٨).
(٣) فتح الباري، لابن حجر (١/ ٥٣١).
(٤) المرجع السابق (٦/ ٣٨٠).
[ ٢٣٨ ]
وعلى هذا فإن آثار الأمم الهالكة ومواضع العذاب لا تُدخل زيارة، ولا يُنشاء السير إليها بالأبدان إلا أن تكون في طريق، وإن قصد ديار المعذبين لغير حاجة، منهي عنه، حتى لو كان الزائر يقصدها ويُنشاء السير لها للاعتبار والاتعاظ، ولو كان ذلك مشروعًا لأمر به النبي ﷺ كما أمر بزيارة القبور؛ للتذكير بالآخرة، ولم يقل يومًا لأمته زوروا مواضع هلاك عاد وثمود وغيرهم من المعذبين.
حكم إنشاء السير بالأبدان لديار المعذبين لقصد الاطلاع والمشاهدة:
الفاحص لأقوال الأئمة يجدهم متفقين على تحريم دخول ديار المعذبين وقصدها بالزيارة للاطلاع والمشاهدة (^١)؛ لثبوت الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفًا فيمن صادف ديار المعذبين في طريقه مارًا بها ولم يقصدها، فضلًا عن زيارتها وإنشاء السير لها؛ لقصد المشاهدة والاطلاع، فهو داخلٌ في النهي من باب أولى، وكذلك من جملة تلك الأدلة الدالة على النهي:
١ قال ﷺ: «عَلَامَ تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ غَضِبَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِمْ؟!»
فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ، رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا، وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللهَ ﷿ لا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا» (^٢).
_________________
(١) يُنظر: حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، لأحمد الطحطاوي الحنفي (٣٥٧)، مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، للحطاب الرُّعيني المالكي (١/ ٥٠ - ٥١)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لشهاب الدين النفراوي المالكي (١/ ١٢٣)، المجموع شرح المهذب، للنووي الشافعي (١/ ٩١ - ٩٢)، المغني، لابن قدامة المقدسي الحنبلي (١/ ٤٠٧)، شرح العمدة في الفقه، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٥٠٨)، أبحاث كبار العلماء في المملكة العربية السعودية (٣/ ٦٩).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند الشاميين ﵃، حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ (٧/ ٤٠٧٩/ ح ١٨٣١٤ - ١٨٣١٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب المغازي، ما حفظ أبو بكر في غزوة تبوك (٢٠/ ٥٥٢/ ح ٣٨١٦٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ في دخول المواضع التي قد غضب الله ﷿ على أهلها من نهي ومن إباحة (٩/ ٣٦٢/ ح ٣٧٤١)، والطبراني في الكبير مسند من يعرف بالكنى، أبو كبشة الأنماري (٢٢/ ٣٤٠/ ح ٨٥١ - ٨٥٢)، فهذا الحديث روي من طريق محمد بن أبي كبشة الأنماري أنمار غطفان عن أبي كبشة المذحجي، قال ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٤): إسناده حسن ولم يخرجوه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٠ - ٢٩١): رواه الطبراني وأحمد بأسانيد أحدها حسن.
[ ٢٣٩ ]
وهذا يدل على أن أناسًا يأتون بعد النبي ﷺ لا يدفعون عن أنفسهم العذاب؛ لمخالفتهم الصفة التي أرشد الله إليها الرسول ﷺ عند المرور من مساكن المعذبين، حيث جعلوا مساكنهم ساحات للهو والغفلة والمتعة والأكل والشرب، ولم يتعظوا من حال أهل الديار التي هم فيها يسيحون (^١).
٢ قال النبي ﷺ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ» (^٢).
الشاهد من الحديث «ومبتغ في الإسلام سُنَّة الجاهلية»: والمقصود بها: كل جاهلية مطلقة كانت أو مقيدة (^٣).
وجه الاستدلال: أن إحياء ديار الأمم المعذبة بالزيارة، والإشادة بآثارها وتعظيمها، كل ذلك إن لم يكن القصد منه عبادتها، كان من ابتغاء سُنَّة جاهلية في الإسلام، فكان صاحبه من أبغض الناس عند الله تعالى (^٤).
والزائرون لمواضع الهلاك على خطر عظيم؛ لأن الزائر إذا دخل على ديار المعذبين؛ للمشاهدة والسياحة والنزهة قلبه يكون قاسيًا غير خاشع أثناء مشاهدته لآثار العذاب، وحينئذٍ يصيبه دون أن يشعر ما أصابهم من التكذيب والتولي (^٥).
وإن الذين يذهبون إلى ديار المعذبين ويقصدونها؛ للفرجة، والتنزه، ويبقون فيها أوقاتًا طويلة ينظرون في آثارهم القديمة، مخالفون لهدي
_________________
(١) يُنظر: أحكام السياحة وآثارها، لهاشم ناقور (٢٣٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب من طلب دم امرئ بغير حق (٩/ ٦/ ح ٦٨٨٢).
(٣) يُنظر: فضل الإسلام، لمحمد بن عبد الوهاب (٦).
(٤) يُنظر: الآثار والمشاهد، لعبد العزيز الجفير (١٩٤)، أحكام الزيارة في الفقه الإسلامي، لمحمد عبد الرحيم (٤٢٠).
(٥) يُنظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين (٧/ ٣١٥).
