الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في ملكه أبدًا، فسبحان الذي أنزل على عبده الكتاب، وجعله تبصرةً وَذكرى لأولي الألباب، وكشف نقاب الحق عن وجه اليقين بدلائل آياته، ونصب على منصته أعلام الهداية ليحق الحق بكلماته، حتى انقطعت دون محجته حجج أقوام بظواهر شبهِها يتظاهرون، وهم ﴿يريدونَ لِيُطْفئِوا نورَ الله بأفواهِهِم ويَأبَى الله إلاَّ أَنْ يُتِمَّ نورَه ولو كَرِه الكافرون﴾ والصلاة والسلام على مَن سفرت معجزات نبوّته بأَحسنِ المطالع، وظهرت شعائر شريعته، فنسختْ معالِمَ الأديانِ والشرائع، أرسله مولاه بالهدى ودين الحق ليظهرَه على الدين كله، وأيده بمحكم كتابٍ أعجزَ البلغاءَ عن أنْ يأتوا بسورة من مثلِه سيدنا محمد الذي
[ ١ / ٣ ]
بشَّر بظهوره التوراةُ والإنجيل، وتحققت بوجوده دعوة أبيه إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وعلى آله، الفائزين باتباع شريعته، السالكين منهج الإصابة في اقتفاء طريقته، وصحبه الذين وصل الله بالإسلام بينهم، حتى صاروا أشدّاء على الكفار رحماء بينهم.
[ ١ / ٤ ]
(أما بعد) فيقول العبدُ الراجي إلى رحمة ربه المنان، رحمة الله بن خليل الرحمن، غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه: أن الدولة الإنكليزية لما تسلطت على مملكة الهند تسلطًا قويًا، وبسطوا بساط الأمن والانتظام بسطًا مرضيًا، ومن ابتداء سلطنتهم إلى ثلاث وأربعين سنة، ما ظهرت الدعوة من علمائهم إلى مذهبهم، وبعدها أخذوا في الدعوة وكانوا يتدرجون فيها، حتى ألفوا الرسائل والكتب في رد أهل الإسلام، وقسموها في الأمصار بين العوام، وشرعوا في الوعظ في الأسواق، ومجامع الناس، وشوارع العامة وكان عوام أهل الإسلام إلى مدة متنفرين عن استماع وعظهم ومطالعة رسائلهم، فلم يلتفت أحد من علماء الهند إلى رد تلك الرسائل، لكن تطرق الوهن بعد مدة، في نفور بعض العوام، وحصل خوف مزلة أقدام بعض الجهال الذين هم كالأنعام، فعند ذلك توجه بعض علماء أهل الإسلام إلى ردهم، وإني وإن كنت منزويًا في زاوية الخمول، وما كنت معدودًا في زمرة العلماء الفحول، ولم أكن أهلًا لهذا الخَطبْ العظيم الشأن، لكني لما اطلعت على تقريراتهم، وتحريراتهم، ووصلت إليَّ رسائل
[ ١ / ٥ ]
كثيرة من مؤلفاتهم، استحسنت أن أجتهد أيضًا، بقدر الوَسع والإمكان، فألفت أولًا الكتب والرسائل، ليظهر الحال على أولي الألباب، واستدعيت ثانيًا من القسيس الذي كان بارعًا وأعلى كعبًا من العلماء المسيحية الذين كانوا في الهند مشتغلين بالطعن والجرح على الملة الإسلامية، تحريرًا وتقريرًا، أعني مؤلف (ميزان الحق) أن يقع بيني وبينه مناظرة، في المجلس العام، ليتضح حق الاتضاح أن عدم توجه العلماء الإسلامية ليس لعجزهم عن رد رسائل القسيسين كما هو مزعوم بعض المسيحيين، فتقررت المناظرة في المسائل الخمس التي هي أمهات المسائل المتنازعة بين المسيحيين والمسلمين أعني: التحريف والنسخ، والتثليث، وحقية
القرآن، ونبوّة
[ ١ / ٦ ]
محمد ﷺ؛ فانعقد المجلس العام في شهر رجب سنة ألف ومائتين وسبعين من هجرة سيد الأولين والآخرين ﷺ في بلدة أكْبَر أبادْ.
وكان بعض الأحباء المكرَّم أطال الله بقاءه، معينًا لي في هذا المجلس، وكان بعض القسيسين معينًا للقسيس الموصوف، فظهرت الغلبة لنا بفضل الله في مسألتي النسخ والتحريف اللتين كانتا من أدق المسائل وأقدمها في زعم القسيس، كما تدل عليه عبارته في كتاب حل الإشكال، فلما رأى ذلك سَدَّ باب المناظرة في المسائل الثلاث الباقية. ثم وقع لي الاتفاق أن وصلت إلى مكة شرفها الله تعالى وحضرت عتبة الأستاذ العلامة والنحرير الفهامة، عين العلم والدراية، ينبوع الحكم والرواية، شمس الأدباء، تاج البلغاء، مقدام المحققين، سند المدققين، إمام المحدثين، قدوة الفقهاء والمتكلمين، فلذة كبد البتول، سمي الرسول المقبول، سيدي وسندي ومولاي السيد أحمد بن زيني دحلان، أدام الله فيضه إلى يوم القيام، فأمرني أن أترجم باللسان
[ ١ / ٧ ]
العربي هذه المباحث الخمسة من الكتب التي ألفت في هذا الباب، لأنها كانت إما بلسان الفرس، وإما بلسان مسلمي الهند.
وكان سبب تأليفي في هذين اللسانين أن اللسان الأول مألوف المسلمين في تلك المملكة، واللسان الثاني لسانهم، وأن القسيسين الواعظين المقيمين في تلك المملكة ماهرون في اللسان الثاني يقينًا، وواقفون على اللسان الأول أيضًا قليلًا، سيما القسيس الذي ناظرني فإنه كانت مهارته في الأول أشد من الثاني، ورأيت إطاعة أمر مولاي بمنزلة الواجب، وشمرت عن ساق الجد لامتثال أمره فأرجو ممن سلك مسلك الإنصاف، وتنكب عن طريق الاعتساف، أن يستر خطآتي، ويجر قلم الإصلاح على هفواتي، وأسأل الله الميسر لكل صعاب أن يمن عليَّ بما يرشدني إلى الحق والصواب، ويجعل هذا الكتاب مقبولًا لدى الأنام، منتفعًا به الخاص والعام، ويصونه عن شبهات المبطلين، وأوهام المنكرين، وهو الولي للتوفيق، وبيده أزمة التحقيق، وهو على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وسميته (إظهار الحق) ورتبته على مقدمة وستة أبواب.
[ ١ / ٨ ]