١٨٢/١- ابن عبد الحكم قال: وقال عمر بن عبد العزيز: إن للإسلام حدودا، وشرائع، وسننا، فمن عمل بها استكمل الإيمان، ومن لم يعمل بها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش أعلمكموها وأحملكم عليها، وإن مت، فما أنا على صحبتكم بحريص١.
١٨٣/٢- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز رسالة وفيها: "أسأل الله برحمته وسعة فضله أن يزيد المهتدي هدى، وأن يرجع بالمسيء التوبة في عافية منه "٢.
١٨٤/٣- ابن سعد قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله٣، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير٤، وعمر بن
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٠، وقد مر في المبحث السابق تخريجه. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٨٠. ٣ هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي كان ثقة كثير الإرسال. انظر الطبقات ٦/٣١٣. ٤ هو موسى بن أبي كثير الأنصاري من المتكلمين في الإرجاء وغيره. وكان ثقة في الحديث. انظر الطبقات٦/٣٣٩.
[ ١ / ٥٥٠ ]
حمزة١، فكلموه في الإرجاء٢، وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه٣.
١٨٥/٤- ابن سعد أيضا قال: ممن وفد إلى عمر بن عبد العزيز وكلمه في الإرجاء موسى بن أبي كثير٤.
التعليق:
تبين من الآثار السابقة الواردة عن عمر أن الإيمان يزيد وينقص. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح. وهذه الأدلة كثيرة يصعب استقصاؤها في هذا المقام وإنما يذكر أمثلة تدل على المقصود. فمنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ٥، وقوله ﷿:
_________________
(١) ١ عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني ضعيف. تقريب ص٤١١. ٢ الإرجاء: هو التأخير: وكذلك إعطاء الرجاء، والمرجئة فرقة من الفرق الضالة وهم أصناف عدة. ويتميزون بأنهم يؤخرون الأعمال عن الإيمان، ويعطون الرجاء للفساق أي أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. انظر مقالات الإسلاميين ١/٢١٣-٢٢٥، والملل والنحل للشهرستاني ١/١٨٩-١٩٥، على هامش الفِصَل، والفرق بين الفرق ص٢٠٢. ٣ ابن سعد: في الطبقات ٦/٣١٣. ٤ انظر: ابن سعد في الطبقات ٦/٣٣٩. ٥ الآية ٢ من سورة الأنفال.
[ ١ / ٥٥١ ]
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات.
ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"٣، وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" ٤.
ووجه الدلالة من هذا الحديث نفي كمال الإيمان الواجب عمن اقترف هذه المعاصي، وأنه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان. وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، على أحد الأقوال٥.
_________________
(١) ١ الآية ٧٦ من سورة مريم. ٢ الآية ٣١ من سورة المدثر. ٣ أخرجه البخاري ١/٥١،برقم (٩)، ومسلم ١/٢٠٢-٢٠٣برقم (٥٨) واللفظ له. ٤ أخرجه البخاري ٥/١١٩، برقم (٢٤٧٥)، ومسلم ١/٢٣١-٢٣٢ رقم (١٠٠) . ٥ انظر زيادة الإيمان ونقصانه للشيخ الدكتور عبد الرزاق ص٦٨.
[ ١ / ٥٥٢ ]
ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له" ١. ووجه الدلالة أن من لا أمانة له يعتبر مؤمنا ناقص الإيمان.
ومن أقوال سلف الأمة قول الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص٢.
وقول معاذ بن جبل ﵁ اجلسوا بنا نؤمن ساعة"٣، وقول عمر بن الخطاب ﵁ لأصحابه هلموا نزداد إيمانا وفي لفظ تعالوا نزداد إيمانا٤.
فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه مما أجمع عليه سلف الأمة لكن أهل البدع زاغوا عن هذا الإجماع. فذهب طوائف من المتكلمين والمرجئة والخوارج، والمعتزلة إلى أن الإيمان لا يزيد وينقص. واستندوا إلى شبه، ولعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يقصد الرد على بعض هؤلاء الذين يرون عدم زيادة الإيمان ونقصانه بقوله: "فمن استكملهن فقد استكمل الإيمان " ومن لم يستكملهن لم يستكمل الإيمان، فالإيمان عنده رحمه الله تعالى ذو شعب وأجزاء وهو شامل للعبادات البدنية
_________________
(١) ١ الإيمان لابن أبي شيبة ص٥ وصححه الألباني. ٢ البخاري مع الفتح ١/٤٧. ٣ رواه البخاري في صحيحه تعليقا ١/٤٥. ٤ الإيمان لابن أبي شيبة ص٣٦.
[ ١ / ٥٥٣ ]
والقلبية. كما أنه يحتوي على المندوبات والمنهيات. وهذه كلها قابلة للزيادة والنقصان فعمل القلب يزيد وينقص بكثرة النظر في الأدلة ووضوحها. ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة وكل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكلا منه في بعضها١. ويؤيد الأثر الثاني المروي عن عمر ما سبق تقريره في الأثر الأول حيث عد الإيمان بالله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من الإسلام والإسلام إذا أطلق مفردًا فإنه يدخل فيه ويراد به الإيمان كما سبق بيانه. وهذه الشعب في هذا الأثر هي شعب الإيمان الواردة في حديث وفد عبد القيس كما في الصحيحين أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله ﷿ قال: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم "٢.
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٦. ٢ البخاري مع الفتح ١/١٢٩، برقم (٥٣)، ومسلم ١/١٥١، برقم (٢٣) .
[ ١ / ٥٥٤ ]
أما الأثر الثالث فيدل على زيادة الهدى والهدى من الإيمان قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٢، وقوله في أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٣، فالهدى من الإيمان وزيادته دليل على زيادة الإيمان.
وبعد ثبوت هذه الآثار عن عمر رحمه الله تعالى يتحتم الإشارة إلى أن ما رواه ابن سعد في الطبقات أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة جاءه راحلا إليه عون بن عبد الله، وموسى بن أبي كثير، وعمر بن حمزة، فكلموه في الإرجاء وناظروه فزعموا أنه وافقهم ولم يخالفهم في شيء منه غير صحيح، للأدلة الصحيحة من الآثار المتقدمة التي نقلت عنه ولأن ابن سعد روى هذا الخبر بدون سند، ولأنه استعمل فيه صيغة التمريض "زعموا" وأيضا إن مثل هذا الزعم والادعاء لا يعول عليه لأن رواته
_________________
(١) ١ الآية ٧٦ من سورة مريم. ٢ الآية ١٧ من سورة محمد. ٣ الآية ١٣ من سورة الكهف.
[ ١ / ٥٥٥ ]
متهمون بالإرجاء، ولو سلمنا جدلا بثبوت تلك الرواية فيحتمل أنه وافقهم قبل أن يطلع على خبث هذا المذهب فحين اطلع عليه بدأ يكتب رسائله إلى عماله مبينا لهم حقيقة الإيمان عند السلف، ومضمنا في نفس هذه الرسائل الرد على المبتدعة. وقد ثبت في كتب التراجم أن من بين الذين وفدوا على عمر من تاب١ عن الإرجاء فلعل اللقاء حصل بينهم قبل ذلك. وهذا هو الصحيح لصحة ما نقل عنه من الآثار ولشدته رحمه الله تعالى على جميع المبتدعة كما مر فيما سبق. وسيأتي مزيد بيان لهذه الرواية في مبحث الرد على المرجئة.
هذا ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة يقبل الزيادة والنقصان كان موقفهم مخالفا لموقف الفرق الضالة في مسألة مرتكب الكبيرة المسلم يتبين لنا ذلك فيما يأتي من الآثار عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر سير أعلام النبلاء ٥/١٠٤.
[ ١ / ٥٥٦ ]