التواب فعال من تاب يتوب أي يقبل توبة عباده كما قال ﷿: ﴿وهو الذي
[ ٦٢ ]
يقبل التوبة عن عباده﴾، وقال: ﴿غافر الذنب وقابل التوب﴾. فالله تعالى يقبل توبة عباده.
و«فعال» من أبنية المبالغة مثل ضراب للكثير الضرب، وقتال للكثير القتل كما قال الشاعر:
أخا الحرب لباسًا إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا
فجاء تواب على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة، وواحدًا بعد واحد على طول الزمان وقبوله ﷿ ممن يشاء أن يقبل منه، فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله ﷿ ويقلع عن ذنوبه والله يتوب عليه أي يقبل توبته، فالعبد تائب والله تواب.
فإن قال قائل أفيجوز أن يقال: الله ﷿ تائب على عباده أي يقبل توبتهم كما قيل له ﷿ تواب؟
قيل له: ليس لنا أن نطلق على الله ﷿ من الصفات إلا ما أطلقه جماعة المسلمين وجاء في الكتاب وإن كان في اللغة محتملًا.
وقد قال الله ﷿: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾. وقال في موضع آخر ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ فقد جاء الفعل منه على فعل يفعل
[ ٦٣ ]
وما نطق منه بفعل يفعل فاسم الفاعل منه قياسًا فاعل، كقولك: ضرب زيد يضرب فهو ضارب، وذهب يذهب فهو ذاهب، فكذلك يقال قياسًا تاب زيد يتوب فهو تائب.
فإن كانت الأمة تطلق ذلك على الله ﷿ فقياسه في اللغة مستقيم. وإن لم تطلق ذلك على الله ﷿ فلا يجوز الإقدام عليه وإن كان في اللغة جائزًا.
على أنه إنما قيل لله ﷿: تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده ولكثرة من يتوب إليه وتردد هذا الفعل وتكراره وقبوله منهم ليدل على هذا المعنى فلا يجاوز هذا.
وقد جاء في صفاته ﷿ ما لا ينطق باسم الفعل كقولك: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾. وقوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾. ولم يقل الله متبارك كما قيل: تعالى فهو متعال، والوزن والتقدير في العربية واحد.
وقد جاء في صفاته ﷿ ما نطق باسم الفاعل كقولك: الله المؤمن المهيمن، ولا تقول آمن الله ولا هيمن وإنما نسعى في صفاته ﷿ إلى ما اطلقته الأمة وجاء في التنزيل، ونمسك عما سوى ذلك.
وقد زعم بعضهم أن التواب إنما هو من آب يؤوب: إذا رجع إلى الشيء مرة بعد أخرى كأنه إذا قيل: فلان تواب فإنما يراد به رجاع إلى أمر الله دفعة بعد أخرى، أو رجاع عن ذنوبه.
وكذلك قيل في قوله ﷿ ﴿إنه أواب﴾ أي رجاع تواب فكأن توابًا فعال من آب يؤوب فأبدلت من الهمزة تاء لما أريد به فضل معنى على الرجوع إذا لم يرد به رجوع فقط وأريد به الرجوع إلى أمر الله أو الرجوع عن الذنوب والمعاصي. ليفرق بين المعنيين بإبدال الهمزة تاء، وهو مذهب حسن في التأويل، إلا إن إبدال التاء من
[ ٦٤ ]
الهمزة لا يكاد يوجد في كلامهم، فجائز أن [يكون]
هذا حرفًا نادرًا جاء في كلامهم لا نظير له، لأنه قد تشذ في كلامهم الكلمة فتنفرد فلا يكون لها نظير.
فأما إبدال الحروف بعضها من بعض فغير منكر في كلامهم كقولهم: هرقت الماء وأرقته، ومدحت الرجل ومدهته، ووشاح وأشاح وما أشبه ذلك.