مذهب ابن حزم في القرآن أنه كلام الله ﷿ على الحقيقة بلا مجاز نزل به جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ
_________________
(١) انظر المعتمد في أصول الدين ص (٧٣). والإبانة لأبي الحسن الأشعري ص (٤٢).
(٢) انظر فتاوى ابن تيمية (١٦: ٣٨١، ٣٨٢) ومدارج السالكين لابن القيم (٧١: ١).
[ ٢٥١ ]
الْمُنْذِرِينَ﴾ (^١).
ويرى أن القران، وكلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء:
١ - الصوت المسموع يسمى قرآنا حقيقة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ (^٣). وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٤) وصدق مؤمني الجن في قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (^٥). فصح بهذا أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القران حقيقة وهو كلام الله تعالى. والصوت هو الهواء المندفع من الصدر والحلق والحنك واللسان والأسنان، والشفتين إلى آذان السامعين بحروف الهجاء. وحروف الهجاء والهواء كل ذلك مخلوق. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (^٦). وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٧). واللسان العربي ولسان كل قوم كل ذلك مخلوق بلاشك.
٢ - المفهوم من صوت القارىء يسمى قرآنًا وكلام الله على الحقيقة والمعبر عنه في القران كله مخلوق حاشا الله تعالى وتقدس خالق
_________________
(١) سورة الشعراء: الآيان (١٩٣، ١٩٤).
(٢) سورة التوبة: آية (٦).
(٣) سوة البقرة: آية (٧٥).
(٤) سورة المزمل: آية (٢٠).
(٥) سورة الجن: الآيتان (١، ٢).
(٦) سورة إبراهيم: آية (٤)
(٧) سورة الشعراء: آية (١٩٥).
[ ٢٥٢ ]
كل ما دونه.
٣ - المصحف كله يسمى قرآنًا وكلام الله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^١). وقد نهى الرسول ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (^٢). فقد سمى رسول الله ﷺ المصحف قرآنا إذ نهى أن يسافر به إلى أرض الحرب لئلا يناله العدو.
أما الورق، والمداد المكون منه المصحف وحركة اليد في خطه فكل ذلك مخلوق.
٤ - والمستقر في الصدور يسمى قرآنًا لقوله ﷺ: إذ أمر بتعاهد القرآن فقال: "إنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها" (^٣). وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (^٤).
واستقرار القرآن في الصدور عرض والأعراض مخلوقة، وعيسى ﵇ هو كلمة الله تعالى وهو مخلوق، قال تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الواقعة: الآيتان (٧٧، ٧٨).
(٢) انظر صحيح البخاري (٢: ١١٤)، وصحيح مسلم (٣: ١٤٩٠، ١٤٩١)، وسنن أبي دواد (٣: ٣٦)، وشنن ابن ماجه (٢: ٩٦١) وموطأ مالك (٢: ٤٤٦) ومسند الإمام أحمد (٢: ٦، ٧، ١٠، ٥٥، ٦٣، ٧٦، ١٢٨).
(٣) انظر صحيح البخاري (٣: ١٦٦). وصحيح الإمام مسلم (١: ٥٤٤). وسنن الترمذي (٥: ١٩٣). وسنن الدارمي (٢: ٣٠٨، ٣٠٩، ٤٣٩).
(٤) سورة العنكبوت: آية (٤٩).
(٥) سورة آل عمران: آية (٤٥).
[ ٢٥٣ ]
٥ - وعلم الله تعالى لم يزل وهو كلامه غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى برهان ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (^٢).
يقول ابن حزم:
ولما كان اسم القرآن يقع على هذه المعاني الخمسة وقوعًا مستويًا صحيحًا ويعبر عن كل معنى بأنه قرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة كما ذكرنا منها أربعة مخلوقة كما بينا ذلك وأوحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول إن القرآن مخلوق، ولا أن كلام الله مخلوق، لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه، مما يقع عليه اسم قرآن، واسم كلام الله ﷿ ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن وكلام الله لا خالق له ولا مخلوق، لأن الأربع مسميات منه ليست خالقة، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق، . فلا يجوز إطلاق اسم خالق على القرآن أو كلام الله، إذ لا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل (^٣).
