الجواب: المراد من تعيين كونها سبع أرضين الإخبار بعددها وأنها مثل السماوات
[ ٣٤ ]
في العدد، وأن بين كل أرض والتي تليها كما بين كل سماء والتي تليها، وسمك كل أرض مثل سمك كل سماء؛ كما هو مصرح به في كثير من الأحاديث، فانظرها إن شئت، وإن مست الحاجة إلى ذكر شيء منها ذكرته إن شاء الله تعالى.
وقولك أيها السائل "وقد رد في الحديث " إلخ، هو كما قلت من حيث المعنى، والوارد أبسط مما ذكرت، ولكن صرح فيه بشذوذ الحديث ونص الوارد، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: "سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى"، قال البيهقي: إسناده صحيح، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا ا. هـ.
أقول، والله الموفق للصواب: الحديث يقتضي -باعتبار فحواه وظاهره - أن كل ما وقع على ظهر الأرض التي نحن عليها من لدن آدم إلى انقضاء أجلها واقع مثله على ظهر غيرها، وما لم يذكر في الحديث من بقية الرسل والأمم وما وقع من الحوادث من قتل قابيل أخاه هابيل والطوفان والصيحة والرجفة وإغراق فرعون وخروج سيدنا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة وهلم جرا هو في حكم المذكور؛ لأن آدم الأرض الثانية مثلا إذا لم يكن مصحوبا وموصوفا بما وصف به آدم أرضنا عند نزوله من الجنة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى لم يكن كآدم أرضنا، والحديث يقتضي أنه مثله في كل صفاته حسبما قرروه في المثل والنظير والشبيه، فالمماثل لك هو المتصف بمثل جميع صفاتك،
[ ٣٥ ]
والنظير في غالبها، والشبيه في بعضها ولو قل، فتنبه وتفطن لتحوز المعالي، وهذا الحديث ومثله مما يجب الإيمان بظاهره ولا دخل للعقل في شيء من ذلك؛ لما قررناه آنفا أن العقل في عقال عن مثل هذا، ويشهد لذلك حديث ابن عباس ﵄ الذي رواه مجاهد في قوله: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾، قال: "لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم بتكذيبكم بها" ا. هـ. وذلك أن العقول (١)
لا تصدق بما لا تتصوره إلا إذا كانت تابعة في ذلك التصديق لحكم الشارع كما هنا وأمثاله، فالواجب الرجوع لما قررناه سابقا من الوقوف عند نص الشارع.
(بقي) علينا إذا ثبت لدينا ما تقدم ذكره: هل لكل أرض غير أرضنا سماء تظلها مزينة بكواكب ككواكب سمائنا، ويسقون منها كما نسقى من سمائنا؟ فإذا قلنا بذلك لزم زيادة السماوات على السبع، وإذا لم نقل فمن أين تضيء وتستنير أرضهم؟ ومن أين يسقون؟ إلى غير ذلك من المنافع السماوية (٢)
الجواب: لنا أن
_________________
(١) قوله لا تصدق إلخ، ولذا قال ابن كثير: وهذا إن صح نقله عن ابن عباس يحمل على أنه أخذه من الإسرائيليات، وعلى تقدير ثبوته يكون المعنى أن ثم من يقتدى به يسمى بهذه الأسماء، وهم الرسل المبلغون الجن عن أنبياء الله، سمي كل منهم باسم الذي بلغ عنه ا. هـ. محمد الزرقاني، وعلى هذا فتحمل المثلية في الحديث على المثلية الإجمالية على نحو ما قيل في المثلية في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ﴾ إلخ، أي: في تدبيره تعالى لشئونها وانقيادها لعبادته وفهم بعضها عن بعض أو بعثها وحسابها ونحو ذلك مما تتماثل فيه كل المخلوقات مماثلة تامة.
(٢) قوله الجواب لنا إلخ، ولنا أن نقول بالثاني وأنهم إذا كانوا من جنس الملك كما تقدم عن الإبريز في بدء خلق السماء والأرض، وسيأتي عنه في بدء خلق الشمس، فهم مستغنون عما ذكر، كما كانوا قبل خلق الشمس، وكمن فوق فلك الشمس، كما استغنوا عن الأمطار وما يترتب عنها، ولما تباينا معهم في أصل المادة فليكن في اللوازم أيضا وبما هنا يجاب عن التوقف الآتي في مبحث تعدد الأرضين.
[ ٣٦ ]