[ ٢٤٠ ]
رسول الله ﷺ وسُنَّته، وفعلهم معصية؛ لأن النبي ﷺ لما مرّ بهذه الديار أسرع وقنع رأسه ﷺ حتى جاوز الوادي وقطع، وخرج من ذلك الموضع، تحذيرًا من أن يدخل المسلم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم والذين أهلكهم الله في هذه الأرض خوفًا أن يصيب الإنسان ما أصابهم من عذاب الله إما بكفره بالله ﷿ حتى يستحق هذا العذاب، وإما بعقوبة يعاقب بها، وإن لم يكفر (^١).
وأما الآيات التي جاء فيها الأمر بالنظر في آثار الأمم الهالكة والتفكّر في مآلها؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ *﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ *﴾ [الروم].
فليس المراد منها إنشاء السير بالأبدان إلى ديار المعذبين؛ لأن هذا المراد معارض لقول النبي ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُول ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (^٢).
فالاستدلال الصحيح المراد به في هذه الآيات أنّ:
١ الخطاب في الآيات موجه للمكذبين من كفار قريش الذين سبق وأن رأوا من قبل ديار المعذبين، الذين أهلكهم الله ﷻ، في سفر سابق، كما جاء في تفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^٣):
أ قال في تفسير الآية التي في سورة فاطر: أولم يسر يا محمد هؤلاء المشركون بالله في الأرض التي أهلكنا أهلها بكفرهم بنا وتكذيبهم
_________________
(١) المفاتيح في شرح المصابيح، للمُظْهِري (٥/ ٢٥٩)، شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين (٤/ ٥٧٨) بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (٢/ ٦٠/ ح ١١٨٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٤/ ١٢٦/ ح ١٣٩٧).
(٣) هذه الآية وردت في ثلاث مواضع من القرآن في سورة: الروم: (٩)، فاطر (٤٤)، غافر (٢١).
[ ٢٤١ ]
رسلنا، فإنهم تجار يسلكون طريق الشام ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] (^١).
ب وقال في تفسير الآية التي في سورة الروم: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالله، الغافلون عن الآخرة من قريش في البلاد التي يسلكونها تُجّارًا، فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة، كيف كان عاقبة أمرها في تكذيبها رسلها (^٢).
ج وقال في تفسير الآية التي في سورة غافر: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون في آيات الله من مشركي قومك في البلاد، فإنهم أهل سفر إلى الشأم واليمن رحلتهم في الشتاء والصيف فينظروا فيما وطئوا من البلاد إلى وقائعنا بمن أوقعنا به من الأمم قبلهم، ويروا ما أحللنا بهم من بأسنا بتكذيبهم رسلنا، وجحودهم آياتنا، كيف كان عقبى تكذيبهم (^٣).
٢ الأمر في الآيات موجه للكفار والمشركين، بدلالة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ *أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *﴾ [الروم].
ومما يثبت أن الخطاب موجه للكفار، أن النبي ﷺ أمر المسلمين بالسرعة في تجاوز المساكن؛ إذ لو كان الخطاب للمسلمين لم ينههم ﷺ عن دخولها (^٤).
٣ على تقدير أن المخاطب بالسير في الأرض، والنظر إليها، هم
_________________
(١) جامع البيان (١٩/ ٣٩٥).
(٢) المرجع السابق (١٨/ ٤٦٥).
(٣) المرجع السابق (٢٠/ ٣٧١).
(٤) يُنظر: الآثار والمشاهد، لعبد العزيز الجفير (١٩٣).
[ ٢٤٢ ]
المسلمون فيكون معناه: السير بالعقول والأذهان، لا بالأبدان، وبهما تتحقق الغاية والمطلوب، كما قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [الروم: ٩]، ببصائرهم وقلوبهم (^١).
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماعهم أخبار الماضين (^٢).
فقرر الحافظ ابن كثير ﵀ أن عاقبة الأمم السابقة تُرى بعين البصيرة لا عين البصر.
والذي يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ *﴾ [الحج].
ومما ينبغي على النساء التنبه له، إضافةً إلى التحريم العام السابق، أن زيارة ديار المعذبين التي يوجد فيها قبور، تحرم عليهن؛ للأحاديث الثابتة الواردة في لعن النبي ﷺ لزائرات القبور (^٣)، وهو تحريم مطلق لزيارة النساء للقبور (^٤)، وغيرها من الأمور المحرمة المتعلقة بهن مما يؤكد المنع في حقهن.
* خلاصة ما سبق:
لا يجوز قصد زيارة مواضع الهلاك، ولا إنشاء السير لها بالأبدان.
وأن قصد زيارتها والدخول لها بحجة الاتعاظ والاعتبار غير مشروع؛ لأن الصورة الموافقة لفعل رسولنا الكريم ﷺ وقصده، أنه عندما خرج لغزوة تبوك ومرّ بديار ثمود، تقنّع وأمر بالإسراع، والمرور، فقصده ﷺ كان متجهًا لغزوة تبوك.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٤/ ٩).
(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٦/ ٣٠٥).
(٣) كما سيأتي بيان المسألة بالأدلة، انتقل فضلًا (٣١٠).
(٤) يُنظر: كشف السُّتور في نهي النساء عن زيارة القبور، لحماد الأنصاري (٤٧).
[ ٢٤٣ ]
وكذلك لم يأمر ﷺ بزيارتها لقصد الاتعاظ أو الدخول إليها للاعتبار وإنما نهى ﷺ عن دخولها وحذّر، فالاتعاظ والاعتبار هو المنهج النبوي لمن جاءت في طريقه كما سبق بيان ذلك بالتفصيل.