ويرى ابن حزم بأن لله تعالى كلامًا، وأنه كلم موسى، ومن كلم من الأنبياء والملائكة ﵈ تكليمًا حقيقة لا مجازًا بكلام مسموع بالآذان معلوم بالقلوب بخلاف القول فإنه يكون بوسيطة مكلم غير الله تعالى.
_________________
(١) سورة الشورى: آية (١٤).
(٢) سورة الأنعام: آية (١١٥).
(٣) انظر الفصل (٣: ٧ - ١٠) والمحلى (١: ١٥، ١٦، ٣٩، ٤٠).
[ ٢٥٤ ]
ويتناقض عند القول بأن الله تعالى "متكلم".
ففي الفصل والمُحلى، ينفي أن يقال بأن الله تعالى متكلم لأنه تعالى لم يسم بذلك نفسه يقول تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^١) ويقول: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (^٢). ويقول: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (^٣). فهذا ما سمى الله تعالى به نفسه (^٤).
وفي كتاب الأصول والفروع يثبت أن الله لم يزل متكلمًا، وأن الكلام لا يكون إلا من متكلم يقول: "وكلام الله تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه لأنه لم يزل متكلمًا كما أن قدرته لا تبين منه لأن الكلام لا يكون إلا من متكلم، ولا تكون القدرة إلا من قدير .. ويقول: "والله ﷿ لم يزل متكلمًا ليس لكلامه أول ولا آخر (^٥).
تبين لنا من عرض مذهب ابن حزم في كلام الله تعالى أنه قريب من مذهب السلف حيث قال: إن القرآن هو كلام الله تعالى على الحقيقة بلا مجاز ويعبر به عن خمسة أشياء، الصوت المسموع، والمفهوم من الصوت، والمصحف كله، والمستقر في الصدور وعلم الله وهو كلامه. وبين اشتمال الأربعة الأولى على ما هو مخلوق مما هو من صفات العباد، وهو بهذا موافق لمذهب السلف فهم لا يقولون بأن ما هو من أفعال العباد غير مخلوق. ولكنهم لا يطلقون الحكم
_________________
(١) سورة النساء: آية (١٦٤).
(٢) سورة الأعراف: آية (١٤٤).
(٣) سورة البقرة: آية (٢٥٣).
(٤) انظر الفصل (٣: ٨، ٩، ١٣) والمحلى (١: ٤٣، ٤٤).
(٥) الأصول والفروع (٢: ٣٩٥، ٣٩٦).
[ ٢٥٥ ]
جزافًا لما في النفي والإثبات من الاجمال، وكل ما ذكر ابن حزم عند التفصيل أنه مخلوق فالسلف لا يخالفونه فيه. ولكنهم لا يقولون كقوله بأن أربعة الأشياء التي يعبر بالقرآن عنها مخلوقه بل يفصلون فما كان فعلًا للعبد فمخلوق وما ليس بفعل له فغير مخلوق.
ويخالفون ابن حزم في قوله، إن القرآن ليس غير الله، وهذا ما قد تعرضنا له عند الكلام على اتصاف الله بالصفات (^١)، ويخالفونه في قوله إن الله ليس متكلمًا. ويوافقهم في قوله الأخر "إنه لم يزل متكلمًا".
وسأقرر المذهب الذي أرى أنه الصواب في كلام الله تعالى ليتضح ما قلت عن مذهب ابن حزم في كلام الله من نقاط الاتفاق والاختلاف بكلام مختصر عن مسماه، واتصاف الله به ثم بيان كون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه المتلو والمسموع والمكتوب في المصاحف، وبيان ما يضاف إلى العباد من القراءة والكتابة وغيرهما مما هو من أفعالهم.