يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا بقى ثلث الليل لما صح في الحديث.
فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتنزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا (^١) حين يبقى ثلث الليل الأخر فيقول من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فاغفر له" (^٢)
وروى الحديث من طرق أخرى في بعضها: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه" (^٣).
وفي بعضها: "إذا مضى ثلث الليل الأول إلى أن يضيء الفجر" (^٤)
ويرى أن هذا النزول فعل يفعله ﵎ في السماء الدنيا من الفتح لقبول الدعاء، وأن تلك الساعة من مظان القبول والإِجابة والمغفرة للمجتهدين والمستغفرين، والتائبين.
وهذا معهود في اللغة تقول نزل فلان عن حقه بمعنى وهبه لي وتطول به علي.
_________________
(١) في صحيح مسلم "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا" ١: ٥٢١).
(٢) المحلى لابن حزم (١: ٣٧، ٣٨)، وانظر صحيح الإِمام مسلم (١: ٥٢١)، التمهيد لابن عبد البر (٧: ١٢٨).
(٣) المحلى (١: ٣٨).
(٤) المحلى (١: ٣٨)، وانظر صحيح الإِمام مسلم (١: ٥٢٢).
[ ٣٥٦ ]
وحيث إن هذا الفعل متعلق بزمان حيث حدده ﷺ بوقت محدود فهو فعل محدث في ذلك الوقت مفعول حينئذ فهو صفة فعل لا صفة ذات فليس هذا الفعل نزولا حقيقيا لأن الذي لم يزل ليس متعلقا بزمان البتة.
وقد بين الرسول ﷺ في بعض ألفاظ الحديث المذكور ما ذلك الفعل وهو أنه ذكر ﵊ أن الله يأمر ملكا ينادي في ذلك الوقت بذلك.
ويؤيد أن نزول الله تعالى فعل يفعله ليس نزولا حقيقيا، اختلاف ثلث الليل في البلاد باختلاف المطالع والمغارب يعلم ذلك ضرورة من بحث عنه فصح ضرورة أنه فعل يفعله ربنا تعالى في ذلك الوقت لأهل كل أفق من قبول الدعاء في هذه الأوقات لا حركة ونقلة لأنهما من صفات المخلوقين حاشى الله تعالى منهما.
ويبطل جعل النزول نقلة، أن النقلة لا تكون إلا للأجسام ولو انتقل تعالى لكان محدودا مخلوقا مؤلفا شاغلا لمكان وهذه صفة المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقد حمد الله إبراهيم خليله ورسوله ﷺ إذ بين لقومه بنقلة الكوكب أنه ليس ربا فقال: "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" (^١) إذ كل منتقل عن مكانه فهو آفل عنه، تعالى الله عن هذا.
ورأى أبي محمد في المجىء الوارد في قوله تعالى: "وجاء ربك والملك صفا صفا" (^٢) والإتيان الوارد في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
_________________
(١) سورة الأنعام: آية (٧٦).
(٢) سورة الفجر: آية (٢٢).
[ ٣٥٧ ]
تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (^١) كرأيه في النزول فكل ذلك عنده فعل يفعله الله تعالى في ذلك اليوم أو الوقت المحدد يسمى ذلك الفعل مجيئا وإتيانا ونزولا.
ويروى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "وجاء ربك" إنما معناه وجاء أمر ربك. (^٢)
مذهب ابن حزم الذي بينا في نزول الله تعالى ومجيئه وإتيانه مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويقرون بأن ما وصف الله به نفسه فهو حق يعرفون معناه فلا يشبهونه بما يعلمون من مخلوقاته لعلمهم أنه ليس كمثله شيء في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته وأفعاله وينزهونه عن كل ما أوجب النقص أو الحدوث لاستحقاقه ﷾ الكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقه العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث ولوجوب وجوده بنفسه ﷾.
وهناك شبه منعت ابن حزم من جعل النزول على معناه الحقيقي فلجأ إلى تأويله، بما ذكر من أنه فعل يفعله سبحانه من الفتح لقبول الدعاء. وهذا المسلك تأويل يخالف مذهبه الأخذ بظواهر النصوص كما يدعى.
والشبه هي:
الأولى: أن الرسول ﷺ قد حدد النزول بزمان فهو محدث، والذي لم يزل ليس متعلقا بزمان.
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢١٠).
(٢) انظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم (٢: ١٧٢، ١٧٣)، المحلى له (١: ٣٧، ٣٩).
[ ٣٥٨ ]
الثانية: اختلاف ثلث الليل بالنسبة للمواضع على ظهر الأرض، وعلى هذا فيلزم أن يكون الله تعالى دائما نازلا، لأن الثلث مستمر طيلة أربع وعشرين ساعة بالنسبة لجزء من العالم نظرا لاختلاف المطالع والمغارب.
الثالثة: أن في النزول الحقيقي نقلة والنقلة من خصائص الأجسام فيلزمها لوازم تمتنع في حق الله تعالى.
الرابعة: نقل تفسير مجىء الله تعالى بمجىء أمره عمن يوثق به من علماء السلف وهو أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وسنجيب بحول الله تعالى وقوته على هذه الشبه ليتم القول بأن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كما في الحديث ويجىء ويأتي لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة وأن ذلك من صفاته حقيقة على ما يليق بجلاله وكماله.