يذهب أبو محمد بن حزم إلى أن لله ﵎ مائية هي أنيته (^٣) نفسها، إذ نفى المائية نفي للذات والحقيقة، ويجاب السائل عن مائية الله تعالى: بأنه حق واحد أول خالق لا يشبه شيئًا من خلقه لذا كان جواب موسى ﵇ حين سأله فرعون: "وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين" (^٤). جوابًا صحيحًا تامًا، ولا جواب لهذا السؤال حتى في علم الله تعالى غيره، لأن الله ﵎ حمده عليه وصدقه فيه، ويستحيل أن يصدقه ويحمده على جواب غير
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص ٢٢١.
(٢) المائية: هي الماهية قلبت الهمزة هاء لئلا يشتبه بالمصدر المأخوذ من لفظ "ما" وماهية الشيء: ما به الشيء هو هو. والماهية من حيث هي هي. لا موجودة ولا معدومة، ولا كلي ولا جزئي، ولا خاص ولا عام. وهي نسبة إلى "ما" أو إلى "ما هو" وهو الأظهر. جعلت الكلمتان كالكلمة الواحدة. انظر التعريفات للجرجاني ص ١٧١. والفصل لابن حزم جـ ٢ ص ١٧٤. والتفسير الكبير للرازي جـ ٢٤ ص ١٢٨.
(٣) أنية الشيء وجوده فقط. والسؤال عنها بهل. انظر الفصل جـ ٢ ص ١٧٤ وشرح الأصفهانية ص ١٧. والتعريفات للجرجاني ص ٣١.
(٤) سورة الشعراء الآيتان (٢٣، ٢٤).
[ ١٨٥ ]
صحيح (^١).
هذا المذهب الذي ذهب إليه ابن حزم في ماهية الله تعالى: مذهب صحيح موافق لما ذهب إليه أئمة السنة والجماعة من السلف والخلف (^٢).
يقول ابن تيمية: "وإذا كان المخلوق المعين، وجوده الذي في الخارج هو نفس ذاته وحقيقته وماهيته التي في الخارج، ليس في الخارج شيئان فالخالق تعالى أولى أن تكون حقيقته هي وجوده الثابت الذي لا يشركه فيه أحد وهو نفس ماهيته التي هي حقيقته الثابتة في نفس الأمر" (^٣).
فإثبات الماهية لله تعالى إثبات وجود لا إثبات كيفية لأن الكيف بالنسبة لله تعالى وصفاته غير معلوم لأحد فلا يحاط به سبحانه كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٤) وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (^٥) أي لا تحيط به (^٦).
وأما عن قول ابن حزم: "إنه لا جواب لسؤال فرعون إلا ما أجاب به موسى حتى في علم الله تعالى" (^٧).
فنقول: سؤال فرعون عن الحقيقة، وجواب موسى ﵇ كان بالفاعلية والمؤثرية.
_________________
(١) انظر الفصل جـ ٢ ص ١٧٤.
(٢) انظر الرسالة في الجواب عمن يقول إنَّ صفات الرب نسب وإضافات لابن تيمية ضمن جامع الرسائل المجموعة الأولى ص ١٧٣. والفرق بين الفرق ص ٢١٤. والملل والنحل ص ٩٠، ٩١.
(٣) درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية جـ ١ ص ٢٩٣. وانظر نقض المنطق له ص ٦٠. والتوحيد للماتريدي ص ١٠٧. والتفسير الكبير للرازي جـ ١٢ ص ١٧٣. وشرح المواقف ص ٣٧.
(٤) سورة طه آية (١١٠).
(٥) سورة الأنعام آية (١٠٣).
(٦) انظر حادي الأرواح لابن القيم ص ٢٢٨ - ٢٣٠.
(٧) الفصل جـ ٢ ص ١٧٤.
[ ١٨٦ ]
نفي الجواب لهذا السؤال مطلقًا حتى في علم الله تعالى إلا ما أجاب به موسى ﵇ ليس على إطلاقه.
أما في علم الله تعالى فهو أعلم بحقيقة نفسه، ولا شك بأن له حقيقة هو أعلم بها لا نعلمها.
وأما فيما بيننا فلا جواب إلا ما أجاب به موسى.
وبيان ذلك زيادة على ما ذكر ابن حزم من تصديق الله تعالى له. أن السؤال "بما" طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بتلك الحقيقة نفسها، أو بجزء من أجزائها، أو بشيء خارج عنها، أو بما يتركب من الداخل والخارج.
أما تعريف حقيقة الشيء بنفسها فمحال، لأن تعريف الشيء بنفسه لم يفد زيادة على ما هو معلوم فهو تكرار لا تعريف، إذ يلزم أن يكون الشيء معلومًا قبل أن يكون معلومًا وهو محال.
وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فمستحيل ذلك في حق واجب الوجود لأن التعريف بذلك لا يتم إلا إذا كان المعرف مركبًا من أجزاء ويستحيل أن يكون الله تعالى بحاجة إلى غيره أو إلى شيء خارج عن ذاته، ويستحيل لهذا أيضًا التعريف بالأجزاء بالنسبة لواجب الوجود، لأنه ﵎ فرد صمد غني عما سواه. ولما بطل التعريف بتلك الأقسام، ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره واللوازم قد تكون خفية وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لابد من تعريفها باللوازم الجلية وهو ما أجاب به موسى ﵇ فرعون. (^١).
فإن قيل: وهل جواب موسى ﵇ لفرعون هو ما سأل عنه؟
_________________
(١) انظر التفسير الكبير للرازي جـ ٢٤ ص ١٢٨، ١٢٩.
[ ١٨٧ ]
قلنا: سؤال فرعون من حيث هو سؤال عن الماهية الاعتبارية (^١). فهو يطلب معرفة الماهية وخصوصية الحقيقة وموسى ﵇ أجابه بالفاعلية والمؤثرية وهي لا تفيد الحقيقة المسئول عنها. ولما رأى موسى استنكار فرعون لجوابه تعجبًا من هذا الجواب، كرر الجواب موسى ﵇ بما هو أظهر ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٢) فقال فرعون عند هذا ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (^٣) فهو لا يفهم السؤال فضلًا عن أن يجيب عنه، فكرر الجواب موسى بما هو أوضح من سابقه بقوله ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٤) أي إن كنت من العقلاء، عرفت أنه لا جواب لهذا السؤال من أحد من العالم بالنسبة لله تعالى إلا هذا الجواب لأن حقيقة الباري ﷾ من حيث هي هي غير معقولة للعالم بل المعقول لهم لوازمه وآثاره سبحانه وهي حقائق ظاهرة تدل بعظمها على أن الفاعل لها فرد صمد قوى قاهر لا يعجزه شيء ولا يحيط به أحد من خلقه تعالى وتقدس. (^٥).