أفادت الآية أن طريق الحق واحدة (٣)، وأن للباطل طرقًا متعددة، وتعددها لم ينحصر بعدد مخصوص. وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: "كنا عند النبي - ﷺ -، فخط خطًا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده على الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣" (٤)؛ لذا فالوسطية صراط خطه النبي - ﷺ - ثم أمر الناس بالسير عليه لا بالبحث عنه، وكذلك فتفسيره - ﷺ - يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، فلا تختص ببدعة دون أخرى (٥)؛ فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه.
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (٢/ ٤٠).
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ١٠٠).
(٣) الطريق المستقيم هو أقصر الطرق إلى الله ﷿؛ كما أن الخط المستقيم هو أقصر خط بين نقطتين، فالمستقيم لا يتعدد، كما يتعدد الخط المنحني والمنكسر والمتعرج.
(٤) أخرجه ابن ماجة في المقدمة باب اتباع رسول الله - ﷺ - برقم (١١)، صححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (١١).
(٥) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٨٤).
[ ٩٩ ]
والسبل الجائرة عن الحق، العادلة عنه، هي طرق أهل البدع والضلالات، الحائدين عن الصراط المستقيم (١)؛ وكفى بالجائر أن يحذر منه، بدليل سياق الآية الدلالة على التحذير والنهي (٢).
وقد أوضحت هذه الآية الأمر بالتوسط في باب الأمر والاتباع؛ فأتت بالنهي عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، والأمر باتباع الطريق المستقيم.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين؛ فهم كما قال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل" (٣).
وبمزيد من التدبر والتأمل في آيات الوسطية نجد أنها عندما سَلطتْ الضوء على معنى الوسطية، لم تقف عند هذا القدر، فليس هذا هو كل ما ترمي إليه الآيات الكريمات، بل إنها كما أرادت أن تعطينا هذا الحكم فهي تريد في الوقت نفسه أن تلفتنا إلى وجه حجتها وطرق برهنتها على معانيها، وهذا ما سنجده في المطلب التالي، بإذن الله تعالى.
_________________
(١) وليس المراد سبل المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقًا تسلك دائمًا على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات؛ لأن متعلق البدعة هو الاستدراك على الشريعة ونسبة النقص لها واتهام النبي - ﷺ - بعدم إكمالها. ينظر: شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٩).
(٢) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٨٤)، وشرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٩).
(٣) الوصية الكبرى (ص ١٢).
[ ١٠٠ ]